المحامي فؤاد مطر:
تعتبر الحركة الصهيونية لبنان جزءًا من دولة إسرائيل وفق ما ورد بمجمل وثائقها حيث إنّ “إسرائيل الكبرى”مستقاة من العهد القديم سواء في سفر التكوين “…أعطي هذه الأرض من نهر مصر-النيل-إلى النهر الكبير نهر الفرات”، أو إستنادًا لما ورد في سفر يشوع “..من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات..” دون تحديد للحدود كما تستند إلى التلمود في تبرير توسّعها.
حدّدت مذكرات تيودور هرتزل أنّ الحدود الشمالية لإسرائيل تمتد حتّى جوار مدينة صيدا، وهذا ما ورد في مضمون مذكرة المنظمة الصهيونية العالمية إلى مؤتمر باريس عام ١٩١٩.
تعرّض لبنان منذ نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ للإعتداءات الإسرائيلية الدائمة والمتكررة التي طالت أرضه وأجواءه ومياهه، مع تدمير لعدة قرى لبنانية وتشريد أهاليها وإجبارهم على النزوح، واحتفظ العدوّ الإسرائيلي بمساحة واسعة من الأراضي اللبنانية تابعة لعدد من القرى الحدودية.
إنّ تعرّض لبنان للتهديدات الجسيمة والاعتداءات العسكرية من قبل العدوّ الإسرائيلي ألحقت بلبنان أفدح الأضرار والخسائر، وكادت تنهي وجوده نتيجة استراتيجية الاقتطاع والتقسيم والإمعان في ضرب مقوّمات استمراره وإذكاء الصراعات الطائفية فيه، وغدت أرضنا مسرحًا لسياسة الأرض المحروقة تمارسها قوّات الاحتلال منذ إقامة كيانها الإستيطاني التوسعي الإحتلالي.
في منتصف عام ١٩٨٢ جرى إجتياح مدينة بيروت من قوات جيش العدوّ تحت دعوى الدفاع عن أمن وسلامة الجليل، ووصلت قواته إلى محيط القصر الجمهوري في بعبدا، واحتلال مطار بيروت الدولي.
إصطدم جيش العدو بعمليات للمقاومة من عملية خالد علوان في شارع الحمرا، والتصدّي لرتل من المصفّحات الاسرائيلية تحت جسر سليم سلام، الى إجبار حاجز للعدوّ الإسرائيلي على مفرق طلعة شحادة في شارع مار الياس، إلى معركة البربير والمتحف، ثمّ خلدة، أدّت الى فرار ه مهزومًا لتمتد المواجهة الى صيدا فباقي المناطق اللبنانية المحتلة.
رغم تلقي جيش العدو الاسرائيلي ضربات موجعة من المقاومة الوطنية اللبنانية تؤازرها الحالة الشعبية العارمة وأنسحاب قوات العدو بعد إذلاله في بيروت، للأسف تمّ توقيع إتفاقية ١٧ أيار عام ١٩٨٣ المشؤومة والتي ألزمت لبنان بترتيبات أمنية لصالح العدو الأسرائيلي حيث أعطته حقّ التفتيش والتدخل في منطقة واسعة من الجنوب وفق ما نصت عليه المادتان الثالثة والرابعة من الإتفاق وأكّدها الملحق المرفق بها.
بالإضافة إلى الترتيبات الأمنية، فقد نصّ الاتفاق على الموافقة على فتح الحدود بين الطرفين لتمرير البضائع وإنتقال الافراد، أيّ أنّه فرض تطبيعًا للعلاقات الذي طالما سعى إليه العدو، كذلك جاء منسجمًا مع استراتيجية الإقتطاع والتقسيم وأبقى التدخّل الإسرائيلي في مجالات عدّة وأدّى توقيعه إلى إحداث مزيد من التوتّر والانقسام الداخلي في لبنان.
إنّ أخطر ما ورد في الاتفاقية هو ما تناولته المادة الثامنة منها حول عملية تطبيع العلاقات المتبادلة ووضع الاتفاقات اللازمة حول حركة السلع والمنتجات والأفراد.
وبالعودة للترتيبات الأمنية، فقد فرضت على كشف نشاطات المقاومة ومنعها، وتحديد أسلحة القوى الأمنية للدولة اللبنانية بالخفيف والفردي لحراسة المنطقة الأمنية، وأعطت السلطات العسكرية اللبنانية واجب إشعارها مسبقًا بجميع الرحلات الجوية وفقًا لأصول تضعها لجنة الترتيبات الأمنية التى تتكوّن من مندوبين لبنانيين وإسرائيليين تعقد إجتماعاتها في لبنان وإسرائيل مداورة وهي تتمتّع بحرّية التنقل أرضًا وبحرًا وجوًا لإنجاز مهمّاتها وتفرض على الدولة اللبنانية إتخاذ التدابير الوقائية والاجراءات القانونية بحق المقاومة واحتفاظ العدو الاسرائيلي بالهجوم، وعلى الدولة اللبنانية منع أي شكل يشير إلى حالة العداء مع الكيان الإسرائيلي.
كما أنّ العلاقات يجب أن تقتصر على تدفّقات تجارية باتجاه واحد على شكل يعطي للعدو الاسرائيلي دور المصدّر ولبنان المستورد، ليتوقف إنتاجنا نهائيًا بعد الكساد، وإقامة قنوات تحت الارض لنقل المياه لتلبية حاجات الكيان من الطاقة المائية. وكانت هنالك محاولات عديدة للإلتفاف على القطاع المصرفي في لبنان وإصابة مرفأ بيروت بالشلل.
إنّ البعد الاقتصادي للإتفاقية كان الأخطر بسبب أطماع ونوايا الهيمنة على اقتصادنا الوطني ومصادرة دوره وجعل التطبيع أمرًا مفروغًا منه.
لقد شكّلت الاتفاقية إنتقاصًا كاملًا وتفريطًا لسيادتنا واستقلالنا، وإبراء للعدوّ من جرائمه ومجازره التي ارتكبها بحقّ اللبنانيين، وحقّقت حلم العدوّ بالتوسّع والسيطرة على أراضي جنوب لبنان واستغلال ثروته المائية، ومخطّطه للهيمنة على الاقتصاد اللبناني ومصادرة دوره وإغراق أسواقه بالمنتجات الإسرائيلية وتحويل إسرائيل الى مركز مالي رئيسي في المنطقة.
إنّ إبرام هذه الاتفاقية لم يكن كافيًا لإزالة حالة العداء إلّا أنّها اصطدمت بالمقاومة الشعبية على مختلف المستويات المدنية والمرجعية والقتالية، ممّا أدّى بعد الانتفاضة العارمة الى إلغاء الاتفاقية بعد عشرة أشهر على توقيعها في 1984/3/5 بقرار رسمي من السلطة اللبنانية نتيجة ضربات المقاومة ومؤازرة الرفض الشعبي بكامل قواه الحيّة لا سيّما الدينية منها.
تناولنا باختصار كلّي هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا، لنرفع الصوت بوجه كلّ من تسوّل له نفسه الجبانة من محاولة تكرار هذه التجربة المريرة، وطالما أنّ عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء وأنّ دماء الشهداء الزكية تتدفّق سيلاً جارفًا لنرفع جباهنا عاليًا لتطال أرز لبنان ودفاعًا عن التربة الوطنية التي تستحقّ لنستحقّها.
“محكمة” – الأحد في 2026/3/29