هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تُقاس بما يُكتب من بيانات رسمية صادرة، بل بما تخفيه تلك البيانات بين سطورها، ولعل البيان المشترك الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية في الرابع من حزيران 2026 عقب الاجتماع الثلاثي (الأمريكي – الإسرائيلي – اللبناني)، ليس مجرد إعلان سياسي بسيط، بل شكّل هذا البيان وثيقة جلية حول طبيعة المرحلة التي يُراد للبنان أن يدخلها، ببساطة لقد دخلنا فعلياً بمرحلة (الوصاية الأمريكية – الإسرائيلية).
المؤسف، أن بعد سنوات من الحرب والقتل والتهجير والاحتلال والاعتداء على السيادة، خرج بيانهم خاوياً من أي إشارة لطالبة المعتدي بالانسحاب، أو لوقف قتل ناسنا اليومي، أو محاسبته على جرائمه التي ارتكبها بحق الأطفال والنساء والأبرياء، أو حتى مطالبته بحقنا القانوني في التعويض. بل خرج بيانهم بنتيجة خطيرة جداً ألا وهي أن الاحتلال أصبح نتيجة، بينما تتحول المقاومة إلى سبب!!
أين تتجلى الأزمة الحقيقة؟
ينطلق البيان من قاعدة رئيسية ألا وهي أن (الأمن الإسرائيلي) هو المحور الأساسي الذي ينبغي أن تدور حوله كل الترتيبات السياسية والأمنية في لبنان. وبعد هذا البيان أصبحت هذه السلطة اليوم مطالبة بإعادة تشكيل أولوياتها ومؤسساتها بما ينسجم مع الهدف (الإسرائيلي).
في هذا السياق، لا بد من التذكير بأن أنطون سعاده كان من أوائل المفكرين الذين أدركوا أن المشروع اليهودي ليس نزاعاً حدودياً عابراً، ولا مشكلة سياسية قابلة للحل ببعض التفاهمات الدبلوماسية. بل أعتبر سعاده أن مشروعهم استعماري يهدف إلى إعادة تشكيل منطقة المشرق كله، جغرافياً وسياسياً وثقافياً. وعليه، فإن النظر إلى ما يجري اليوم واعتباره مجرد ترتيبات أمنية بين دولتين هو تبسيط لحقيقة الصراع القائم. (إسرائيل) هذه، ومنذ تأسيسها عام 1948 هي لم تحترم الوعود والاتفاقات أو المعاهدات، وأن انتهاجها لمبدأ البطش والقوة والاحتلال والتوسع كان وما زال جزءاً أساسياً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. وأن التاريخ أثبت، أن أي تنازل يقدم لها تحت عناوين ألوان قوز قزح الجميلة يتحول سريعاً إلى مطالب جديدة وجديدة.
ما هي السمات الرئيسة لبيان الوصاية؟
البيان لا يتحدث عن الحقوق اللبنانية المغتصبة، بل يتحدث عن (الأمن الإسرائيلي).
البيان لا يؤكد الاعتداءات الإسرائيلية، بل يتحدث عن القضاء على قوة لبنان.
البيان لا يتحدث عن موازين العدالة الدولة، بل يتحدث عن البطش الإسرائيلي، طبعاً لأن المفاوض غير النزيه هو (البنتاغون).
أما السؤال المشروع اليوم: ماذا تبقى من السيادة؟؟!!
ولأن السيادة ليست شعاراً يتم تزيينها خلال الخطب، فعندما يصبح لبنان مرهوناً بمفاوضات تُساق تحت سقف المصالح الأمريكية-الإسرائيلية، نكون قد أصبحنا أمام أزمة سيادة فعلية. ويمكن القول إن هذا البيان البنتاغوني – البيتاختوني يعكس فشلاً إقليمياً ودولياً إضافة إلى الضعف البنيوي الذي يعاني منه لبنان.
أين الجامعة العربية؟
لقد تحولت هذه الجامعة فعلياً في نظر الكثيرين إلى (شاهد ما شفش حاجة) وأصبحت عاجزة عن الدفاع عن أبسط (المصالح العربية).
لقد اُعتدنا منذ تأسيس هذه المؤسسة ألا نسمع منها سوى بيانات الشجب والاستنكار، بينما الوقائع تشير إلى عكس ذلك. كان الأجدر بهذه المؤسسة أن يكون لها موقف صلب لوقف العدوان والقتل والتهجير والأسر، لكن صمتها عن الأحداث يدل عن عجز بنيوي كبير وأصبحت في خانة لزوم ما لا يلزم.
ماذا عن المستوى الدولي؟
الكثير من الدول تتحدث عن عالم متعدد الأقطاب، هذه الدول اليوم، وكرد على بيان الوصاية هذا، أن تثبت أن هذا الشعار ليس مجرد خطاب تجميلي رنان!
وأن روسيا والصين اللتين ترفضان الهيمنة الأحادية، معنيتان قبل غيرهما بالدفاع الحقيقي (وليس بالشعارات) عن مبدأ مهم جداً في العلاقات الدولية ألا وهو “رفض الحلول بالقوة على الشعوب والبلدان الصغيرة، وعلى روسيا والصين أن تعلما جيداً أن منطقة المشرق تشكل المنطقة الرئيسية لهذا التوازن.
أما فيما يتعلق بإيران، التي يضعها بيان الوصاية في موقع الاتهام المباشر، فهي أيضاً أمام امتحان سياسي وتاريخي في تنفيذ خطابها الداعم لقضايانا وأن تمنع فرض هذا الأمر المرير على شعوب المنطقة.
لكن في النهاية تبقى المسؤولية الأولى والأخيرة على لبنان، وليعلم الجميع، أن لا روسيا، ولا الصين، ولا إيران ولا أي قوة أخرى يمكن أن تدافع عن حقنا وأرضنا وشعبنا، وعلينا أن نميّز بين التسوية والاستسلام، وما بين الدولة والسيادة الشكلية. “أن السلام الحقيقي، هو أن يسلّم أعداء هذه الأمة بحقنا في الحياة”
مواجهة بيان الوصاية:
أن مواجهة هذا البيان، لا تبدأ بالشعارات والبهورات وبيّ أقوى من بيّك، بل بالرد على سؤال المرحلة:
هل المطلوب صياغة جديدة للبنان بما يتلاءم مع المتطلبات الأمن الإسرائيلي؟
أن الإجابة على هذا السؤال، ستحدد ليس فقط المرحلة الحالية، بل ستحدد شكل لبنان والمنطقة ل 100 سنة قادمة. علماً أن الأمم التي تتخلى عن تاريخها وذاكرتها، تكون قد تخلت عن مستقبلها أيضاً.
بيروت في 04/06/2026
الكاتب: نجا حماده الباحث في علم التاريخ