قراءات سياسية فكرية استراتيجية

قواعد الشر وقاعدة العقل

تحتفظ الولايات المتحدة الاميركية بشبكة واسعة من المنشآت العسكرية في منطقة الخليج العربي، تحت قيادة القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم). لطالما مثّلت هذه القواعد مراكز رئيسية للسيطرة على مضيق هرمز، وتقديم الدعم اللوجستي وعتلة تهديد واستعمار جديد اضافة الى كونها وجدت ايضا لحماية مصالحها التي تؤمنها لها الانظمة التابعة لها في المنطقة، كما والاهم للدفاع عن قاعدة الغرب الاستعمارية الاساسية، الكيان الاسرائيلي الغاصب.
إلا أنه وفي العام ٢٠٢٦، ونتيجةً للعدوان الاميركي والاسرائيلي على ايران والذي ووجه بدفاع مشرّف وحازم من قبل طهران، جرى الرد على العدوان باستهداف هذه القواعد المعتدية بهجمات صاروخية ايرانية واسعة النطاق كما وبالطائرات المسيّرة. وبنتيجتها تعرّضت البنية التحتية للقواعد الأميركية في المنطقة لأضرار جسيمة. فقد تعطّل العديد من المنشآت الاستراتيجية في قطر والبحرين والكويت والسعودية والاردن بشكل جزئي او دمرت كليا، مما أجبر واشنطن على سحب بعض وحدات سلاح الجو الأميركي وبدء مراجعة شاملة لوجودها العسكري في الخليج.
القواعد الأميركية الرئيسية ومناطق التمركز
قطر: قاعدة العديد الجوية التي تعتبر أكبر منشأة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، تضم ما يصل إلى 10,000 جندي. وهي مقر القيادة الأمامية للقيادة المركزية الأميركية ومركز العمليات الجوية المشتركة. كانت القاعدة المطار الوحيد في المنطقة القادر على استقبال قاذفات بي-1 الاستراتيجية، إلا أن بنيتها التحتية للإقلاع والهبوط ومرافقها اللوجستية تضررت بشدة خلال اعتداءات العام 2026.
البحرين: قاعدة الدعم البحري في البحرين التي تقع في المنامة (حي الجفير)، وهي المقر الرسمي للأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية. تولت القاعدة تنسيق الأمن البحري من البحر الأحمر إلى الخليج العربي. أدت ضربات صاروخية إيرانية مباشرة في النصف الأول من العام 2026 إلى تعطيل حوض بناء السفن الوحيد في المياه العميقة المخصص لصيانة حاملات الطائرات.

الكويت: منطقة التمركز اللوجستي الرئيسية (معسكر عريفجان) الذي يعتبر مركز التوزيع والإمداد والقيادة الرئيسي للجيش الأميركي في المنطقة، وتقليديا يوجد على ارض الكويت أكبر عدد من القوات البرية الأميركية في المنطقة (حوالي 13,000 جندي).
– قاعدة علي السالم الجوية: منطقة تجميع رئيسية لشحنات القوات الجوية وأفرادها. وقد تعرضت القاعدة لأضرار جسيمة جراء القصف.
الإمارات العربية المتحدة: قاعدة الظفرة الجوية، تقع بالقرب من أبوظبي، وتستخدمها القوات الجوية الأميركية بشكل مكثف لإيواء طائرات الاستطلاع والطائرات المسيّرة وطائرات التزود بالوقود جواً وطائرات إف-22 المقاتلة من الجيل الخامس.
المملكة العربية السعودية: قاعدة الأمير سلطان الجوية، تقع جنوب الرياض وتُستخدم كقاعدة لدمج أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي الإقليمية (أنظمة باتريوت وثاد) لحماية المنشآت الأميركية والاسرائيلية من التهديدات الصاروخية.
سلطنة عُمان: لا تحتفظ الولايات المتحدة بقواعد سيادية دائمة في السلطنة، ولكنها تستخدم اتفاقيات الوصول الاستراتيجي، حيث تستخدم المطارات والموانئ العُمانية (مثل الدقم) لتزويدات البحرية عند مدخل الخليج.
وكما تقدم فان القواعد العسكرية الاميركية التي ادعت حماية انظمة الدول الخليجية، تبين انها هي التهديد الاساسي لوجود شعوب هذه الدول كما وانظمتها التي ظهرت عاجزة كليا عن فعل اي شيء لتجنيب اراضيها رد العقاب الطبيعي، فالقانون الدولي يمنح الدول المعتدى عليها، الحق في استهداف الأراضي التي ينطلق منها العدوان، وذلك في إطار ما يُعرف بـ “الحق في الدفاع الشرعي عن النفس (Right to Self-Defense) وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تنص على أنه لا يوجد في الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن نفسها إذا تعرضت لهجوم عسكري بعد استنفاد الوسائل السلمية، أو عندما لا يكون هناك وقت للجوء إليها. وحتى لو كانت الحكومة لا علاقة لها بالهجوم ولكنها “قصرت” في حماية حدودها أو غضت الطرف، فإنها تتحمل مسؤولية دولية ناتجة عن الاهمال او العجز. وفي هذه الحالة فليس امامها الا اخراج القوات الاجنبية الجاثمة على اراضيها والتي تتصرف من خارج اطار سيادة هذه الدولة. وعليه يتبين ان هذه الدول التي اعتقدت بانها بالسماح لقوات اجنبية باقامة قواعد عسكرية على اراضيها (وهنا الحديث عن القواعد الاميركية) ستنعم بالامان والاستقرار تبين انها على غير حق. والادارة الاميركية لم تتردد ولو للحظة في استعمال اراضي الدول الخليجية مستجلبة الاخطار لشعوب هذه الدول ومبعدة الاخطار عن شعبها الذي لا تتجرأ ان تفرض عليه ما تفرضه على شعوب واراضي الغير، كما وان هذه القواعد استجلبت الدمار وفقدان الامن والعداوة مع الجيران والاخطار الدائمة. هذه القواعد على الاراضي القطرية لم تحم هذه الدولة عندما استهدفها الكيان الغاصب ولم تكلف الادارة الاميركية نفسها حتى عناء تبرير ذلك مكتفية بتصاريح فارغة بلهاء تعرف ان من توجه اليه لا يصدقها كما هي لا تصدق نفسها وتسترشد بمصالحها ومصالح اسرائيل الآنية فقط، ولا يهمها كم سقط او يسقط من مواطني الدول الخليجية في اعتداءاتها على جيرانهم الذين لهم معهم تاريخ طويل من العلاقات الطيبة العميقة. ليأتي الاميركي باحثا عن مكاسب وثروات ينهبها ويحميها بقواه العسكرية وصلفه ولا يحمي الشعوب والدول التي بنى عليها هذه القواعد باموال هذه الدول وانفاقاتها.
لعل البعض من المراهنين خطأ في هذه المنطقة على الاميركي يستفيقون ليدركوا ان مستقبلهم في ايديهم وحدهم وفي عملهم وليس في الاعتزال وتسليم مصيرهم للمستبدين الطامعين بثرواتهم. فالحكمة ان تواجه المستبد وتحفظ حقوقك وكرامتك وكرامة شعبك. فغالبا ما يستمد المستعمر قوته من جهل الشعوب وخوفها. والحروب التي يشعلها المحتل على ارضك لن تجني لك الا الخراب وسفك الدماء وانهيار المجتمع والاخلاق، والتاريخ اثبت للذي لا يقرأ وسيثبت مجددا ان عاقبة الظلم مهما بلغ تجبره، وخيمة، وان الاستبداد والقهر يحمل في طياته بذور فنائه.

الكاتب: د. اسكندر كفوري

اقرأ المزيد
آخر الأخبار