يضع الفيلم نفسه بوضوح ضمن سردية مضادة للرواية الصهيونية حول النكبة. هو لا يكتفي بإثبات وقوع مجزرة الطنطورة، بل يسعى إلى إعادة تأطيرها كجزء من بنية أوسع: بنية اقتلاع شعب وإحلال آخر مكانه. في هذا السياق، تتحول المجزرة من حدث معزول إلى لحظة كاشفة لمنطق كامل من العنف المنظم في سياق مشروع استعماري إحلالي قام على المجازر والإبادة والتطهير العرقي.
إن إعادة فتح ملف مجزرة جرى طمسه لعقود تعني مواجهة مزدوجة: مواجهة مع النسيان، ومواجهة مع الإنكار. وهنا، يصبح الفيلم جزءًا من صراع على الذاكرة في مواجهة مع السردية الصهيونية، بقدر ما هو عمل فني.
من منظور نقدي أوسع، يمكن القول إن الفيلم يندرج ضمن ما يمكن تسميته “سينما الذاكرة المقاومة”، حيث لا تكون الذاكرة مجرد استرجاع للماضي، بل أداة سياسية في الحاضر. فالذاكرة هنا ليست بريئة؛ إنها ساحة صراع، والفيلم يختار موقعه بوضوح داخل هذا الصراع.
الفيلم لا يملك سيناريو بالمعنى التقليدي المتشكل من الحبكة والتصاعد الدرامي، بل يقوم على ما يمكن تسميته “بنية الشهادة المتراكمة”. لا بداية تُعرّفك بالشخصيات، لا عقدة تُبنى دراميًا، لا نهاية تقدم حلًا. بدلًا من ذلك، أمامك شظايا متكسرة: أصوات نساء تتحدث، لقطات أرشيفية، وجوه متعبة، صمت طويل بين الجمل، أماكن خاوية. في البداية، قد تشعر بالارتباك. كنت تبحث عن الخيط الذي يربط كل شيء، عن البطل الذي تتعاطف معه. لكنك تكتشف لاحقا أن هذا الارتباك هو ما يريده الفيلم.
الشهادات لا تُقدَّم كأجزاء منفصلة، بل كطبقات تتراكم تدريجيًا. كل شهادة تضيف تفصيلًا، تصحّح آخر، أو تعمّق الإحساس بالمأساة. لا يوجد “بطل” فردي، بل الجماعة هي البطل الحقيقي. هذا النمط من السرد يخلق إحساسًا بأن الحقيقة لا تُعطى دفعة واحدة، بل تُبنى ببطء—وهو خيار يتماشى مع فكرة أن التاريخ نفسه كُتب بشكل مجتزأ ويحتاج إلى إعادة تركيب.
لكن في المقابل، هذا البناء قد يُشعر بعض المشاهدين بغياب التوتر الدرامي التقليدي، لأن الفيلم يفضّل التراكم على المفاجأة، والتوثيق على التشويق.
لطفي لم تقدم المذبحة في قالب درامي كلاسيكي — مع بداية ووسط ونهاية — لأنها تعتبر هذا القالب هو في حد ذاته تطبيع مع الجريمة. لأنك عندما تمنح الجمهور تنفيسا دراميا، تقول له ضمنيا: “انتهى الأمر، يمكنك أن تخرج وتستمر في حياتك”. هي ترفض أن تمنحنا هذه الراحة. تترك الجرح مفتوحا، وتتركنا نحن أيضًا قلقين نبحث عن الإجابة على سؤال واحد: بعد أن شاهدنا، ماذا نفعل؟
الكاميرا: نظرة لا تستعير الألم
في الفيلم الوثائقي التقليدي، تُستخدم الكاميرا غالبًا كأداة “شفافة”، وكأنها نافذة على واقع خام لا وسيط فيه. هناك أيضًا تقليد طويل في السينما الغربية لتصوير “المعاناة” العربية، حيث يُقدم الجسد الفلسطيني إما كأيقونة بكاء (الطفل الشهيد) أو كموضوع للشفقة (اللاجئ في مخيمات الفقر والإذلال). في الحالتين، يتم نزع السلوك السياسي عن هذا الجسد، وتحويله إلى موضوع للمشاهدة وليس فاعلا في التاريخ. ما تفعله كاميرا عرب لطفي هو عكس ذلك.
الجسد في على أجسادهم ليس “روحًا معذبة” تنتظر من يبكي عليها، بل هو جغرافيا، أرض، مكان.
الكاميرا في الفيلم متقشّفة إلى حد كبير، ويمكن وصفها بأنها “كاميرا منصتة” : لقطات ثابتة أو شبه ثابتة. غياب واضح للحركة الديناميكية أو اللقطات الاستعراضية. تركيز على الوجوه، على تفاصيل التعبير، على الصمت بين الكلمات. الكاميرا لا تريد أن تفرض رؤيتها، بل أن تفسح المجال للناجين كي يمتلكوا صورتهم وصوتهم. في مشاهد المقابلات، غالبًا ما تُثبّت الكاميرا الوجوه في إطارات ضيقة، لا تمنحهم مساحة للهروب، لكنها أيضًا لا تستعير آلامهم. أنت أمام أشخاص (رجال ونساء) يتحدثون عن ذكريات لا تريد الكاميرا أن تستهلكها، بل توثّقها كشهادة قانونية قبل أن تكون لحظة درامية.
لكن هذا التقشف يحمل مخاطرة فنية أيضًا، إذ قد يحدّ من الإمكانات التعبيرية للصورة، ويجعلها أقرب إلى التسجيل منها إلى إعادة خلق الواقع سينمائيًا. الكاميرا لا تبحث عن لحظة البكاء، بل تبحث عن الأثر.
في الوثائقي التقليدي، تأتي الموسيقى لتملأ الفراغ العاطفي، لتخبرك متى تحزن ومتى تغضب، ولتضمن شحن مشاعرك “الصحيحة” في اللحظة المناسبة. في على أجسادهم، بالكاد تتذكر أنك سمعت موسيقى. وهذا هو المقصود. الموسيقى تأتي غالبًا بشكل خافت، شبه حزين، يرافق ولا يقود. الأهم من الموسيقى هو الصمت: الصمت بين الجمل، التردد في الصوت، الانقطاع المفاجئ للكلام. هذه العناصر الصوتية تُنتج تأثيرًا أقوى من أي موسيقى، لأنها تنقل الصدمة كما هي، دون وساطة. هذا الصمت ليس فراغا تقنيا، بل هو خيار: لن أساعدك على الشعور، ستشعر بمفردك — أو لن تشعر، وهذه أيضًا مشكلتك. الفيلم يتركك وحدك مع مسؤوليتك، دون موسيقى تضفي عليك مشاعرك الجاهزة.
المونتاج كسياسة
في السينما التقليدية، يعمل المونتاج على خلق وهم الاستمرارية، لجعل الفيلم “سلساً” حتى تنسى أنك تشاهد بناءً فنيًا. في على أجسادهم، يعمل المونتاج بشكل مختلف. هناك تقطيع متعمد، انتقالات مفاجئة بين الأزمنة والأماكن، شهادات تُقطع في منتصف الجملة.
هذا المونتاج “الخشن” يمنع المشاهد من الاندماج الكامل في الفيلم، من النسيان الكامل لوجوده كمتفرج. إنها سينما بريختية بامتياز: تذكرك باستمرار أنك تشاهد فيلما، وأن ما تراه ليس “واقعا طبيعيا” بل هو بناء، اختيارات أخرجها شخص ما لسبب ما. وهذه التذكرة الدائمة تحولك من متفرج سلبي يستهلك العاطفة الجاهزة إلى قارئ نقدي يسأل: لماذا اختير هذا المشهد دون ذاك؟ لماذا قطعت هذه الشهادة هنا؟ هنا، لا يعمل المونتاج فقط على ترتيب المادة، بل على إنتاج المعنى:
عندما تُجاور شهادة بأخرى، ينشأ بينهما حوار غير مباشر—تأكيد، تناقض، أو توسيع.
لكن يمكن القول إن الفيلم لا يستثمر بالكامل في المونتاج الجدلي (كما في السينما السياسية الأكثر تركيبًا)، بل يبقى أقرب إلى مونتاج هادئ يراهن على التراكم لا الصدام.
الزمن في الفيلم ليس خطيًا بالكامل:
* هناك تنقل بين الماضي (الشهادات) والحاضر (آثار المكان)
* الماضي يُستعاد عبر الذاكرة، لا عبر إعادة تمثيل أو دراما
هذا يخلق ما يمكن تسميته “زمن الذاكرة”، حيث:
* الحدث لا يُعرض كما وقع، بل كما يُتذكَّر
* الفجوات في السرد تصبح جزءًا من المعنى، لا خللًا فيه
وهذا مهم، لأن الفيلم لا يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة، بل يعرض ذاكرة مجروحة ومجزأة.
التعليق الصوتي (إن وجد)
الفيلم لا يهيمن عليه صوت المعلّق، بل يترك المساحة للشهادات.
وهذا اختيار مهم، لأنه:
* يقلل من “سلطة الراوي العليم”
* يمنح الضحايا موقع المتكلم لا موضوع الكلام
لكن في الوقت نفسه، غياب تعليق تحليلي قوي قد يترك بعض الروابط السياسية أو التاريخية غير مُفككة بالكامل، ويحمّل المشاهد مسؤولية البحث عن الروابط.
يمكن القول إن الفيلم يشتغل ضمن ما يمكن تسميته: سينما الشهادة الأخلاقية، حيث:
* الصورة في خدمة الذاكرة، لا العكس
* الشكل متقشف، لكنه واعٍ بهذا التقشف
* الجمالية قائمة على الصدق أكثر من الابتكار البصري
لكن هذا الخيار، رغم قوته الأخلاقية، يضع حدودًا للتجريب السينمائي.
الفيلم لا يسعى إلى كسر الشكل الوثائقي التقليدي، بل إلى استخدامه بأقصى درجات النزاهة.
نهاية مفتوحة على سؤال
في الفيلم الوثائقي التقليدي، النهاية تقدم إحساسًا بالاختتام. رسالة أمل، أو درس أخلاقي، أو شعور بأن “العدالة تحققت” بشكل ما. في على أجسادهم، لا شيء من هذا. عليك أن تنسى فكرة أنك أمام “فيلم وثائقي” بالمعنى التقليدي. لا تتوقع سردًا خطيًا يأخذ بيدك من البداية إلى النهاية، ولا بطلًا تمر برحلته فتبكي معه وتتنفس الصعداء مع نهايته، ولا موسيقى تهمس لك متى تحزن ومتى تغضب، ولا نهاية مطمئنة تقول لك: “انتهى الأمر، يمكنك الخروج والعودة إلى حياتك”. ما تقدمه لطفي في على أجسادهم هو نقيض هذا النموذج تمامًا.
الفيلم ينتهي، لكنه لا يختتم. لا رسالة أمل زائفة، ولا لحظة تطهير عاطفي، ولا شعور بأن “القضية أغلقت”. الجرح يبقى مفتوحًا، والسؤال يبقى مطروحًا. على أجسادهم ليس فيلمًا عن الموت، بل عن كيف نرفض أن نموت مرتين: المرة الأولى بالرصاص، والمرة الثانية عندما تُروى حكايتنا بصيغة الغالب. عرب لطفي لا تصنع فيلمًا وثائقيًا “تقليديًا” لأن النموذج التقليدي، في سياق نكبة لم تنتهِ بعد، هو شكل من أشكال التطبيع. بدلًا من ذلك، تصنع سينما تمسك التاريخ ولا تتركه، سينما ترفض أن تكون مجرد توثيق، وتصر على أن تكون موقفًا.
هذا الفيلم صعب. يرفض أن يمنحك لحظة تنفيس. يضعك أمام مسؤوليتك كمتفرج: إما أن تفهم أن ما تراه ليس “وثيقة تاريخية” بل جريمة مستمرة، وإما أن تغادر. لطفي لا تتوخى الحصول على جمهور، تصنع سينما لمن يريد أن يفهم، لا لمن يريد أن يبكي.
الكاتب: د. طنوس شلهوب