منذ أن قرّر هنري كيسنجر أن الشرق الأوسط ليس سوى رقعة شطرنجٍ تُدار بالعنف المُقنّن وخرائط الدم، والمساطر ذاتها تُسْتَخْدَم: تجزئة، تطويع، حصار، ثم إغراءٌ بفتات “السلام الاقتصادي”. بعده جاء برنارد لويس ليمنح هذه الرؤية قاموساً ثقافياً وتاريخياً زائفاً: شعوبٌ عاجزة عن إدارة نفسها، خرائط يجب أن تُعاد قصّها، وطوائف لا يجمعها إلا الخوف. وبين هذين «المشروعين»، تسلّل عشرات «المبعوثين» ورجال الأعمال و«الخبراء» الذين يتحدّثون عن منطقتنا كما لو أنها شركة متعثّرة تحتاج مستثمراً مغامراً، أو وطناً فاقد السيادة يجوز التصرّف بحدوده على موائد الاستشارات الدبلوماسية.
آخرهم – أو واحدٌ من أبرزهم إعلامياً – كان توم باراك، الذي تجرّأ على النطق بما ظلّ كثيرون يلمّحون إليه: ضمّ لبنان، شطب مزارع شبعا من السرديّة الوطنية، وإعادة تعريف معنى السيادة وفق دفتر شروطٍ أمريكي – إسرائيلي، يُقاس فيه الحق بموازين المصالح لا بموازين العدالة.
أيُّ منطق هذا الذي يعتبر أن الجغرافيا رأسمال قابل لإعادة الهيكلة، وأن التاريخ بندٌ يمكن شطبه بقلم رصاص، وأن الذاكرة الجمعية مجرّد رواية قابلة للتفاوض؟
. سياسة «الهدم البنّاء»:
كيف تُكسَّر الدول لتُعاد صياغتها على المقاس الأمريكي؟
ما تسمّيه واشنطن «إدارة الأزمات» ليس سوى صناعةٍ منظّمة للفوضى: تُفرَض العقوبات الاقتصادية لتجويع الناس، ثم يُقال لهم: الحلّ عندنا، فقط تخلّوا عن شروط قوّتكم وعن سرديتكم الوطنية. يُفتَح الباب لتأبيد النزاعات الحدودية، ثم تُحشر الدول في زوايا تفاوضٍ غير متكافئة، ويُطلب منها أن تعترف بما لا يجوز الاعتراف به: أن الحق التاريخي والقانوني في الأرض يمكن أن يسقط بالتعب، وأن الاحتلال يصبح “واقعاً” لا جدوى من مقاومته.
من كيسنجر إلى لويس: الاستشراق المُسَلّح
لم يكن كيسنجر مجرد وزير خارجية؛ كان مهندساً لنظرية “الاستقرار عبر عدم الاستقرار”: اكسِر توازنات المنطقة كي تفرض توازن القوة الأمريكية. أما برنارد لويس، فحمل مطرقة الاستشراق إلى آخر مدياتها: شعوب يجب أن تُفكَّك كي تُدار، دول يجب أن تُقسَّم كي لا تتجرأ على الاستقلال. هذه المدرسة الفكرية – الأمنية هي نفسها التي تُنتج اليوم مبعوثين ورجال أعمال وخطط “سلام” ملغومة، تريد أن تُعيد تعريف الهويّات وفق قواميس المال والغاز وخطوط الأنابيب، لا وفق حقوق الشعوب وكرامتها.
مزارع شبعا: بقعة الأرض التي تفضح كل شيء
لماذا تصير مزارع شبعا، في لحظة الحقيقة، “تفصيلاً” يمكن شطبه؟ لأن الاعتراف بلبنانيتها يهدم سردية “الحدود النهائية” لإسرائيل، ويُبقي حقّ المقاومة قائماً، ويُسقط أوهام التطبيع الواسع الذي تنشده واشنطن وتل أبيب. لهذا تُصوَّر شبعا كأنها مشكلة تقنية، فيما هي جوهر القضية: أرض محتلة، وحقّ واضح، وميزان قوة لا يُعادل بالابتسامات في الصالونات. من يقلّل من شأن شبعا يقلّل من شأن معنى الدولة نفسها.
«عملاء الداخل»: طبولٌ جوفاء تصدح على إيقاع السفارة
لكن الخطر ليس فقط في المبعوث العابر، بل في الطبقة المحلية التي تتلو كل صباح بيان الولاء للمشاريع الأمريكية، وتُعيد إنتاجها بلسانٍ عربيٍّ فصيح. هؤلاء لا ينتقدون “تفاصيل” في الطروحات الأمريكية؛ بل يتبنّون جوهرها: اسكتوا عن الاحتلال، تخلّوا عن أدوات ردعكم، اقبلوا بحدودٍ تُرسَم لكم، عوّموا الفساد بشرط أن يُدار على الطريقة النيوليبرالية، واعتبروا أن السيادة “ترفٌ شعاراتي” في عالم الأسواق المفتوحة.
يسمون ذلك «واقعية سياسية». أيُّ واقعية هذه التي تطلب من شعبٍ يئنّ تحت الحصار والنهب أن يسلّم بما تبقّى من أرضه؟ أيُّ واقعيةٍ تُحوِّل الضحية إلى متّهم، والمحتل إلى شريك محتمل في التنمية؟ الواقعية الحقيقية تبدأ من الاعتراف بأن الحق لا يُقايَض، وأن الدولة لا تُبنى على إنكار نفسها.
لبنان… بين سرديتين
هناك سرديتان تتنازعان لبنان اليوم:
1. سردية أمريكية – إسرائيلية: لبنان دولة فائضة عن الحاجة، يجب أن تُقلَّم أظافرها الدفاعية، وأن تُربَط اقتصادياً بالمركز الذي يقرّر لها سقفها، وأن تتحوّل “مزارع شبعا” إلى ثغرة قابلة للإغلاق بمسطرة محامٍ في مكتب واشنطن.
2. سردية وطنية – مقاومة: لبنان دولة صغيرة نعم، لكنها كبيرة بحقها. لا تُقاس مساحتها بالكيلومترات فقط، بل بمساحة الإرادة المتراكمة، وبقدرتها على تحويل نقاط الضعف إلى عناصر قوة. هذه السردية تقول: أي تفاوض يبدأ بالحق لا بالقوة، وأي سلام يبدأ بإنهاء الاحتلال لا بتسويغه.
المعركة اليوم: على الوعي قبل الأرض
ليست المشكلة أن توم باراك قال أو لم يقل؛ المشكلة أن هناك من يريدك أن تعتاد سماع هذا النوع من الكلام، أن تألف فكرة أن السيادة ملفّ قابل للوساطة العقارية، وأن الحدود شأناً قابلاً للمقايضة بالودائع، وأن المقاومة “عبء” يمكن التخلّص منه مقابل “استقرار” زائف. المعركة إذاً ليست فقط في مزارع شبعا، بل في العقول التي تريد أن تُقنعك أن شبعا “ثانوية”، وأن العدالة “مُكلفة”، وأن الكرامة “غير منتجة”.
إلى «المطبّلين»: كفّوا عن بيع الهواء
إلى كل من يروّج لهذه الطروحات بوقاحة “الخبراء” و”الاقتصاديين” و”المستقلين”: توقفوا عن بيع الهواء للناس. قولوا بوضوح: أنتم مع مشروع أمريكي يرى في لبنان دولة يجب أن تُختزل، وفي الفلسطيني شعباً يجب أن يُنسى، وفي السوري والعراقي واليمني ساحات اختبارٍ لأسلحة الجغرافيا السياسية. قولوا إنكم خيّرتم الناس بين الجوع وبين التخلّي عن الحق، ثم اخترتم لهم التخلّي… وتركتم لهم الجوع.
ما العمل؟
إعادة تثبيت سردية الحق: شبعا أرض لبنانية محتلة، نقطة على السطر. لا يُختَصر هذا الحق بمفاوض على طاولة، ولا يُسقطه مبعوثٌ ببيان.
تفكيك دعاية «السلام الاقتصادي»: ما لم تُحَلّ جذور الاحتلال والهيمنة، فكل وعود الاستثمار والبنى التحتية ليست سوى رِشى سياسية لتسليمٍ أكبر.
__ بناء جبهة وعي داخلية: النخب الثقافية والإعلامية مطالبة بفضح الخطاب الأمريكي – الإسرائيلي بكل مفرداته “التقنية”، وكشف عملائه الفكريين قبل السياسيين.
__تحصين أدوات الردع والسيادة: لا سيادة بلا قدرة دفاع، ولا قدرة دفاع بلا وعيٍ وطني صلب، ولا وعي وطني بلا ذاكرة. تذكروا: يريدونكم بلا ذاكرة كي تصبحوا بلا مستقبل.
من كيسنجر إلى برنارد لويس إلى كل «مبعوث» جديد، الخطة واحدة: شرق أوسط يُدار من بعيد، وشعوبٌ تُختبر قدرتها على النسيان. أما نحن، فمهمتنا أن نحفظ الأسماء والخرائط والجراح، وأن نفهم أن مزارع شبعا ليست مجرد هضبةٍ على خريطة، بل امتحانٌ يومي لمعنى أن تكون دولةً ذات سيادة، أو شركةً محاصرة تنتظر قرار تصفيتها. بين أن نكون الأوّل أو الثاني، كلمة واحدة تفصل: لا. لا للمشاريع الهدّامة، لا لوكلائها في الداخل، ولا لكل من يطلب منا أن ندفن حقّنا في صمت… ونسمّي ذلك «واقعية».