د. طنوس شلهوب
الانقسام العامودي للمجتمع اللبناني يطال كما القضايا الجوهرية المرتبطة مثلاً بالانتماء، والاقتصاد، والخيارات السياسية، وحتى احياناً في بعض السلوكيات المنسوبة الى مفهوم الهوية، مثل، انتم لا تشبهوننا، والذي يُغطى غالباً بالانتماء الديني، بالرغم من ان التنوع الديني يفترض انتاج غنى ثقافي، الا انه على أرضية البنية الطائفية للنظام السياسي، فان هذا التنوع يتحول الى عنصر صراع لا تتوانى قوى السلطة الممثلة لمصالح رأس المال ان تستخدمه في آليات المستوى السياسي لاعادة انتاج هيمنتها، ولو بأشكال متجددة، على غرار المارونية السياسية، او السنية، او الشيعية والخ.، وهذا التبدل في الالوان هو فقط تعبير شكلي لا يلغي وحدة المضمون.
على امتداد قرن ونيف من عمر الكيان اللبناني الوليد المسخ لسايكس بيكو، لم تتشكل بين “اللبنانيين” هوية مشتركة، يُفترض ان تفضي منطقياً الى صياغة اجابة موحدة لمسائل اساسية مثل من هم اللبنانيون، ما هو المشروع الاقتصادي- الاجتماعي الذي يعبر عنهم، اين هو موقعهم تجاه الاقليم والعالم، كيف ينظرون الى مسؤولياتهم ودورهم في الصراعات الاقليمية والدولية، ما هي معايير العقد الاجتماعي الدستوري الذي يساهم في صناعة مستقبلهم، والخ.
ومما لا شك فيه ان زرع المشروع الصهيوني في فلسطين وما تبع انشاء الكيان من تهجير للشعب الفلسطيني من ارضه، والدور الذي انيط به كرأس حربة للامبريالية في منطقة تحتل موقعاً جيوسياً شديد الاهمية مع ما تختزنه من ثروات طبيعية هائلة، ترك تداعيات كبيرة على شعوب المنطقة، ووضعها امام تحديات كثيرة ومعقدة في سياق التصدي لمهام التحرر الوطني، وبناء الاقتصاد المنتج، وتنفيذ خطط التنمية، اي، التحرر من التبعية للاستعمار ولمراكز الامبريالية العالمية. ومن الطبيعي ان يكون للطبقات الاجتماعية والنخب السياسية مواقف متباينة، وحتى متناقضة تجاه هذه المسائل.
ان الطبقات البرجوازية والنخب السياسية الرجعية والليبرالية ترتبط مصالحها عموماً ببقاء التبعية، وهي تشكل الاداة المحلية للهيمنة الخارجية، خصوصاً اذا كانت هذه البرجوازية قد نشأت بنتيجة انشطة تجارية ريعية لا علاقة لها بالاقتصاد المنتج، (برجوازية كومبرادورية).
ان التناقض في المصالح الطبقية الاجتماعية يشكل الاساس المادي للصراع الاجتماعي والسياسي حول المسائل المشار اليها اعلاه، ومن الطبيعي ان تمارس هذه البرجوازيات عملية تضليل بما تملكه من ادوات البناء الفوقي (التعلبم، القضاء، الاعلام، المؤسسات السياسية والدينية، والخ) لمنع تشكل وعي شعبي يساهم في انتظام الطبقات المسحوقة والمستغَلة في اطار سياسي يعبر عن مصالحها المتناقضة مع بقاء التبعية ويأخذ على عاتقه مشروع التحرر الوطني الاجتماعي، وفك التبعية بمراكز الامبريالية.
ان الموقف من المشروع الصهيوني ومن القوى التي تحمل لواء مقاومة هذا المشروع هو معيار حاسم في تحديد الموقف من القضية الوطنية بالنسبة لكل من يدعي اليسارية، او الشيوعية، او الوطنية، والامر لا يقتصر على الموقف، انما يفترض بهذه القوى ان تكون هي في طليعة المنخرطين في المقاومة، بما فيها العمل العسكري المسلح.
هذا ما قام به الحزب الشيوعي اللبناني عندما أسس في السبعينات الحرس الشعبي في الجنوب، وفي اول مواجهة مع الجيش الصهيوني سقط الشهيد علي ايوب في عيناتا، وما قامت به الاحزاب الشيوعية بتأسيس قوات الانصار وقدمت الشهداء، ولاحقاً اطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، التي ساهمت بشكل فعال في طرد الصهاينة من مناطق واسعة لبنان، بالاشتراك مع قوى اخرى، قومية واسلامية.
في الوقت الذي كانت فيه قوى شيوعية وقومية (ولاحقاً اسلامية) منخرطة في العمل العسكري ضد الاحتلال، فان البرجوازية اللبنانية لم تكن فقط معادية لقوى اليسار انطلاقاً من اعتبارات التناقض في المشروع الاقتصادي الاجتماعي، انما ومن منطلق الخيارات “الوطنية” بحيث لجأت الى الصهاينة، ونسقت معهم، وشاركتهم في العام ٨٢ احتلالهم للوطن بذرائع تحرير لبنان من الفلسطيني.
واليوم، فان حزب الله يستمر في ممارسة المقاومة المسلحة ضد العدو الصهيوني في حين ان “اليسار” انكفأ عن هذا الدور، (لاسباب عديدة، منها موضوعي واساسها ذاتي) وبالتالي، وبغض النظر عن المنطلقات الايديولوجية التي يستند اليها، وعن الملاحظات والانتقادات الممكن توجيهها له، فان الوطنية لا تتحدد بهوية الطرف الذي يقاتل، بل بمن يقوم بالتصدي المسلح للمشروع الصهيوامبريالي، والطرف الذي يمارس هذا الدور (حزب الله في لبنان، حماس والجهاد وباقي الفصائل في فلسطين، الحوثيون في اليمن، الحشد الشعبي في العراق) هو الموجود في الموقع الصحيح.
انطلاقا من هذه المقاربة، ان تكون وطنياً هو ان تكون في الخندق الصحيح بالموقف والممارسة. وعندما تكون شريكاً في هذه المعركة، والتي على نتائجها سيتحدد مصير المنطقه لسنوات قادمة، فانه سيكون لك الموقع الذي يخولك ان تناقش وتنتقد وتقدم رؤيتك وتترك لابناء شعبك الاختيار. اما عندما تقدم نفسك في الوسط، في المنطقة الرمادبة، في الوقت الذي تقدم فيه المقاومة الاسلامية نموذجاً غير مسبوق من البطولات والتضحية، فانه لن يكون “ليساريتك” اي معنى.
ووفق هذا المعيار، ومن موقع الطبقات الكادحة ذات المصلحة في التحرر الوطني والتنمية والعدالة الاجتماعية، فان من هو اليوم معادٍ للمقاومة، مباشرة او مواربة هو خائن.