قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

دون مظلة ايزنهاور عون الى حلف بغداد

منذ نشأة الكيان اللبناني ارتبطت خيارات السلطة السياسية فيه بالتوازنات الدولية والإقليمية أكثر مما ارتبطت بقدرة داخلية مستقلة على إنتاج مشروع وطني جامع، فلبنان بحكم تركيبته الطائفية وموقعه الجغرافي، كان دائماً ساحة تتقاطع فيها المحاور الكبرى، ومن هنا يبدو التماثل واضحاً بين خيار الرئيس جوزيف عون اليوم بالتموضع ضمن المحور الأميركي ـ الغربي في مواجهة المحور الإيراني، وبين خيار الرئيس كميل شمعون في خمسينيات القرن الماضي عندما أدخل لبنان في مشروع حلف بغداد ومظلة مبدأ أيزنهاور.
المقارنة بين المرحلتين تكشف فروقاً عميقة في طبيعة النظام الدولي وفي حجم الحماية الخارجية، وفي قدرة لبنان على تحمّل نتائج الاصطفاف الحاد، ففي الخمسينيات كان العالم يعيش ذروة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، المنطقة العربية نفسها كانت منقسمة بين محور غربي محافظ ومحور قومي عربي يقوده جمال عبد الناصر، حينها رأى كميل شمعون أن مصلحة لبنان تكمن في الانضمام إلى المنظومة الغربية سياسياً وأمنياً واقتصادياً، خصوصاً مع صعود المد القومي والناصري الذي كان يعتبر الأنظمة المتحالفة مع الغرب أدوات استعمارية.
لذلك اقترب شمعون من حلف بغداد، وأيد مبدأ أيزنهاور الذي أعلنه الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور عام 1957 لمواجهة التمدد السوفياتي في الشرق الأوسط، كان ذلك المبدأ بمثابة تعهد أميركي بحماية الأنظمة الحليفة لواشنطن عسكرياً وسياسياً، أي أن شمعون رغم مغامرته الداخلية كان يستند إلى مشروع دولي واضح المعالم وإلى توازن عالمي ثنائي القطبية يمنح الحلفاء نوعاً من الضمانة الاستراتيجية.
لكن هذا التموضع فجّر انقساماً لبنانياً حاداً فبرز معسكر شمعوني يميل إلى الغرب ويرفع شعار حماية الكيان اللبناني واستقلاله عن المحيط العربي الثوري، في مقابل معسكر جنبلاطي ـ ناصري بقيادة كمال جنبلاط وتحالف مع القوى القومية واليسارية والإسلامية المؤيدة لعبد الناصر.
هكذا تأسست جبهتان متناقضتان داخل لبنان: جبهة تعتبر الغرب الذي يؤمن بموقعية وجمالية لبنان ضمانة كافية للبنان لحمايته واستقلاله، وجبهة مقابلة تعتبر ان العروبة والاصالة المتجذرة تسمو على التحالفات وان والتحرر من النفوذ الغربي هو الشرط الحقيقي لحماية لبنان من النفوذ الغربي ذاته، هنا انقسم لبنان سياسياً وثم تحول الانقسام السياسي إلى انقسام شعبي فصدام أمني وعسكري كون أزمة 1958 التي شهدت مواجهات مسلحة استدعت نزول قوات المارينز الأميركية إلى بيروت دعماً لشمعون.
صحيح أن الحرب الأهلية لم تندلع يومها بشكل شامل، لكن أزمة 1958 أسست النفسية والخلفية السياسيّة لانقسام بنيوي واضح وعميق، والدولة لم تعد قادرة على إنتاج حياد داخلي بل تحولت ايضاً إلى طرف ضمن صراع المحاور، وبعد خمسة عشر عاماً تقريباً، انفجر هذا التراكم مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 التي استمرت خمسة عشر عاماً وأعادت إنتاج الانقسام نفسه بصيغ دموية.
اليوم يعود لبنان إلى مشهد مشابه ولكن في ظروف أكثر خطورة، فالرئيس جوزيف عون يبدو أقرب إلى خيار إعادة تموضع لبنان ضمن المنظومة الأميركية ـ الخليجية، عبر خطاب الدولة والمؤسسات وحصر السلاح وربط لبنان بالمساعدات الغربية والعربية المشروطة بسحب نفوذ إيران وحزب الله.
هذا الخيار لا يأتي فقط من رغبة شخصية أو سياسية، بل من واقع انهيار الدولة اللبنانية اقتصادياً ومالياً، ومن قناعة لدى جزء من الطبقة السياسية بأن الخروج من الانهيار يمر عبر الرضى الأميركي والخليجي، وليس عبر استمرار الارتباط بالمحور الإيراني الذي يواجه حصاراً وصدامات مفتوحة في المنطقة.
لكن الفارق الجوهري أن الرئيس جوزيف عون لا يمتلك ما امتلكه الرئيس كميل شمعون، فلا يوجد اليوم مبدأ أيزنهاور جديد يوفر حماية أميركية مباشرة للبنان، الولايات المتحدة نفسها لم تعد مستعدة لخوض مغامرات عسكرية واسعة لحماية حلفائها كما في السابق وهذا ما ظهر في الخليج الذي تلقى الضربات الإيرانية، بل إن واشنطن باتت تميل إلى إدارة الأزمات لا حسمها، وإلى استخدام الضغوط الاقتصادية والعقوبات أكثر من التدخل العسكري المباشر.
إضافة إلى ذلك، فإن النظام الدولي الحالي ليس ثنائياً كما كان زمن الحرب الباردة فالانتساب للمحور الغربي سيكون مجاني بسبب غياب المنافسة ، في وقت العالم اليوم يعيش حالة سيولة دولية مع صعود الصين وعودة روسيا وتراجع القدرة الأميركية على فرض هيمنة كاملة، وهذا يجعل أي رهان لبناني مطلق على محور واحد أكثر خطورة، لأن الضمانات الدولية لم تعد ثابتة.
داخلياً أيضاً، يشهد لبنان انقساماً مشابهاً لانقسام الخمسينيات ولكن بأدوات جديدة، فهناك فريق يرى أن خلاص لبنان يمر عبر العودة إلى الحضن العربي والغربي ونزع الطابع العسكري ـ الإقليمي عن لبنان، وفريق آخر يعتبر أن قوة لبنان تكمن في محور المقاومة وفي التحالف مع إيران لمواجهة إسرائيل والضغوط الأميركية.
وبين هذين المعسكرين، تتآكل فكرة الدولة الجامعة تدريجياً، فكل طرف ينظر إلى الآخر كخطر وجودي، لا كشريك سياسي، وهذا أخطر ما في الانقسامات اللبنانية، لأنها لا تبقى ضمن حدود السياسة، بل تتحول مع الزمن إلى انقسام اجتماعي وطائفي ونفسي عميق.
المقلق أكثر أن الظروف الحالية قد تكون أخطر من خمسينيات القرن الماضي، ففي ذلك الزمن، كان لبنان يملك اقتصاداً مزدهراً ومؤسسات قوية نسبياً وطبقة وسطى واسعة، أما اليوم فالدولة شبه منهارة والاقتصاد مفكك والهجرة تتوسع، والثقة بين اللبنانيين تراجعت بشكل غير مسبوق.
لذلك، فإن أي تموضع حاد للدولة الرسمية ضمن محور إقليمي قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نموذج الانفجار التدريجي نفسه، ربما ليس بالصيغة التقليدية للحرب الأهلية لكن عبر تفكك الدولة أكثر، وتعاظم الانقسامات المناطقية والطائفية، وتحول لبنان إلى ساحة صراع مفتوح بين المحاور.
التاريخ اللبناني يظهر أن المشكلة لم تكن فقط في خيار هذا المحور أو ذاك، بل في غياب مشروع وطني قادر على حماية التعددية اللبنانية من التحول إلى أداة للصراعات الخارجية، فحين يصبح لبنان مشاركاً في معركة الآخرين يفقد تدريجياً قدرته على إنتاج توازنات الداخلية.
وهكذا، تبدو المقارنة بين العهدين الشمعوني والعوني الثاني أكثر من مجرد تشابه سياسي إنها تذكير بأن لبنان كلما انقسم بين محورين دوليين متصارعين دخل في دورة طويلة من التوتر والانفجار والفرق الوحيد أن لبنان اليوم أضعف بكثير اقتصادياً و نقدياً و العالم كله أقل استعداداً لإنقاذه ومساعدته.

الكاتب: محمد محمود شحادة

اقرأ المزيد
آخر الأخبار