في اللغة اليونانية القديمة لم يميّز الأغارقة بين أعضاء الإنسان والآلة، فالorgan هو العضو والآلة في الوقت عينه. الفاديون هم ذلك الorgan.
أقول “الفاديون” وفي خاطري أنّ لكلّ فادٍ من اسمه نصيب، مهما كان ومن كان، شاحنةً في الميدان أم إنسان. ففي ذلك تجسيدٌ حارّ وحقيقي لروح الأشياء وصاحبها. حيث لا تُبذل الشاحنة الحربية في الحرب كقربان، بل تصبحُ واحدةً منّا لها تجلّياتها وانبعاثها وإرادتها وفداؤها.
أتذكّر أنّني كتبتُ مقالةً في جريدة الأخبار تتحدثّ عن كيف تدخل التاريخ منتصراً، قلتُ فيها التالي:
يمكن للمرء أنْ يفتّش في المعارف كلّها بحثاً عن إجابات عن سؤال ما هي «الروح». لكن حينما تنشب الحرب، فإنّ كلّ الأشياء والظواهر يُمكن أن يُعاد تعريفها بما يلائم الحالة الجديدة. ليس ذلك منحىً ما بعد حداثي، إنّما الربط بين الروح من جهة، والقتال من جهة أخرى، في عبارة الحاج عماد مغنية، يحتّم الغوص في علاقتهما الجدلية للإحاطة بفهم أعمق لظاهرة الحرب كنتاج اجتماعي. إنّ الشعب البعيد عن الحرب ومخاطرها «تتبخّر روحه» حسب تعبير هيغل ويفقد تدريجياً «معنى حريته». لا يعني ذلك ملاحقة الحرب عمداً، بل حسبنا أن نفهم أنّ الحروب ضرورة لتُقاس عبرها الأمم. وعليه، فإن الروح هنا، في سياق عبارة الشهيد مغنية، هي منظومة القيم والمفاهيم التي تبتنيها لنفسك كمقياس حضاري تبرز عبره صحّة معاييرك في «معنى حريتك». إنّها الهمّ الأخلاقي الذي يحرّك صاحبه ضدّ القهر والظلم في العالم. إنّها الروح التي تمنح صاحبها الحياة بمعناها الوجودي الشامل. لذا فالتجسيد الأمثل الذي يُعتبر المحكّ الأساسي لك كإنسان «يعرف ويكون» هو الحرب.
في الحرب، إمّا تُخْتَبرُ الأطر التي تُعرِّف فيها نفْسَك وتُعْرَف عبرها فتنجح وتَعْبُر هذا الاختبار، أو تفشل فتنكفِئ. هدف أي حرب هو هزيمة الإنسان، وهذه وظيفة العنف بذاته، فالعنف يُستعرض أكثر مما هو مكافئ للعمل الحربي. ففي استعراض العنف غاية هدفها تكثيف الخوف في الإنسان وكسره نفسياً وجسدياً، أيديولوجياً وعملياً، مادّياً ومعنوياً. وعند ذلك بالتحديد تجوز المقارنات حتّى نفهم معنى كيف تُقاتل فينا الروح.
ربّما كان يحاول الشهيد عماد أن ينقل لنا تجربة اكتشاف ذلك التناقض العميق داخل النار بين دفء نيرانها والاحتراق بها. ذلك التناقض العجيب الذي من خلاله تتكشّف لك كينونتك وأنت على بعد خطوة من الموت. وهنا يكون قتال الروح حالةً أكبر من أن تستوعبها اللغة الا بذلك. على أنّ الفيديو الذي نشره الاعلام الحربي لحزب الله، كان أبلغ تجسيدٍ لقتال الروح، روح كل الاشياء التي تستمدّ ماهيّتها من كينونةٍ أعلى، هي الانسان في تجلّيه الحقيقي. الأمر به من الدهشة ما يجعلك تعرف الفرق بين شاعر يكتب قصيدة وبين شاعر يفعلها فعلاً.
وتعجب، إذا كان الشعراء يولدون بالفطرة كما يُدّعى، فكيف يولد المقاتلون؟
للفيسلوف الألماني ألفرد سون رتل طرحٌ فلسفيٌّ شيّق وراهنيّ، مفاده الآتي: أنّ التقنية وصلت إلى حدّ أنّ الشيء المتعطّل بات يحدّد دور الإنسان في عالمه. أي أنّ العلاقة بين التقنية والذكاء الحيّ بلغت درجة من التعقيد لصالح الآلة بحيث أنّ الإنسان لا يتحرّر من من سطوتها إلا حين تتعطّل. إنّها العُطالة إذن، عطالة الجافّ البارد الميكانيكيّ الذي يعيد الى الانسان حضوره الفاعل في هذا العالم.
المشهد كالآتي: شاحنة حربية تُنصب فوقها الصواريخ المجهّزة للإطلاق. ترصدها طائرات العدو فتقصفها ثمّ ترحل. إذا فكّكنا المشهد بأدوات بعض الفلسفات التي تطابق بين الحقيقة والواقع، فإنّ الافتراض الأساسيّ والأقرب للمنطق أنّ الشاحنة خرجت من الخدمة، احترقت وذابت. وهذا افتراض واقعي له ما يدعّم حجّته في كلّ ما حولنا. إلّا أنّ ما جرى لا يقف هنا، بل يتّخذ فهماً أكبر لتعريف الحقيقة. ذلك أنّ منطق خروج الشيء من الخدمة لأنّه قُصِف بإصابة مباشرة لم يجدِ نفعاً في تفسير كيف أنّ ذات الشاحنة التي قُصِفت أربع مرّاتٍ متتاليةٍ بعد كلّ تأدية واجب في الحرب الماضية، قد عادت في هذه الحرب الآن لإعادة تأدية ما تركته ناقصاً في عملها الفدائي السابق. ولكن يبقى أنّ ثمّة أموراً في الدنيا وظواهر نادراً جدّاً أن تتكرّر، الحقيقة تلك، الناصعة المعروضة في دقائق معدودات ، فهي من جوهر تلك الظواهر .
وعليه، فإنّ العودة لفلسفة المتعطّل، يمكن أن تمنحنا تفسيراً لكيفية استعادة الانسان لإنسانيته عندما تفقد الآلة انتظامها الميكانيكي فجأة. يلتقط سون-رِتِل لحظة تبدو عابرة في ظاهرها، لحظة تعطّل آلةٍ عن العمل، ليجعل منها مفتاحًا لفهم جوهر التقنية نفسها. فحين تتوقف الآلة عن أداء وظيفتها التلقائية، يتحرر الإنسان من سطوتها الصامتة، ويُستدعى ذكاؤه العملي ودهاؤه اليدوي ليعيد وصل ما انقطع بين الفعل البشري والأداة. هنا، في الفراغ الذي يخلّفه العطل، يولد الإبداع. يتأتى هذا الفهم عند سون-رتل من فكرة أنّ الإنسان حين يشرع في إصلاح المعطّل، لا يفعل ذلك كعلامة كسل أو لامبالاة، بل كفعل تحرّر من طغيان الميكانيكيّة، كأنّما يقول أنّ الشيء لا يصبح إنسانيّاً إلا عندما يقاوم، حين يُجبر على الخضوع للمسّ البشري. وهكذا مثلما يكتشف الانسان مجال الفعل الإنساني الخلّاق في لحظة خلل الآلة، تنكشف الآلة على نفسها كذلك لتغدو التقنية في معناها الأعمق مساحة مقاومة وإعادة اختراع لا نظاماً مغلقاً من الطاعة والدّقّة.
لم يكن المثير فقط أنّ الشاحنة أُصلِحتْ بعد كل إصابة بقدر ما أنّ الإصرار في كلّ مرة على إصلاحها رغم كلّ الشروط المحيطة المرعبة، كان أكثر من مجرّد تدخّل إنساني خلّاق يظهر عند تعطّل الأشياء، وأكبر من فكرة الإرادة عند نيتشه، إنّه إصرارٌ ينبثق من “الإقتدار”. أي ألّا تقدر فحسب على تغيير الظروف من حولك، بل أن تكون قادراً أمام أيّ تغيير يطرأ فيها على مواجهتها. إنّ العود الأبدي للشاحنة، يعني فيما يعنيه، أنّه حتّى أشياؤنا لا تموت..ولا نحن.. ذلك لأنّ “يلّي بتقاتل فينا هي الروح”. ومن تقاتل فيه الروح، يذكّرنا بعُطالة أرواحنا، تلك الأرواح التي لم يبُثّ بها الحياة ويعد لها إمكانيات فهم جوهرها إلّا إدراكُنا الحميميّ بأنّ ارتباطنا بثلّةٍ من الأحرار هو ارتباطٌ بكونهم آخر خلاصٍ لفهم المعنى الحقيقي من جدوى كلّ شيء في كلّ مرّة وتحت أيّ ظرف كما صرنا نفهم ماذا يعني المقاومة جدوى مستمرّة.
الكاتب: رياض ملحم.