قراءات سياسية فكرية استراتيجية

لماذا لا يزال سبينوزا بعد نيف و400 سنة أهم فيلسوف، وثائر، في القرن 21؟

قبل طرح مداخلتنا المتواضعة حول فلسفة باروخ سبينوزا التي قد تكون (باعتراف شبه إجماعي تقريباً من الفلاسفة) من أبرز وأهم الفلسفات في الحضارة البشرية، بعض النقاط التلخيصية السريعة:
أولاً، الله لدى سبينوزا لا بشبه بشيء إله اليهودية والمسيحية. فهو ليس شخصاً، ولا هو كائن يقطن فوق غيمة في السماء منفصلاً عن الكون والطبيعة ولا يتدخل في شؤون البشر، بل هو يضع القوانين المسيّرة للكون ولكل شيء وفق مبدأ “الضرورة” الذي يخضع هو نفسه له. كما أنه إله الخير المطلق والسعادة المطلقة.
ثانيا، حين ينفي سبينوزا نفياً تاماً حرية الارادة لدى الإنسان، لا يقوده ذلك إلى العبثية واللاشيئية بل إلى العكس تماما(وهنا كمن الابداع الفكري لدى الرجل) يقود إلى الحرية الوحيدة الممكنة للإنسان وللمجتمع البشري. كيف؟ عبر وعي وفهم قانون الضرورة والطبيعة، وإسقاط الانفعالات التي يسميها “الأفكار الناقصىة”، والانطلاق من العقل إلى الفعل وليس من الغريزة والانفعال. وهذا ما جعل فلسفة سبينوزا فلسفة فرح وسعادة وليس نزعة إكتئاب وقنوط أو عبثية. كما جعلها بطلة القفزة الثانية المأمولة لتطور الوعي البشري من الوعي المايكيافيلي الغرائزي إلى الوعي العقلاني- الروحاني (بمعنى وحدة الوجود). هذا على رغم أن اليساريين الجدد لم يهضموا فكرة وحدة الوجود كما طرحها فيلسوفنا حين قال أن الله ليس هو الطبيعة، بل الطبيعة موجودة في الله، واعتبروا أنها صوفية وميتافيزيقية (وهذا ما لا يراه كاتب هذه السطور).
المداخلة ستتطرق إلى المحاور التالية:
1- أهمية وراهنية سبينوزا (عاش في القرن السابع عشر ومات عن عمر 45 سنة) في عصرنا الحديث.
2- طبيعة الله كما يراها سبينوزا.
3- مسألة الأخلاق الوضعية، وإسنادها إلى الحرية الحقيقية الوحيدة الممكنة للإنسان بدل حرية الإرادة غير الموجودة أصلا.
4- وأخيرا، حتمية التعاون والتضامن والديمقراطية في المجتمع البشري، ليس بصفتها فرضاً أخلاقياً أنزله إله متعال في السماء، بل بكونها حصيلة للطبيعة العقلية لوجودنا في العالم.

المداخلة

1- راهنية فكر سبينوزا.
كما لكل أنموذج Paradigm أو طفرة فكرية- اجتماعية جديدة في التاريخ البشري مفكريها ومنظريها، لتيار الوعي الإنساني الجديد الذي نشهد التمخضات الأولى ولادته الآن، فلاسفته ومنظريه المميزين. وهؤلاء لم يولدوا من رحم العصر الراهن، بل برزوا من بطون تاريخ تعود بداياته إلى القرن السابع عشر. على رأس هؤلاء باروخ سبينوزا، الذي باتت مساهماته الفلسفية والأخلاقية والسياسية، بمثابة الروح المحرّكة لتيارات التغيير في القرن الحادي والعشرين، تماماً كما كانت الشرارة التي أطلقت العنان لفلسفات وعلوم إنسانية جديدة.
وعلى رغم سبينوزا لم يسع إلى تأسيس مذهب، وكان ناس عصره يتحدثون عنه كأنه “كلب ميت”، إلا أن فكره اخترق كل فلسفة جاءت من بعده. وهذا ما اعترف به الجميع تقريبا بما في ذلك ناقديه الرئيسين فريدريك جاكوبي Friedrich Jacobi الذي قال أنه “لاتوجد فلسفة أخرى ماعدا فلسفة سبينوزا”، وفريدريك هيغل Hegel Friedrich الذي شدّد أنه يرفض منهج سبينوزا: ” ومع ذلك، لكي يكون المرء فيلسوفاً يجب أن يكون أولاً سبينوزيا”. غوتيه وجد لدى سبينوزا المبدأ القائل بأنه يتوجّب علينا قبول الحدود التي تفرضها علينا الطبيعة، وانبثقت “أنا” فيخته من نظرية سبينوزا القائلة بالجهد لحفاظ المرء على ذاته. كما ولّدت ارادة الحياة لدى شوبنهاور، والتطور الخلاّق لدى بيرغسون، أساساً من رحم الفلسفة السبينوزية
وقد وصف الفيلسوف الفرنسي جيل ديلوز Jack Deleuze سبينوزا بأنه “أمير الفلاسفة ومسيحهم، فهؤلاء لم يكونوا بالنسبة إليه أكثر من حواريين، كما كان للمسيح حوارييه “. وقال إيرنست بلفورت باكس Ernest Belfort Bax أن “امتلاء العلم الحديث يعود إلى سبينوزا”، هذا في حين كان أرنست رينان يعلن خلال حفل افتتاح نصب تذكاري لسبينوزا: “ربما أصدق رؤيا في الله اختبرها إنسان موجودة هنا”.
كما أن الاهتمام المتزايد بفكر سبينوزا برز لدى العديد من المفكرين المُحدثين على غرار:
ماثيرون Matheron,(1969) وماكيري Macherey(1990) ونيغري Negri (2000،2003، 2004) وديلوز Deleuze (1988، 1990، 1997). وفي مجال سياسات علم الوجود (الانطولوجيا) نلحظ تأثيرات سبينوزا لدى مونتاغ Montag (2005) وغاتن وللويد Gatens and Lloyd (1999) ووليامز Williams(2007)، وغيرهم.
(راجع حول فكر سبينوزا:
– سبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة. ترجمة وتقديم د. حسن حنفي. مراجعة د. فؤاد زكريا. دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع-بيروت، 2008.
– فؤاد زكريا: سبينوزا. دار التنوير. بيروت، 1981
– ويل ديوارنت: قصة الفلسفة. ترجمة أحمد الشيباني. دار القاريء العربي- القاهرة. الطبعة الثانية 1994)

عوامل عدة في فكر سبينوزا تدفع تيارات التغيير اليوم إلى اعتباره أحد النجوم الفكرية الهادية للقرن الحادي والعشرين أبرزها: مساهماته المثلثة في مجالات الفلسفة والأخلاق والسياسة. كل هذه المساهمات انطلقت من فكرة رئيسة، وحيوية، قوامها رفض سبينوزا اعتبار الانسانية كياناً مستقلاً داخل كيان آخر أو، بعبارة أخرى، رفض إضفاء أي قوانين مختلفة عن قوانين الطبيعة ككل على الطبيعة الانسانية. فإذا ما كنا نريد تصوّر الإنسان منفصلاً عن الطبيعة، فهذا الانسان غير موجود.
هذا الإقرار الصريح بـ”موت الإنسان” الذي سار على دربه تيار مابعد الحداثة في القرن العشرين، أطلق في الوقت نفسه النزعة الإنسانية الأصلية والأصيلة من عقالها؛ بعد أن أمعنت فيها الثورة الرأسمالية قتلاً وتدميرا. تلك النزعة الاصيلة دعت إلى بناء “الإنسان الاإنسان” Homo Homo (أو الإنسان المُضاعف)، عبر جسد اجتماعي جديد يتجاوز مجرد رفض الواقع الراهن، كما يتجاوز المقولة الماكيافيلية بأن بناء مثل هذا المجتمع يتطلب أسلحة ومالاً يجري البحث عنهما في الخارج. لكن سبينوزا رد على ذلك بالقول:” ألسنا حائزين أصلاً عليهما؟ ألا تكمن الأسلحة الضرورية تحديداً في قلب القدرة الابداعية والنبوئية التي يتمتع بها الجمهور؟”
كان سبينوزا مقتنعاً تمام الاقتناع بأن النبي، أي نبي، ينتج شعبه الخاص. وأن هذا الشعب الخاص هو الذي يمتلك الرغبة الكامنة في خلق مدينة جديدة أو أرض جديدة. ويقول إنه إذا ما بادرنا ببساطة إلى قطع الرأس الاستبدادي للجسد الاجتماعي، فإننا سنبقى مع الجثة المشوهة للمجتمع. مانحن في حاجة إليه هو جسد اجتماعي جديد، وهو مشروع يتجاوز مجرد الرفض. يجب أن تكون أشكال خروجنا قادرة على إيجاد بديل معين.علينا أن نبني مجتمعاً جديداً قبل كل شيء. لايفضي هذا المشروع إلى حيث الحياة العادية للإنسان homo tantum ، بل يقود إلى الانسان الانسان homo homo، وهي الانسانية المضاعفة وقد اغتنت بالذكاء والحب الكليين للجماعة.

2- طبيعة الله اللاشخصانية
أولاً، الله وعمليات الطبيعة واحد أحد، والله يعمل بالضرورة وفقاً لقانون ثابت لايتغيّر. الله ليس شخصاً بالمعنى البشري للكلمة (كما إله اليهودية والمسيحية)( وليس ذكراً (كما الاعتقاد الشعبي) أو أنثى. إنه إله لاشخصاني. كلٌ يعزو صفاته الخاصة على الله (المثلث والدائرة سيقولان أن الله مثلث كامل أو دائرة كاملة). لكن لا الإرادة ولا الفكر يمكن أن ينسبا إلى طبيعة الله. إرادة الله هي المجموع الكلي لكل العقول. عقل الله هو كامل الذهنية المنثورة فوق الفراغ والزمان. إنه الوعي المنشور الذي يُحيي العالم وينعشه. الله له عقل وجسم، لكن لا العقل ولا المادة هي الله بل إن العمليات الذهنية والجزيئية التي تشكِّل التاريخ المزدوج للعالم، هي وعللها، تكون الله. الله وعقله والاشياء التي أدركها عقله هو وهي الشيء الواحد نفسه.
النظام الميكانيكي الذي رآه ديكارت في المادة والجسد وحدهما، يراه سبينوزا في الله والعقل ايضاً (أي أن الله عملية متطورة هو أيضا). هناك ثمة جبرية، ولكن ليس غائية عن سابق تصميم. هناك قوانين لا غائيات.
أما نظرية سبينوزا حول الله والطبيعة ووحدة الوجود وأصل الدين، فهي باتت الآن في أمر اليوم لدى الكثيرين بفعل عوامل عديدة منها: تكلّس الأديان الرسمية، وثورات الفيزياء الحديثة، والثورة أيضاً على فرضية الجينة الرأسمالية الانانية. أي أن هذه النظرية لم تعد عملياً ميتافيزيقيا، بل أصبحت حياة واقعية معاشة أو يجب أن تعاش، خاصة بعد أن تحوّلت الكنائس والمساجد والمعابد إلى مايشبه مسارح السيرك، ولم تُبق من جوهر الأديان التوحيدي سوى المظهر الخارجي. وهذا، على أي حال، مايدل عليه “التاريخ المقدس”، حيث انتهى الوحي الذي أراد اخراج اليهود من بوتقة طبيعتهم الحسّية بعودة هذه الطبيعة إلى سابق عهدها الوثني. وتكرر الأمر نفسه في المسيحية التي تحوّلت خلالها رسالة المسيح في المحبة والسلام إلى تاريخ مرعب من الحروب والمذابح و”قتل العدو بمحبة”، كما كان يُفتي بعض البابوات. وقل الأمر نفسه الآن عن الإسلام الذي تطلّب أن تكون الأمة الإسلامية “خير أمة أخرجت للناس”، فإذا بها الآن تسير عبر أصولياتها المتطرفة على عكس ما طلبه الوحي، وعن البوذية والهندوكية التي حطمت فيها الشعائر الشكلية والشعبوية والتأليهية جوهر رسالاتها المستندة إلى صفاء الروح والوعي الصافي.
فلسفة سبينوزا حاضرة أيضاً في الفيزياء الحديثة التي باتت تتقاطع على نحو مثير مع مكتشفات الروحانية الشرقية، وحاضرة أيضاً في جانب منها في الدعوات الحديثة إلى نظام تعاوني وديمقراطي حقيقي في العالم، وإلى إعادة بناء النزعة الإنسانية لدفعها نحو توليد الإنسان الإنسان Homo Homo أو الإنسان المضاعف
العامل الثاني في مسألة ثورية وراهنية فكر سبينوزا، تكمن في مقولاته حول الأخلاق الوضعية. فهو يعتبر أن كل كائن يسعى إلى التشبُث بكينونته الخاصة، وهذا ليس سوى الماهية الواقعية لذلك الشيء. القوة التي يبقى بموجبها الشيء، تكون لب كينونته وجوهره. فكل غريزة هي حيلة أو تدبير أوجدته الطبيعة وطورته للحفاظ على الفرد (أو النوع). اللذة والألم ليسا سبب رغباتنا بل هما من نتائجها، فنحن لانرغب في الاشياء لانها تعطينا لذة، بل هي تعطينا لذة لأننا نرغب بها. نحن نرغب بها لأنه يجب علينا هذا. وبحكم ذلك ليس هناك ارادة حرة، فضرورات البقاء تعيّن الغريزة، والغريزة تعيّن الرغبة، والرغبة تعيّن الفكر والفعل. الذهن مقرر له أن يريد هذا الشيء أو ذاك. الناس يعتقدون أنهم أحرار، وسبب ذلك أنهم يعون إرادات أفعالهم ورغباتهم، لكنهم يجهلون العلل والاسباب التي تدفع بهم إلى هذا التمني أو الرغبة.
يقارن سبينوزا وهم الإرادة بحَجَر يُفكِّر وهو مندفع إلى الفضاء بأنه هو الذي يعيّن فضاء مساره ومكان سقوطه ووقت هبوطه. القاعدة الوحيدة للفضيلة هي أن تفهم، وليس الاخلاق المسيحية. فالانفعال هو فكرة ناقصة. حين نتبصّر نصبح خالقي مستقبلنا لا عبيداً لماضينا. وحينها نحقق الحرية الوحيدة المممكنة للانسان. سلبية العاطفة هي “العبودية البشرية”، وفعل العقل هو الحرية الإنسانية.(لاحظ هنا التشابه مع الفلسفة الرواقية ذات الأصل الفنينيقي). أن تكون انساناً متفوقاً (سوبرماناً) لاتعني أن تكسر القوانين بل أن تتحرر من الغرائز. هذه الحرية أنبل من تلك التي يدعوها الناس الارادة الحرة، وذلك لأن الارادة ليست حرة.
3- الأخلاق وحرية الإرادة
العامل الثالث في ثورية سبينوزا المتواصلة هي رؤيته السياسية الطليعية؛ ففيما كان هوبس يحمل على الشعب الانكليزي لثورته على مليكه، كان سبينوزا يؤسس للديمقراطية الليبرالية ولجان جاك روسو:
” لاتتمثّل الغاية النهائية للدولة في السيطرة على الناس ولا في كبح جماحهم عبر الخوف، بل هي بالأحرى تحرير كل انسان من الخوف كي يعيش ويعمل بكل أمن واطمئنان وبدون أن يؤذي نفسه أو جاره. ليس غاية الدولة أن تصنع من الكائنات العقلية وحوشاَ كاسرة وآلات، بل تمكين أجسادهم وعقولهم من القيام بوظائفها باطمئنان. إنها إرشاد الناس إلى ممارسة عقل متحرر حر وذلك كي لايهدروا طاقاتهم على البغضاء والخداع والغضب, ولذلك فإن غاية الدولة هي فعلاً وواقعاً الحرية”.
لكن، ماذا اذا ما استبدّت الدولة عبر حكامها؟ سبيوزا يدعو إلى إطاعة حتى هذا القانون الظالم، بشرط أن يحصل الناس على حرية التعبير وذلك كي يتم تأمين بديل سليم لهذا القانون. فالناس لايحترمون مدة طويلة تلك القوانين التي لايجوز لهم انتقادها: كلما تزايدت جهود الحكومة لخنق حرية الرأي كلما تزداد مقاومة الناس لها ضراوة وعنادا. وكلما تناقصت سيطرة الدولة على العقول كان هذا أفضل لكل مواطن وللدولة.
سبينوزا يعترف بضرورة وجود الدولة، لكنه في الوقت نفسه يشك ويرتاب بها لأن السلطة تفسد حتى من لا يُفسد (أفلم يُطلق نعت”غير القابل للإفساد” على روبسبيير قبل انفلات عنفه؟). وهو لاينظر بعين الرضى إلى امتداد سلطة الدولة من الاجساد والافعال إلى نفوس الناس وافكارهم، فهذا سيكون نهاية التطور وموت الجماعة.
فيلسوفنا يفضّل النظام الديمقراطي لأنه عقلاني. فالمرء يذعن إلى سيطرة السلطة على أفعاله، لكنه لايسّلم بسيطرتها على عقله ورأيه: اذا كانوا يساوون العبودية والبربرية بالسلام، فلن يصادف البشر حظاً أسوأ من هذا. لاشك أن المنازعات بين الوالدين وأطفالهم تكون عادة أوفر وأشد من منازعات العبيد والاسياد، ومع ذلك تلك النزاعات لاتدفع الوالد إلى اعتبار أولاده عبيدا. الاستعباد لا السلام هو الذي يقوى ساعده حين نضع السلطة في يد رجل واحد. عيب الديقراطية أنها تضع السلطة في يد متوسطي الكفاءات عقلاً وقدرا.
4- حتمية الديمقراطية والتعاون
ثورية الفكر السبينوزي وراهنيته تكمن أيضاً في بث الروح مجدداً في الثقة بقدرة الجمهور، أو المجتمع المدني، على إعادة صنع التاريخ، بعد أن ضرب الاكتئاب الحاد واللامبالاة العديد من اليساريين والديمقراطيين، بفعل الانتصار الكاسح للرأسمالية النيوليبرالية، وبعد أن وصل “الخوف من الجمهور” إلى ذورة نظرية قصوى. وقد تجلى ذلك في إعادة تشكيل المخيلة السياسية المعاصرة، فجرى تبني مفهوم مابعد الإنسان بدلاً من مركزيته، والنزعة الاحتمالية بدلاً من الإدعاءات الغائية في الماركسية العلمية، ومفهوم القوة كالقدرة الكامنة Potantia لدى المجتمع، في مواجهة الرأسمالية الطفيلية والأشكال الأخرى من تغريب القوة.
كما تجلى في إلتقاط الفكرة المُبدعة لدى سبينوزا حول ضرورة تعاون البشر مع بعضهم البعض لتحسين القدرة الكامنة potentia لديهم ولتطوير قدراتهم على الفعل:” لاشيء أكثر فائدة للإنسان من الإنسان. وكل البشر يجب أن يعملوا في لحظة واحدة لفائدة الجميع وألا يفعلوا شيئاً للآخرين لايرغبون بأن يفعله الآخرون بهم”. وهذا برأي سبينوزا، وهنا الأهم، ليس فرضاً أخلاقياً أنزله إله متسامٍ في السماء، بل هي حقيقة كامنة كحصيلة للطبيعة العقلانية لوجودنا في العالم.
نقطة محورية أخرى في فكر سبينوزا شكلّت الأساس لفهم مسألة المقاومة (للنظام الرأسمالي العالمي) في القرن الحادي والعشرين بصفتها شيء أكثر من مجرد الاحتجاج على القدرات القمعية للرأسمالية وغيرها، وهي تمييزه القاطع في أشكال القوة بين القدرة الكامنة potentia على الفعل، وبين السلطوية potestas التي هي شكل من السيطرة والتغريب Alienation التي تستغل المجموع وتمنعهم من إنجاز مايمكن أن يحققوه. وهذا يؤدي إلى وقوع الإنسان في لجج المعاناة الحادة، لأن ثمة أشياء من خارجه تقوده وتدفعه إلى القيام بأعمال قد لايريدها، وليس بأعمال منبثقة من طبيعتها الخاصة ومتطابقة معها.
مايساهم في ترسخ السلطوية هو سيادة مايسميها سبينوزا “الأفكار الناقصة أو غير الملائمة” التي ترتبط ببروز انفعالات تمنع الفرد والجماعة من فهم السبب الحقيقي للأحداث. جيل ديلوز السبينوزي يعطي مثلاً على مثل هذه الأفكار الطفل الذي يعتقد أن موجة البحر التي ضربته تضمر نوايا سيئة له، فيغضب (الانفعالات) لأن الموجة تحد من قدراته. لكن، حين يفهم الطفل طبيعة الموجات بكونها لا”خيراً” ولا”شراً” في حد ذاتها وبالتالي يمكنه التفاعل والعمل معها، ينتقل من الفِكَر الناقصة إلى الفِكَر الناضجة، ويصوّب القدرة الكامنة potentia نحو الاتجاه الصحيح، فيتأقلم بدون انفعال مع حركات الموجة. وهذا أيضاً مايجب أن يفعله الجمهور في تعاطيه مع “القوى خارج ذاته وطبيعته”.

اقرأ المزيد
آخر الأخبار