في لحظة سياسية انتقالية معقدة، جاء خطاب الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في مركز تشاتام هاوس بلندن بوصفه محاولة لإعادة تعريف سوريا، لا كجغرافيا خارجة من حرب فحسب، بل كفاعل سياسي يسعى إلى إعادة إدماج نفسه في النظام الدولي.
غير أن القراءة المتأنية لهذا الخطاب، وفق منهجية تحليل الخطاب النقدي تكشف عن طبقات أعمق من المعاني، تتجاوز ظاهر التطمينات إلى بنية أيديولوجية تحاول إعادة إنتاج السلطة تحت مسمى الدولة.
خطاب يعيد إنتاج “نحن” جديدة
في قلب الخطاب، تبرز بوضوح محاولة إعادة بناء ثنائية “نحن/هم”، و”نحن” هنا لم تعد الفصائل أو الثورة، بل “الدولة السورية الجديدة”.. كيان يقدم باعتباره:
شرعيا (ثوريا ومجتمعيا ودوليا).
عقلانيا.
منفتحا على العالم.
في المقابل، يعاد تشكيل “الآخر” في دوائر متدرجة:
النظام السابق، وإيران، والميليشيات، وحتى “قسد” التي تجرد من شرعيتها عبر وصفها بـ”المؤقتة”.
هذه الثنائية لا تعمل فقط على توصيف الواقع، بل على إعادة تشكيل الإدراك الجماعي، وإقناع الجمهور، خصوصا الغربي، بأن ثمة قطيعة حصلت بين الفوضى السابقة والنظام السياسي الجديد، غير أن هذه القطيعة، كما يوحي الخطاب ذاته، ليست كاملة بقدر ما هي مدارة بعناية.
المربع الأيديولوجي: إبراز الذات وتحييد التناقض
وفق مفهوم “المربع الأيديولوجي” لدى خبراء تحليل الخطاب، يقوم الخطاب السياسي عادة على إبراز إيجابيات الذات، وتقليل سلبياتها وإبراز سلبيات الآخر وتقليل إيجابياته.
تظهر هذه الأمور بوضوح في خطاب الشرع.
فالدولة تُقدَّم بوصفها حامية القانون، بينما يبرر الماضي الجهادي باعتباره نتاج “ظروف تاريخية”، فلا يوجد اعتذار صريح، بل إعادة تأطير، لا نقد جذري، بل مراجعة محسوبة.
هنا تحديدا تكمن إحدى الإشكاليات الجوهرية، فهل نحن أمام تحول حقيقي في البنية الفكرية، أم أمام إعادة صياغة لغوية لموقع السلطة؟
الخطاب لا يجيب، لكنه يترك مؤشرات على أن التحول سياسي أكثر منه فكريا.
إدارة الذاكرة: ما يُقال وما يُحذف
من أبرز أدوات الهيمنة الخطابية “إدارة المعرفة”، والتحكم فيما يُقال وما يُترك في الظل.
في هذا السياق تصاغ جرائم للنظام بكثافة، ويشار إلى التدخل الإيراني بوضوح، وتختزل تعقيدات الصراع الداخلي، وتُخفف مسؤولية الفاعلين العابرين للحدود (المنظمات الجهادية).
هذا الانتقاء هو إعادة كتابة للذاكرة السياسية بما يخدم شرعية الحاضر، ما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل العدالة الانتقالية، التي بدت في الخطاب مقيدة بسقف الاستقرار، لا مدفوعة بمطلب الحقيقة الكاملة.
العدالة المؤجلة: بين الاستقرار والمساءلة
حين يتحدث الشرع عن العدالة الانتقالية، يستخدم لغة قانونية منضبطة من رفض الانتقام، والتأكيد على المؤسسات، وحصر المحاسبة في “الجرائم الكبرى”.
لكن وفق قراءة نقدية، فإن هذا الطرح يعكس ما يمكن تسميته: “عدالة انتقائية وظيفية”، وهي تهدف إلى تهدئة المخاوف دون الذهاب بعيدا في تفكيك منظومة العنف، حيث تبرز معضلة كلاسيكية في المجتمعات الخارجة من النزاعات:
هل يمكن بناء دولة مستقرة دون عدالة شاملة؟ الخطاب يميل إلى الإجابة بالنفي، لكنه لا يقدم بديلا واضحا.
الدولة أم السلطة؟ إشكالية الاحتكار السيادي
أحد المحاور المركزية في الخطاب هو “حصر السلاح بيد الدولة”، وهو مبدأ حديث في ظاهره، لكنه يحمل في طياته إشكالية أعمق.
وفق التحليل النقدي يُستخدم مفهوم الدولة لتبرير إعادة تركيز القوة، ودون ضمانات كافية لآليات الرقابة والمساءلة، فالانتقال من تعدد الفاعلين المسلحين إلى مركزية السلطة لا يعني بالضرورة الانتقال إلى دولة ديمقراطية بل يعني ببساطة إعادة إنتاج السلطة بشكل أكثر تنظيما
الديمقراطية المؤجلة: خطاب بلا جدول زمني
في ملف الانتخابات، يحيل الشرع المسألة إلى الدستور المرتقب، دون تقديم جدول زمني واضح، أو تصور ديمقراطي، أو حتى شكل للحياة السياسية، هذا التأجيل يحمل دلالة مهمة.
الغموض هنا استراتيجية خطابية في تأجيل الاستحقاقات عبر مبررات المرونة السياسية، ويتجنب الالتزام أمام جمهور دولي، لكن النتيجة العملية ديمقراطية مؤجلة إلى أجل غير مسمى
الاقتصاد كبديل عن السياسة
اللافت في الخطاب هو الحضور القوي للبعد الاقتصادي عبر الحديث عن إعادة الإعمار وجذب الاستثمار، وعودة اللاجئين.
يُطرح الاقتصاد هنا كمدخل للاستقرار، وربما كبديل ضمني عن النقاش السياسي، وهذه المقاربة تعكس تحولا معروفا في الخطابات الانتقالية باستبدال الشرعية السياسية بشرعية الأداء الاقتصادي.
التجارب المقارنة تُظهر الاقتصاد ربما يحقق الاستقرار، لكنه لا يضمن التحول الديمقراطي، بل يُستخدم لتكريس أنماط جديدة من السلطوية “الناعمة”.
البراغماتية كأيديولوجيا
إذا كان ثمة خيط ناظم للخطاب، فهو براغماتية مفرطة تقترب من الانتهازية السياسية؛ حيث تلغى الحدود بين الخصومة والتحالف، وتُختزل المواقف إلى حسابات ظرفية، فيصبح الجميع، بلا استثناء، مجرد أوراق قابلة لإعادة الترتيب على طاولة التفاوض.
هذه البراغماتية تمنح الخطاب مرونة، وتزيد من قابليته للتسويق دوليا، لكنها في الوقت ذاته تفرغ المشروع السياسي من أي مضمون معياري واضح، فالديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمساءلة، كلها تغيب كأولويات صريحة، لصالح مفاهيم مثل “الاستقرار” و”التنمية”.
استشراف المستقبل: إلى أين تتجه سوريا؟
عبر التحليل السابق يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة:
دولة مستقرة بلا ديمقراطية
حيث تنجح السلطة في:
توحيد السلاح.
تحقيق نمو اقتصادي نسبي.
الحفاظ على علاقات دولية متوازنة.
لكن دون انفتاح سياسي حقيقي.
انتقال تدريجي مشروط في حال:
ضغط دولي مستمر.
تطور مؤسساتي داخلي.
بروز نخب سياسية جديدة.
عندها يمكن أن نشهد انفتاحا تدريجيا نحو نموذج هجين.
إعادة إنتاج السلطوية
إذا تحولت الدولة إلى أداة احتكار للسلطة، ودون رقابة أو مشاركة سياسية ستعود سوريا إلى نمط سلطوي جديد، وإن بوجه مختلف.
خطاب أحمد الشرع نجح، وفق معايير التحليل الخطابي، في إعادة صياغة الصورة الذهنية لسوريا، وتقديم سردية متماسكة، ومخاطبة الجمهور الدولي بلغة مفهومة.
لكن خلف هذا النجاح اللغوي، تبقى الأسئلة الجوهرية مفتوحة: أين تقف الديمقراطية في هذا المشروع؟ وهل العدالة أولوية أم عبء يجب تأجيله؟ والدولة القادمة هي إطار للمواطنة أم وعاء لسلطة جديدة؟
الخطاب ليس مجرد كلمات، بل ممارسة سلطة، وفي الحالة السورية، يبدو أن السلطة، حتى في طورها الانتقالي، لا تزال تتقدم على السياسة، وتؤجل الديمقراطية إلى إشعار آخر.
بين خطاب الدولة وخطاب السلطة
قراءة نقدية في مداخلة أحمد الشرع في تشاتام هاوس: إعادة تعريف “نحن/هم”، وإدارة الذاكرة، والعدالة المؤجلة، وبراغماتية تفرغ المشروع من مضمونه المعياري


المصدر: سوريا الغد