قراءات سياسية فكرية استراتيجية

اوجه القصور الذاتية لدى اليسار اللبناني واسباب ضعفه الحالي

شهدت الحرب الأهلية في لبنان بين عامي 1975 و 1990 عنفا منظما من قبل النخب الطائفية ضد الاحزاب اللاطائفية والطبقتين الوسطى والفقيرة بما أدى الى اعادة تشكيل لبنان الطائفي على قاعدة تقاسم السلطة بين زعماء الطوائف المارونية والسنية والشيعية والدرزية، على أن يتوزع هؤلاء الولاء لقوى اقليمية ودولية، فتكون المارونية السياسية تابعة للغرب وقائدته الولايات المتحدة، وتكون السنية السياسية تابعة للملكة العربية السعودية، وتكون الشيعية السياسية تابعة لسورية وايران، فيما تلعب الدرزية السياسية دور الموازن بين هذه الطوائف متوزعة الولاء مع ارجحية للمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة.

لقد كان هذا هو العامل الخارجي الذي أدى الى فشل تجربة اليسار في لبنان، لكن ما لم يتم معالجته حتى الآن هو اسباب القصور الذاتية التي أدت الى فشل هذا اليسار. وهذه المقالة لا تدعي انها تعالج أوجه القصور في التجربة اليسارية اللبنانية لكنها تحاول طرح تساؤلات ونقاط للنقاش.

 

تجربة الشيوعي

أبرز التجارب اليسارية في لبنان هي تجربة الحزب الشيوعي اللبناني. ويفخر أعضاء هذا الحزب في أن حزبهم هو من الأقدم والأعرق في لبنان إذ أنه تأسس في العام 1924. لكن أحد أهم نقاط الضعف في تجربة هذا الحزب هو في تبعيته المطلقة للمركز السوفياتي والذي انعكس تغييرا في قيادته وتوجهاته وفقا للتغيرات في السياسة السوفياتية وتوجهاتها الخارجية. ففي العشرينات والثلاثينات لعب فؤاد الشمالي دورا بارزا في الحزب الشيوعي وكان أمينه العام الأول، إلا أنه في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي اختفى اسم الشمالي نهائيا ولم يعد يذكر في أدبيات الحزب. كان هذا مرتبطا بالتغيير الذي حدث في الاتحاد السوفياتي بعد عزل زينوفييف عن الامانة العامة للكومنترن الذي كان يضم الاحزاب الشيوعية في العالم والذي كانت تستخدمه موسكو للسيطرة على الأحزبا الشيوعية. اذن طار زينوفييف في روسيا، فطار الشمالي في لبنان ليحل محله في لبنان وسورية خالد بكداش.

على مدى عشرين عاما ونيف بقي بكداش أمينا عاما للحزب الشيوعي في لبنان وسورية، وقد ارتبط نجمه بالحقبة الستالينية في الاتحاد السوفياتي والت امتدت لتشمل ايضا فترة نيكيتا خروتشوف حتى العام 1964. في اواخر ذلك العام تم عزل نيكيتا خروتشوف فإذا بجيل كامل من القادة الشيوعيين يطاح بهم في لبنان وسورية على رأسهم خالد بكداش الذي شهد انقساما في الحزب بين جناحين لبناني وسوري، فخرج اللبناني عن طوعه، فيما شهد الجناح السوري انقسامات عدة. فإذا بعدد كبير من القيادات يطرد من الحزب مع حلول العام 1968 ومن ضمنهم طنوس دياب وقبلان وكمال مكرزل، وصوايا صوايا وحسن قريطم، وغيرهم وسيطر على الحزب نقولا الشاوي وجورج حاوي طوال الفترة التي سيطر خلالها ليونيد بريجنيف على السلطة في الاتحاد السووفياتي بين عامي 1964 و1982، ومن ثم فترة خلفائه حتى انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991. في ذلك العام عقد مؤتمر للحزب الشيوعي ومعه دخل في طور أزمة طويلة، فهذا الحزب الذي اعتاد تلقي التوجيهات من المركز وجد نفسه من دون البوصلة التي توجهه.

والأخطر من تغيير القيادات وفقا لتوجيهات موسكو، كان اتباع السياسات التي تمليها موسكو من دون الأخذ بالاعتبار الحيثيات الخاصة في البلدان التي يعمل فيها الشيوعيون.فبناء على املاءات موسكو، كان الشيوعيون العرب واللبنانيون الوحيدين الذين وافقوا على قرار تقسيم فلسطين والاعتراف بقيام دولة اسرائيل. ولقد كان من آثار ذلك انفضاض جماهير كثيرة عن الحركة الشيوعية العربية. كذلك فبناء على املاءات موسكو وقف الشيوعيون السوريون واللبنانيون والعرب بشكل عام ضد الوحدة المصرية – السورية خلافا لغالبية الشعوب العربية التي أيدت الوحدة. وخلال السبعينات والثمانينات، ونتيجة التوجهات التسووية للقيادة السوفياتية مع الغرب، ودعمها لحل سلمي وفقا للقرارات الدولية يقضي بانشاء دولتين اسرائيلية على 80 بالمئة من ارض فلسطين وفلسطينية على 20 بالمئة من ارض فلسطين، فلقد تقارب الحزب الشيوعي اللبناني مع حركة فتح بقيادة ياسر عرفات عوض التقارب مع الجبهة الشعبية بقيادة جورج حبش. ولقد أدى هذا الى خلاف مع الجبهة طوال فترة السبعينات لم يندمل الا في الثمانينات نتيجة ظروف القتال ضد الاحتلال الاسرائيلي للبنان.

اما البعد الثالث لقصور تجربة الحزب الشيوعي فلقد كانت في تحالف قيادته بعد منتصف الستينات مع النخب الاقتصادية والسياسية المهيمنة في البلدان العربية ومنها لبنان. فلقد ارتبطت قيادة الحزب الشيوعي بشبكة تحالفات ومصالح مع اقطاع طائفي متمثل بكمال جنبلاط، ولتبرير ذلك تفتقت عبقرية بعض منظري اليسار عن نظرية الطائفة الطبقة التي تم اعتبار المسلمين فيها بروليتاريا لبنان ف مواجهة المسيحيين الذين صنفوا على انهم طبقة بورجوازية. وهذا ما يفسر تحالف اليسار مع زعيم اقطاعي ككمال جنبلاط وابنه وليد خلال الحرب الأهلية.

 

الاحزاب اليسارية الأخرى

بالنسبة للاحزاب اليسارية الاخرى فلقد شكلت التنظيمات المنبثقة عن حركة القوميين العرب وابرزها منظمة العمل الشيوعي احزابا خاب ظنها بجمال عبد الناصر بعد هزيمة 1967، فلجأت الى تبني الماركسية كعقيدة بعد ان تحولت الى موضة خلال الستينات والسبعينات نتيجة الانتصارات التي حققها الشيوعيون في فييتانم وكوبا وغيرها ضد الولايات المتحدة. لكن الجدير ذكره أن معظم اعضاء حركة القوميين العرب كانوا من الطبقة الوسطى العليا ما جعلهم ينتمون بمصالحهم للطبقة البورجوازية، وهنا كان الخطاب يساريا لكن المصالح بورجوازية. فارتبطت منظمة العمل الشيوعي وقادتها بشبكة مصالح مع جزب من الطبقة المهيمنة فكانت جزءا من الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط، وكانت مقربة من ياسر عرفات الذي كان يمثل مصالح البورجوازية الفلسطينية، فيما كانت على جفاء في السبعينات مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وكتلة الدول الاشتراكية، وبعد اعادة ترميم النظام الطائفي اللبناني، ذهب قادة منظمة العمل الشيوعي ليعملوا في خدمة رفيق الحريري، الذي كان يمثل مصالح الرأسمال الريعي الذي جدد نفسه خلال الحرب الاهلية اللبنانية، ليصبح بعدها الصيغة الاقتصادية السائدة في لبنان الطائف.

اما بالنسبة للاحزاب الناصرية فلقد كانت في معظمها مبنية على عاطفة الولاء لفكرة القومية العربية ورمزية الوعيم جمال عبد الناصر. ولقد كان معظم هذه الاحزاب مدعوما من اجهزة الاستخبارات المصرية واللبنانية ما جعلها لا تمتلك قاعدة صلبة ومنظمة، فاستندت شعبية هذه الاحزاب على محبة الناس لعبد الناصر ما ادى الى ضمور هذه الاحزاب بعد وفاته. اما حزب البعث فلقد كان حزب الطبقة البورجوازية او جزء منها، خصوصا في جناحه العراقي، لكن هذا ينطبق ايضا على الجناح السوري لحزب البعث في لبنان.

 

اذن فلقد شكلت تبعية قيادة الاحزاب اليسارية لموسكو، ولقوى خارجية مثل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، اضافة الى تحالف قيادات الاحزاب اليسارية مع الاقطاع والبورجوازية اللبنانية، اضافة الى افتقاد الحركة اليسارية لبرنامج تغيير، من عوامل القصور الرئيسية في تجربة الحركة اليسارية اللبنانية التي اوصلتها الى الضياع في مرحلة ما بعد العام 1991. وقد اضيفت اوجه القصور هذه الى العنف الذي مورس ضد الحركات اليسارية خلال الحرب الأهلية ليوجه ضربة قاصمة للحركة اليسارية تجلى في اعادة احتلال القوى الطائفية اللبنانية اكثر من تسعين بالمئة من النطاق العام في لبنان ما بعد الطائف.

 

اقرأ المزيد
آخر الأخبار