قراءات سياسية فكرية استراتيجية

الحرب العِرقية وجيوسياسية الطوائف!!

مقدمة تاريخية:
مع بداية ظهور الإمبراطوريات الأولى، وتحديداً في منطقة المشرق، لم يكن طابع الحروب أو شكلها فقط من أجل السيطرة على الأرض فحسب، بل كان الهدف منها أيضاً تعريف الهوية. فكتاب التوراة، على سبيل المثال، صوّر صراعات قديمة بين بني إسرائيل والشعوب المحيطة من منظور لاهوتي، بالمقابل تُظهر الحوليات الآشورية أو البابلية أن تلك الصراعات كانت صراعات نفوذ، لا صراعات عِرقية. أمّا في العصور الكلاسيكية، فقد قدّم هيرودوت النزاعات بين الاغريق والفرس على اعتبارها صراع حضارات، بالرغم من ان الدافع الأساسي كان سياسياً-امبراطورياً بالدرجة الأولى.
في القراءة الأنثروبولوجية الحديثة، يظهر أن مفهوم الحروب العِرقية هو مفهوم متأخر. على اعتبار ان الهويات في منطقة المشرق كانت دائماً متداخلة دينياً وثقافياً وتجارياً. وعلى سبيل المثال، فإن الإمبراطوريات العثمانية، والصفوية والمملوكية حكمت الناس بشكل معقد لكن دون تحويل الاختلافات المذهبية إلى حروباً وجودية.

الحروب العِرقية اليهودية:
يشير كل من إسرائيل فينكلشتاين ونيل آشر سيلبرمان في كتابهما المشترك ” كشف الكتاب المقدس” أن المصادر التوراتية تحدثت عن حروب ذات بُعد ديني-قومي، لكن تلك الروايات تحمل طابعاً لاهوتياً-أدبياً أكثر منه توصيفاً إثنياً دقيقاً.
في العصر الحديث، كان الصراع العربي-الإسرائيلي، ومنذ العام 1948 صراعاً قومياً-سياسياً محوره الأرض والشرعية الدولية، وليس صراعاً عِرقياً بالمعنى البيولوجي. فعلى سبيل المثال: القرار الأممي رقم 242 لسنة 1967 تّم التعامل معه على أساس نزاع حدود واحتلال، لا كنزاع عرقي وجودي.
ويشير في هذا السياق عالم الاجتماع بندكت أندرسون في كتابه الجماعات المتخيلة إلى أن ” أن الأمة جماعة متخيلة تُبنى عبر السرد والمؤسسات واللغة” من هنا يمكن قراءة “الطائفية” في منطقة المشرق باعتبارها عنصراً سياسياً حديثاً، لا استمراراً لصراعات قديمة.

من بن غورين مروراً ببيريز وصولاً إلى نتنياهو:
تبنّى رئيس الوزراء الأسبق دايفيد بن غوريون في خمسينات القرن الماضي سياسة عُرفت ب ” عقيدة الأطراف” والعمل على بناء تحالفات مع دول غير عربية مثل: تركيا، إثيوبيا، إيران الشاه بهدف كسر العزلة الاستراتيجية لإسرائيل والقفز فزق الطوق العربي وبالتالي تأمين حدودها وتطويق الخصوم، علماً أن هذه الاستراتيجية تعتمد على التموضع الجغرافي بهدف تأمين النفوذ والقدرة على التأثير في المنطقة دون جهد يُذكر.
لاحقاً قدم خلفه شمعون بيريز تصوّره لشرق أوسط متكامل اقتصادياً عبر كتابه The New Middle East حيث رأى إمكانية إنشاء أتحاد يشبه الاتحاد الأوروبي، شرط قيام “سلام” حقيقي بين الدول العربية وإسرائيل.
أمّا اليوم، فقد أقّر بنيامين نتنياهو بسعيه لبناء تحالف جديد يضم الهند، اليونان، قبرص، الإمارات العربية المتحدة، وأثيوبيا وغيرها، ويهدف هذا الحلف وفق تصريحه إلى ضمان أمن إسرائيل وتقليص نفوذ أيران. ويرى بعض المحللين أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تصعيد التوترات وزيادة الانقسامات الإقليمية

فوكوياما:
أعتبر عالم السياسة والاقتصاد الأمريكي فرانسيس فوكوياما (1952) في كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير The End Of History and The Last Man أن الليبيرالية الديموقراطية تمثل الأفق النهائي للتطور السياسي. غير ان التجربة العراقية والسورية واللبنانية أظهرت أن اسقاط نظام سلطوي لا يؤدي بالضرورة إلى قيام دولة مدنية ومستقرة، بل قد يشعل صراعاً على الهوية. كما ورأي أيضاً أن منطقة الشرق الأوسط تشهد تحولات كبيرة وإن القوى الإقليمية تسعى دائماً لاحتلال مكانة مرموقة.

هنتنغتون:
أعتبر المفكر السياسي والأكاديمي صموئيل هنتنغتون (1927-2008) في كتابه صدام الحضارات أو The Clash of Civilizationand the remaking of world order أطروحة مفادها أن الصراعات المستقبلية ستكون حضارية-ثقافية أكثر منها أيدولوجية ما بين الحضارات الكبرى، كالغربية، والإسلامية والصينية وفيما يتعلق بالصراع السني الشيعي، يعتبر هنتنغتون أنه يمكن أن يؤدي إلى صراعات إقليمية، خاصة مع صعود إيران كقوة إقليمية مهمة.

جورج كينان:
أسَس مخطط الشؤون الخارجية للولايات المتحدة جورج كينان (1904-2005) والمعروف بمهندس الحرب الباردة عبر مقالته الشهيرة سنة 1946 من قلب موسكو عرفت باسم “البرقية الطويلة، وهي البرقية التي أرسلها كينان إلى وزارة الخارجية الأمريكية معتبراً السوفيات أن سلوكهم عدوانياً، وقام على أثره بتأسيس استراتيجية الاحتواء الامريكية، كما وساهم في تشكيل معالم الحرب الباردة ومبدأ ترومان، وخطة مارشال.
وهي عبارة عن تطويق الخصم عبر شبكة تحالفات طويلة الأمد بدل المواجهة المباشرة.
أما إذا اسقطنا هذه النظرية اليوم مع النظرية التي قدمها نتنياهو، فيمكن قراءة التحالفات الإسرائيلية، الهندية، وبعض دول الخليج هي بمثابة صيغة احتواء حول نفوذ إيران، عبر تعاون أمني-اقتصادي.

وتندرج التحالفات الهندية- الإسرائيلية ضمن هذا السياق الاحتوائي جيوسياسية الطوائف:
لم يعد الصراع في المشرق صراع حدود بل صراع على إدارة الهويات. أنها جيوسياسية الطوائف حيث تتحول الجماعات الدينية من مكونات اجتماعية إلى أدوات تموضع إقليمي ضمن خرائط أمنية.

الطائفية أداة انهيار الدولة:
أثبتت الأحداث التاريخية أن الطائفية والمذهبية تؤديان إلى ضعف الدولة أو انهيارها. لبنان، العراق، سورية نماذج على ذلك. فعندما تفقد الدولة قدرتها على رعاية مواطنيها وحمايتهم، يبدأ الناس بالبحث عن بدائل تؤمن لهم الخدمات الأساسية، فيلجؤون إلى الطوائف. وفي غياب مؤسسات الدولة، تملأ الطوائف هذا الفراغ، فتعزز الهوية الطائفية على حساب الهوية الوطنية، إضافة إلى استعمال الدين أو المذهب لتعبئة الناس مما يؤدي إلى تعزيز الانقسامات وقوة الولاء الطائفي بدلاً عن الدولة.
الطائفية والمذهبية هي ليست ظاهرة طبيعة، بل نتيجة ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية. أن إعادة بناء الدولة المركزية يساهم في تقليل تأثير الطائفية وتعزيز الوحدة الوطنية.
قد يُعترض على هذا الطرح بأنه يبالغ في مركزية الهوية، ألا أن قابلية مجتمعاتنا للاستثمار الطائفي تبقى عاملا حاسماً في إعادة تشكيل الصراعات.

الخاتمة:
عند جمع أطروحة فوكوياما حول نهاية التاريخ والإنسان، ونظرية هنتنغتون حول صدام الحضارات، وبراغماتية كينان في استراتيجية الاحتواء. نجد أن منطقة المشرق تقع اليوم عند تقاطع مثلث الموت هذا، أمّا المحور الذي يسعى نتنياهو إلى تشكيله، فليس حدثاً منفصلاً، بل تعبير عن مرحلة انتقالية تُعاد فيها صياغة التحالفات عبر سرديات الهوية.
الخطر الثقافي لا يكمن في وجود تحالفات بحد ذاتها، بل في تحويل الطوائف إلى وحدات جيوسياسية شرسة.
أن الصراع الحقيقي اليوم يتمحور حول مَن يملك سلطة تعريف الهوية في زمن انهيار الدولة المركزية؟؟
وهذا جوهر ما يسعى مشروع نتنياهو إلى تجسيده!

الكاتب : نجا حماده: – الباحث في علم التاريخ

اقرأ المزيد
آخر الأخبار