قراءات سياسية فكرية استراتيجية

دفاعاً عن الذاكرة الوطنية!

مع دخول اتفاق وقف الاعمال العدائية بين المقاومة والعدو الصهيوني حيز التنفيذ، تصاعدت اندفاعة القوى الداخلية المعادية للمقاومة بشكل غير مسبوق، وتفلتت لغة التحريض الطائفي والسياسي ضد المقاومة وحزب الله والبيئة “الشيعية”، الحاضنة الشعبية للمقاومة، من كل الضوابط الادبية والسياسية والاخلاقية، بحيث صار من الصعب التمييز بين خطاب هذه القوى الرجعية واليمينية والخطاب السياسي للعدو الصهيوني.
ولو اردنا بهدوء، ومن دون انفعال، توصيف الحالة السائدة في معظم وسائل الاعلام المرئي المحلية والعربية من اقنية تلفزيونية ومواقع تواصل اجتماعي، وهي بمعظمها ممولة من خزانات النفط الخليجي وموجهة من الغرف السوداء المتخصصة في ادارة الحرب النفسية لمراكز الاستخبارات الاميركية والغربية والصهيونية، لقلنا اننا نواجه حالة غير مسبوقة من الفجور السياسي والاعلامي ومن الانحطاط الاخلاقي وانعدام ادنى مقومات الشعور الانساني، خصوصاً امام مشاهد التجويع والقتل والتدمير والابادة التي يمارسها جيش الاحتلال الصهيوني على مدار الساعة بحق الشعب الفلسطيني، والاعتداءات المستمرة على لبنان وجنوبه بالرغم من اتفاق وقف الاعمال العدائية.
ان الخطاب السياسي لأقطاب اليمين اللبناني “التاريخي” مثل الكتائب، والقوات، والاحرار، والذي شكل التعبير العلني للمضمون الايديولوجي للبرجوازية اللبنانية، قدم نفسه مدافعاً عن لبنان بمواجهة الثورة الفلسطينية وقوى اليسار، ونجح في تعبئة قطاعات واسعة من المسيحيين ودفعهم لحمل السلاح والانخراط في اواسط السبعينات بالعنف المسلح دفاعاً عن امتيازات البرجوازية اللبنانية التابعة، بدلاً من ولوج طريق الخيار الديمقراطي في التصدي للتناقضات التي نضجت في رحم النظام اللبناني وانعقدت عليها التناقضات الخارجية، وتمظهرت في المستوى السياسي في مسألتين، القضية الداخلية بوجهيها الاقتصادي الاجتماعي والسياسي، والقضية الوطنية المرتبطة بموقف لبنان من المشروع الصهيوني وبموقعه في الصراع مع هذا المشروع، وكان هذا الخطاب اليميني التبريري لجر البلد الى حرب اهلية طاحنة بذريعة الدفاع عن لبنان قد خفَتَ في مرحلة ما بعد الطائف بنتيجة هزيمة هذا المشروع لاسباب داخلية واقليمية. وعاد هذا الخطاب اليوم بصيغته الاكثر فجوراً وفظاظة محاولاً الاستفادة من الاوضاع المستجدة لصالحه داخلياً واقليمياً.
ويحاول هذا الخطاب اليوم تعويم سردية اصحابه عن الحرب الاهلية بما يضفي على مشروعه الانتحاري في حينه صفات مثل “الوطنية” و”السيادية” و “اللبنانية” في مواجهة الفلسطيني الغريب والسوري المحتل واليساري فاقد الوطنية والملتحق بالغريب.
بالمقابل، فان هزيمة مشروع اليمين لم تعنِ انتصار مشروع اليسار لأن فصائل الحركة الوطنية (الحزب التقدمي الاشتراكي، الحزب السوري القومي الاجتماعي، حزب البعث الجناح السوري، التنظيمات الناصرية) ، باستثناء الشيوعيين، “تكيفت” مع المعطى الاقليمي ودخلت الى السلطة بشراكة مع اخرين وتخلت عن النضال لتنفيذ اهداف برنامج الاصلاح السياسي.
ويحاول اقطاب اليمين تظهير مواقفهم الراهنة كامتداد “لصحة” خياراتهم السياسية الماضية، (بالواقع فان مضمون مواقفهم هو ثابت في الارتباط بالرجعية والامبريالية)، وكما انهم قاتلوا سابقاً وشكلوا المقاومة اللبنانية ضد الغرباء واليسار، فهم اليوم يرفعون السقوف حتى اعالي السماء ضد حزب الله، “اداة ايران” في لبنان.
هذا الفجور في محاولة اسقاط السردية اليمينية على التاريخ يستفحل في لحظة يُغيب فيها الموقف اليساري من الحرب الاهلية، خصوصاً ان الحريرية السياسية نجحت باجتذاب معظم الكادر اليساري، القومي العربي والشيوعي، الى المؤسسات الاعلامية ذات الامتداد الخليجي، ناهيك عن التراجع الكبير الذي اصاب اليسار والشيوعيين بعد الانقلاب على المشروع الاشتراكي السوفياتي.
ان خطاب اليمين عن السيادة وحصرية السلاح وبناء الدولة و.. و.. يحاول في الواقع تكرار تجربة الماضي في القفز فوق التناقضات التي فشل اتفاق الطائف بحلها.
لنضع جانباً مسؤولية الاحزاب والقيادات “اليسارية” التي تخلت عن المشروع الاصلاحي للحركة الوطنية، وفي استعادة لاحداث الحرب الاهلية لا بد، انطلاقاً من الوقائع ودفاعاً عن الذاكرة الوطنية، ووفاءً لدماء الشهداء، والذين يبدون اليوم امام فجور اليمين وكأنهم “مرتزقة” عند “الغرباء”، لا بد من الاشارة الى التالي:
١- ان التسلح والعنف باشر بهما احزاب اليمين، وهم اول من اقام الحواجز المسلحة على الطرقات، ومارسوا الخطف والتعذيب والقتل على الهوية، وارتكبوا عمليات التهجير من المناطق “المسيحية”، واستنجدوا بداية بالسوريين (اليوم يصفونهم بالمحتلين) ولاحقا بالاسرائيليين، حيث كان لهم “شرف” التدريب والتسليح والتنسيق مع الصهاينة.
٢- ان احزاب اليسار داهمتها الاعمال المسلحة وهي لم تكن مهيئة، وقدمت لجماهيرها وللشعب اللبناني مشروعاً سياسياً هدف لتخليص الشعب من النظام الطائفي، وانشاء اقتصاد وطني منتج يكون للدولة فيه دور اساسي في دعم الصناعة والزراعة كبديل عن الاقتصاد الريعي، وكان من مطالب اليسار الاساسية تسليح الجيش وتدريب الجنوبيين وانشاء الملاجىء وتعزيز القدرات العسكرية لمواجهة الاعتداءات الاسرائيلية كبديل عن فلسفة قوة لبنان في ضعفه، وطالب اليسار بتعزيز القطاع العام، وتطوير الخدمات الاجتماعية من تعليم رسمي وانشاء كليات تطبيقية في الجامعة اللبنانية وعلى صعيد الصحة تطوير المستشفيات الحكومية وتشييد المزيد منها لتشمل كل المناطق، وعلى صعيد السكن طالب اليسار بوضع خطة اسكانية تأخذ بعين الاعتبار تأمين السكن لذوي الدخل المحدود من عمال وصغار كسبة وموظفين، كما نشط اليساريون في الريف من خلال انشاء الاندية والمراكز الثقافية وسعوا لنشر الثقافة الوطنية، وجهدوا بالممارسة لتطوير دور الشباب وتعزيز مشاركة المرأة في الشأن العام، وشمل البرنامج السياسي لليسار على خطة للانتقال من النظام الطائفي الى نظام المواطنة، بحيث يتساوى الناس امام القانون بالحقوق والواجبات.
وكان من الطبيعي ان يطالب اليسار باخراج لبنان من دائرة النفوذ الغربي، وبدعم نضال الشعب الفلسطيني للعودة الى وطنه، وباقامة افضل العلاقات مع المعسكر الشرقي والبلدان التقدمية، فاسرائيل بنظر اليسار هي القاعدة المتقدمة للامبريالية في بلادنا.
ولو نظرنا الان الى واقع بلدنا فانه لو اتيح لليسار تحقيق برنامجه لما كنا اليوم فيما نحن فيه.
من اجل كل هذه القيم والاهداف ناضل اليسار وقدم الشهداء كما في مواجهة اليمين الفاشي، كذلك في مواحهة الصهاينة والقوات المتعددة الجنسيات، وهؤلاء الشهداء هم من خيرة ابناء شعبنا، قاتلوا وقدموا انفسهم من اجل وطن. لهم التحايا وكل ورود الارض.

د. طنوس شلهوب

اقرأ المزيد
آخر الأخبار