2026-03-29
تبدو الحرب على إيران في ظاهرها كأزمة شرق أوسطية جديدة؛ من الصراع على الردع، وعلى البرنامج النووي، وعلى ميزان القوة الإقليمي، وهذا الوصف، على أهميته، يبقى اتجاها واحدا فقط، فالحروب الكبرى لا تقرأ فقط من خلال أهدافها المباشرة، بل من خلال آثارها على النظام الدولي الأوسع، من الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والتحالفات، إلى توزيع المخاطر بين القوى الكبرى.
وتكشف الحرب على إيران من هذه الزاوية جانبا مهما من التنافس الأمريكي – الصيني؛ ليس بوصفها حربا شنت “من أجل الصين”، بل أزمة تضرب بعض المرتكزات الحساسة في الموقع الدولي لبكين.
عمليا هناك إغراء للسرديات التي تفسر كل حدث على أنه حلقة في تصميم شامل ومغلق، أو الذهاب إلى الاتجاه المعاكس واعتبار أن ما يجري في إيران منفصل تماما عن التنافس الأمريكي – الصيني.
لكن السياسة الدولية لا تتحرك بهذه البساطة فالحرب على إيران تندرج في لحظة تاريخية باتت فيها كل أزمة إقليمية كبرى تقاس، في واشنطن وبكين معا، بآثارها على توازن القوة بينهما.
الصين ليست طرفا عسكريا في الحرب، لكنها طرف استراتيجي في نتائجها
الواقع الأكثر وضوحا أن الصين تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة، والنفط الإيراني يحتل موقعا مهما في هذا الاعتماد، فالصين استوردت في 2025 نحو 11.55 مليون برميل نفط يوميا، بما يكرس موقعها بوصفها أكبر مستورد عالمي للخام، وفي السنة نفسها، بلغ متوسط مشترياتها من النفط الإيراني نحو 1.38 مليون برميل يوميا، أي أكثر من 80% من الصادرات الإيرانية المنقولة بحرا.
هذا لا يجعل إيران المورد الوحيد للصين، لكنه يجعلها مصدرا لا يمكن اعتباره ثانويا في حسابات أمن الطاقة الصيني.
هنا تبرز الدلالة الجيوسياسية للحرب، فحتى عندما لا تنقطع التدفقات النفطية بالكامل، يكفي أن يتحول مصدر رئيسي إلى مصدر عالي المخاطر حتى تتغير المعادلة، فترتفع كلفة التأمين، ويزداد الضغط على الشحن، وتضيق قدرة المستورد على التخطيط المريح، ويتحول الأمن البحري من مسألة تقنية إلى مسألة استراتيجية.
هذا النوع من الضغوط لا يظهر دائما في صورة “نقص فوري” في البراميل، بل في صورة هشاشة متزايدة في بنية الاعتماد نفسها، وهذا أمر شديد الأهمية بالنسبة إلى الصين، لأن نقطة ضعفها الكبرى في التنافس مع الولايات المتحدة لا تكمن في التصنيع أو التمويل وحدهما، بل في تعرضها البنيوي لاختناقات الطاقة والنقل البحري.
من كاراكاس إلى الخليج… ليس خطا مستقيما، لكنه نمط يمكن رصده
الحدث الفنزويلي يدخل في هذا السياق من باب مختلف، حيث وثقت تقارير رويترز أن فنزويلا فقدت جانبا مهما من سوقها الصينية بعد التغيير الذي فرضته العملية الأمريكية في السطو عليها و اعتقال رئيسها وزوجته، وأن تجارة النفط الفنزويلي تعرضت لإعادة تشكيل حادة، فبعض السرديات بالغت عندما تحدثت عن “انقطاع كامل” فوري للنفط الفنزويلي إلى الصين، لكن الأهم أن أحد المنافذ المريحة لبكين تعرض لصدمة جيوسياسية فعلية.
الفكرة ليست أن واشنطن تدير العالم عبر خريطة واحدة ميكانيكية، فالأهم أن البيئات التي تستفيد منها الصين لتأمين مواردها الخارجية أصبحت أكثر قابلية للاهتزاز تحت الضغط الأمريكي، ففنزويلا وإيران حالتان مختلفتان في الجغرافيا والسياسة، لكنهما تلتقيان في أمر واحد فكلاهما يمثل، بدرجات متفاوتة، قناة تفضيلية أو مرنة للصين في سوق الطاقة خارج المنظومات التقليدية المنضبطة بالتحالف الأمريكي، وعندما تضطرب هذه القنوات أو تُعاد هيكلتها قسرا، فإن الصين لا تُهزم، لكنها تدفع كلفة أعلى كي تحافظ على المستوى نفسه من التدفق.
الحرب تكشف أن الطاقة ليست سوقا فقط، بل بنية نفوذ
في العقود الماضية، شاعت قراءة للاقتصاد العالمي تقوم على أن السوق في النهاية تعثر دائما على بدائل، وأن النفط سلعة قابلة للاستبدال، وأن من الخطأ تضخيم المخاطر السياسية ما دامت البراميل تتحرك.
هذه القراءة صحيحة جزئيا، فأسواق الطاقة لا تعمل في الفراغ، وهناك فرق بين سوق مستقرة نسبيا، يمكن فيها للصين أن تنوع وارداتها بين روسيا والسعودية والعراق والبرازيل وإيران وفنزويلا، وبين سوق تُدار تحت ضغط الحرب، وتهديد المضائق، وإعادة التسعير، والعقوبات، والاضطراب التأميني.
في الحالة الثانية، لا تكون المشكلة نقصا في البراميل وحدها، بل تراجعا في حرية الاختيار، وهذا التراجع بحد ذاته شكل من أشكال الخسارة الاستراتيجية.
تتضح الصورة أكثر إذا نظرنا إلى السعودية، فبحسب بيانات رويترز، خفّضت أرامكو بعض الإمدادات المتجهة إلى آسيا للشهر الثاني، لكنها في الوقت نفسه رفعت الشحنات عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر، واستخدمت خط الأنابيب الشرقي – الغربي للتكيف مع اضطرابات هرمز.
هذا لا يعني استقرارا كاملا، لكنه يشير أن الأنظمة المتحالفة مع واشنطن تظل أكثر قدرة على إعادة التموضع تحت الضغط من الأنظمة الواقعة في مرمى الحرب أو العقوبات، وهذه ميزة سياسية، لا لوجستية فقط.
أوروبا لم تعد مطمئنة بالكامل إلى أمريكا
البيانات الألمانية الرسمية أظهرت أن الصين عادت في 2025 لتصبح الشريك التجاري الأول لألمانيا، بينما كشف الجدل السياسي الألماني حول الحرب على إيران حجم التوتر الذي أصاب العلاقات عبر الأطلسي.
وصف الرئيس الألماني للحرب بأنها “خطأ كارثي” يشير إلى أن جزءا من أوروبا بات يرى في السياسات الأمريكية مصدرا لعدم اليقين، لا مجرد مظلة للحماية.
لكن ينبغي الحذر من المبالغة، فإيطاليا نفسها، التي استُخدمت كثيرا بوصفها مثالا على “الاندفاعة الأوروبية نحو الصين”، خرجت من مبادرة الحزام والطريق في 2023، دخلت في مرحلة أشد تعقيدا عبر تقليل اعتمادها الأمني والتقني على الولايات المتحدة من جهة، وتقليل تعرضها الاقتصادي للصين من جهة أخرى، وهذه المعادلة تفتح هامشا أوروبيا أوسع، لكنها لا تصنع تلقائيا اصطفافا أوروبيا خلف الصين..
لماذا تبقى تايوان في خلفية كل هذا؟
إذا كانت إيران تكشف هشاشة الطاقة، فإن تايوان تكشف هشاشة التكنولوجيا، فتايوان ما تزال تهيمن على نحو 92% من القدرة التصنيعية العالمية لأكثر أشباه الموصلات تقدما، ما يعني أن جوهر الصراع الأمريكي – الصيني لا يدور فقط حول من يملك السفن أكثر أو النفط أكثر، بل حول من يستطيع تأمين العقد الحرجة في الاقتصاد العالمي من الطاقة والممرات والرقائق والمعايير والتمويل.
هنا بالذات تتلاقى أزمات تبدو متباعدة: الخليج، وأوروبا، وفنزويلا، وتايوان، وهي ليست جبهات حرب واحدة بالمعنى المباشر، لكنها مسارح مترابطة في منافسة واحدة على شروط التفوق في القرن الحادي والعشرين.
الحرب تؤكد دخول العالم مرحلة الإكراه المتبادل
الاستنتاج الأرجح ليس أن كل ما يجري صمم حصريا لخنق الصين، ولا أن الصين يمكن عزلها بسهولة عبر ضربة أو اثنتين في أطراف النظام الدولي، فالأهم أن التنافس الأمريكي – الصيني دخل مرحلة باتت فيها الأزمات الإقليمية تنتج آثارا عالمية فورية على ميزان القوة بين الطرفين.
أظهرت الحرب على إيران أن الصين، رغم قوتها الصناعية والتجارية، ما تزال مكشوفة عند عقد حاسمة.. الطاقة والممرات البحرية، وبعض الاختناقات التكنولوجية، وأن الولايات المتحدة، رغم قدرتها العسكرية والتحالفية، لا تستطيع إدارة هذه الأزمات من دون كلفة متزايدة على علاقاتها الدولية وعلى استقرار الأسواق التي تدّعي قيادتها.
لسنا أمام عالم تحسمه الضربة القاضية، بل أمام عالم الإكراه المتبادل، فكل طرف قادر على إيلام الآخر، لكن أي محاولة لتقليم نفوذ الخصم تولّد ارتدادات على النظام كله.
هذا هو المعنى الأعمق للحرب على إيران في السياق الدولي الراهن، فهي لا تحسم الصراع الأمريكي – الصيني، لكنها تكشف طبيعته الحقيقية؛ صراع لا يدور فقط على من يقود العالم، بل على من يستطيع تحمّل كلفة قيادته.