نظرة مكيافيلية في مصالح مصر العليا
بقلم كمال ديب
جريدة النهار اللبنانية 15 كانون الثاني يناير 2024
مصر هبة النيل هي دولة مركزية ضمن ثلاث دوائر كما جاء في كتاب فلسفة الثورة لجمال بعدالناصر: الدائرة الأولى عربية من المحيط إلى الخليج، تمثلّت بقومية عربية مطعّمة مصرياً عاصمتها القاهرة.
والدائرة الثانية إسلامية بدولها الستين تقريباً، وهي منتشرة من أميركا اللاتينية وإفريقيا وأوروبا إلى آسيا حيث جزائر الفيليبين وإندونيسيا، عاصمتها الأزهر في القاهرة.
والدائرة الثالثة أفرو- آسيوية، شاركت مصر في تأسيس هذه الدائرة ضمن منظمة عدم الإنحياز في باندونغ، إندونيسيا عام 1955. حتى أنّ الإعلام الغربي أطلق على هذه الكتلة لقب “العالم الثالث” وهي بالفعل دائرة مصر الثالثة.
هذه الدوائر هي الأعماق الثلاثة لنواة هي مصر. ولكن من منظار العام 2024، تلاشت هذه الدوائر حتى وصل التهديد إلى النواة نفسها. فاللب القريب من النواة يحيطها من الجنوب (السودان) ومن الغرب (ليبيا) ومن الشرق (بلاد الشام). ومصر حالياً لا تستشعر اللب الثلاثي القريب الذي يحرس جغرافيتها، فما بالك أن تلتفت إلى الدوائر الثلاثة الكبرى التي باتت نظريات غير قابلة للتطبيق. والآن لننظر إلى موقع مصر بالأمس واليوم بالتفصيل:
أولاً، السودان من الجنوب
لا يمكن لمصر أن تهمل السودان، الذي كان سبباً رئيسياً في تعجيل سقوط المملكة المصرية وأسرة الخديوي في ثورة يوليو 1952. لقد نسي الاستراتجيون في القاهرة اليوم أنّ الدولة المصرية كان اسمها “مملكة مصر والسودان” يحكمها ملك مصر والسودان. وأنّ أصل الخلاف بين الملك فاروق وحكومة بريطانيا كان حول ملكية مصر للسودان لا لبريطانيا، وأنّ اللواء محمد نجيب قائد ثورة يوليو الأساسي كان من الخرطوم عاصمة السودان وأنّ خلافه مع عبدالناصر كان موافقة الأخير التخلي عن السودان في 18 حزيران 1953. وأنّ السودان حارسة مصر على النيل ضد أي خطر إقليمي.
ولكن في الوقت الحاضر، لم يعد لمصر عمق نيلي، بعدما أصبحت آديس أبابا (عاصمة أثيوبيا) هي “الباب العالي” الجديد في قرن إفريقيا، يتكلّم رئيسها آبي أحمد وكأنّه زعيم الإقليم وتتحكّم حكومته بمصادر النيل فيما القاهرة صاغرة ضمن تصعيد كلامي. إذ ها قد رأينا خلال شهر واحد توقيع مذكّرة تفاهم بين “أرض الصومال” وإثيوبيا تجعل مرفأ بربرة الصومالي منفذًا عسكريًا وتجاريًا لأثيوبيا، ورأينا العقيد محمد حمدان (حميدتي) قائد قوات التدخل السريع في الخرطوم يزور آديس أبابا وليس القاهرة.
كان من نتائج “الربيع العربي” تقسيم السودان إلى شمال وجنوب عام 2011، ولكن كشفت تجربة التقسيم أنّ جنوب السودان لا يزال رسمياً وإعلامياً وثقافياً يستعمل اللغة العربية، فيما تراجع مستوى معيشة سكانه وتصارع حكامه كالديوك. كيف سمحت مصر بتقسيم السودان، عزّ الثقافة الأدبية العربية وحلم العرب في سلة الأمن الغذائي القومي؟ لم يكن ثمة سبب لهذا التقسيم عام 2011، واليوم لا سبب وجيه للتقاتل الداخلي في الشمال. ولا يعقل أن تسمح مصر لإثيوبيا التحّكم بمصادر النيل ومحاصرة الدلتا حياتياً.
ثانيا، ليبيا وشمال إقريقيا
لطالما كانت ليبيا مركزاً للخطر الأجنبي – الانكليزي والأميركي -على مصر. فمنها جاءت جيوش رومل الألماني ووصلت العلمين عام 1942 على مسافة قليلة من الاسكندرية، ومن ليبيا انطلقت طائرات الحلفاء للانقضاض على الجيش المصري في صراعه مع اسرائيل عامي 1956 و1967 (“انتظرناهم من الشرق فأتونا من الغرب”). وبالمقابل، عندما وقعت ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 في طرابلس الغرب وبات العقيد القذافي يحمل لقب “أمين القومية العربية” تأكّد نفوذ مصر غرباً، بعدما عمل عبدالناصر على توسيع نفوذها في شمال إفريقيا ولعب دوراً كبيراً في دعم “حركة التحرير الوطني الجزائري” التي كان مركزها القاهرة، وفي إنجاز استقلال الجزائر عن فرنسا وتعريب مدارسها بعشرة آلاف استاذ مدرسة مصري.
واليوم ليبيا، باب مصر إلى شمال إفريقيا، غارقة في حرب أهلية وأزمات تقسيمية منذ تشرين الثاني 2011 فيما مصر تنظر إلى أحداث ليبيا، فيبدو للمراقب أنّها لا تعنيها.
ثالثاً، فلسطين وبلاد الشام
وإذا كان وادي النيل عمقها الحياتي وشمال إفريقيا نفوذها الغربي، فإن بلاد الشام شرقاً هو سر بقاء مصر واستمرارها منذ آلاف السنين. فبلاد الشام (سوريا ولبنان وفلسطين) هي العمق الاستراتيجي الأهم والأقرب لمصر منذ 5000 سنة. وخلال هذه الفترة، بدأ صعود بلاد ما بين النهرين والهضبة الفارسية، وخاصة بعد 1600 ق. م.، فباتت حماية تخوم بلاد الشام عند نهر الفرات قرب حلب شديدة الأهمية لمصر. وهنا لا بد من ذكر معركة قادش في ذلك الموقع بين الجيش المصري بقيادة رعمسيس الثاني عام 1250 ق. م. والحيثيين (من تركيا الحالية). ولقد استمرّ وعي مصر لهذا العمق على مرّ القرون حتى عندما تكون مصر وبلاد الشام جزءاً من امبراطوريات كبرى (الاسكندر المقدوني ثم الرومان ثم العرب). ولكن خلال هذه الحقبات حكمت مصر بلاد الشام مباشرة من القاهرة (باسم الدولة الفاطمية والدولة الأيوبية والدولة المملوكية). وحتى عندما أصبحت بلاد الشام ضمن السلطنة العثمانية، خرج الجيش المصري إلى بر الشام لدحر الترك بقيادة علي بك الكبير (1771) ثم كرّر الحملة عام 1831 بقيادة إبراهيم باشا ابن محمد علي الكبير.
ولا شك أنّ مجلس قيادة الثورة عام 1952 وجلّه من كبار العسكريين أدرك أهمية بلاد الشام في الاستراتيجية المصرية وخاصة أنّ حرب فلسطين الأولى كانت العامل الأهم في إشعال ثورة يوليو لعبدالناصر ورفاقه. إذ خلال سنوات قليلة وقعت الحرب المصرية – الاسرائيلية الثانية (1956) وحقق عبدالناصر وحدة سوريا ومصر (شباط 1958)، وامتد النفوذ المصري إلى لبنان حيث اختير رئيس الجمهورية فؤاد شهاب في نفس العام.
ولا شك أنّ الوحدة المصرية – السورية كانت النموذج الأبرز لصعود مصر ضمن حلقاتها الدولية الثلاثة فتعزز حضورها عربياً واسلامياً وعالمثالثياً. حتى جاء الانفصال السوري عام 1961 ليقطع برعم هذا الصعود. فتوالت إنكسارات مصر في اليمن وفي المشرق والمغرب وأمام الولايات المتحدة الأميركية. وجاء العام1967 وكان النقاش في القاهرة حول خيارين إمّا ترك سوريا وحيدة في مواجهة اسرائيل وإما دخول مصر المعركة. فاستقر الرأي على مشاركة مصر لأنّ انكسار سوريا يعني انكسار مصر. إلى أن وقعت نكسة حزيران 1967.
إذا كانت مصر أولاً فهذا يعني أنّ مصلحتها القومية العليا تأتي أولاً وفق كتاب مكيافيلي وعنوانه الأمير. والمصلحة تعني حماية النواة بالتدخل في اللب المجاور ومن ثم إحياء الدوائر الثلاثة، العربية والإسلامية والعالمثالثية.
ولكن ثمة تفسير واحد عن تراجع النفوذ المصري جنوباً وغرباً وشرقاً وهو ضعف الأمير الذي يحكم مصر. ويضيف مكيافيلي أنّ “على الحاكم أن لا يتكّل على جهة خارجية في الدفاع عن حكمه بسلاح الجهة الخارجية وقوّتها ونفوذهاـ لأن تلك الجهة تريد نهب بلاده وسرقة ثرواتها. وهذه الجهة ستنقلب عليه عندما ترى ذلك في مصلحتها، وتستغيبه أمام أعدائه. بل عليه الاتكال على قواته الذاتية”.
لقد أعلنت فرنسا أنّها أوصلت 7 أطنان من المواد الغذائية والطبية إلى خان يونس في غزة يوم الخميس 4 كانون الثاني 2024. ولا شيء يمنع مصر أبداً أن تصل الليل بالنهار في مدّ المساعدات براً عبر معبر رفح لو شاءت، فلن يوقفها أحد.