تَشكل تحالف تجاري عابر للأطلسي والهادئ دون الولايات المتحدة قد يحدّ من المعاملة التفضيلية للصادرات الأميركية ويعقّد وصولها إلى بعض المعادن الاستراتيجية، مع آثار محتملة على هيمنة الدولار.
في أواسط شهر شباط/فبراير 2026، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إطلاق مبادرة لربط الاتحاد الأوروبي بـكندا من جهة، وربط دول اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ من جهة أخرى، وذلك عبر تحويل كندا إلى جسر تجاري يربط بين دول الاتحاد الأوروبي المطلة على المحيط الأطلسي والدول الأعضاء في اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية المطلة على المحيط الهادئ.
وقد سارعت لندن إلى الانضمام إلى المبادرة مع توقعات بأن تنضم دول أخرى في الاتحاد الأوروبي ومنطقة آسيا – المحيط الهادئ. والجدير بالذكر أن المبادرة الكندية هذه جاءت رداً على فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً من جانب واحد على شركائها التجاريين، ومن ضمنهم كندا، ما استدعى رداً من أوتاوا التي وجدت الفرصة مؤاتية لبناء شراكات مع دول أخرى تضررت من سياسات ترامب بفرض رسوم جمركية بشكل أحادي بمخالفة واضحة لمبدأ التجارة الحرة والاتفاقات التجارية الأخرى.
أبعاد وأهداف المبادرة
يستند الطرح إلى مبدأ توحيد قواعد المنشأ وتوسيع مبدأ “التراكم، بحيث تعامل المكونات المصنعة داخل الكتلتين كمدخلات محلية، ما يسهّل انسياب السلع وقطع الغيار بتعريفات منخفضة ضمن إطار تجاري قائم على قواعد المعاملة بالمثل. ومن المتوقع أن تربط هذه الاتفاقية التي ترقى إلى شراكة تجارية واقتصادية متكاملة، بين 27 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي من جهة وكل من كندا واليابان والمكسيك وأستراليا وفييتنام وسنغافورة وماليزيا ونيوزيلندا وبريطانيا، إضافة إلى عشرات الدول الأعضاء في مجموعة دول الكومنويلث التي تتزعمها بريطانيا.
وتراهن كندا على الاتفاقية التي سبق أن عقدتها مع بروكسيل بعنوان “اتفاق التجارة والتعاون الاقتصادي الشامل”، ما يمنحها موقعاً مميزاً كحلقة وصل بين الاتحاد الأوروبي من جهة ودول المحيط الهادئ من جهة أخرى. وفي حال تبلورت هذه الشراكة، فإن من شأنها أن تخلق اقتصاداً عملاقاً من 1.5 مليار نسمة تتكامل اقتصادياً وتجارياً، حيث سيستفيد أعضاؤها من نمط العلاقات التفضيلية المتبادلة.
وفي حال اعتمدت الدول الأعضاء على المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه المبادرة، وهو اعتماد قواعد منشأ مشتركة وتراكم المكونات، حيث ستحظى السلع المصنعة في الدول الأعضاء في الاتفاقية لمعاملة تجارية تفضيلية.
لا تقتصر المبادرة الكندية على حماية الاقتصاد الكندي واقتصادات الدول المهددة بالتعريفات الجمركية الأميركية، بل تسعى بطريقة غير مباشرة لمعاقبة الولايات المتحدة على السياسات الأحادية التي تعتمدها، والتي تترافق مع إهانة الرئيس الأميركي لقادة الدول الشريكة لواشنطن والتقليل من شأنها، والتي تجلت في عدة مناسبات، من ضمنها إعلانه عزمه على ضم غرينلاند الدنماركية إلى الولايات المتحدة، عدا عن الإهانة التي وجهها إلى كندا واصفاً رئيس وزرائها بأنه حاكم الولاية 51 في الولايات المتحدة، ملمحاً حتى إلى ضم كندا إلى الولايات المتحدة.
من شأن المبادرة التي أطلقها كارني، إن ترسخت، أن تخرج كتلة بشرية من 1.5 مليار نسمة من دائرة النفوذ التجاري الأميركي، إضافة إلى أن هذه السوق الضخمة الواعدة ستمنح ميزات تفضيلية للبضائع المصنعة في الدول الأعضاء على حساب البضائع الأميركية التي ستخضع لتعريفات عالية وشروط جودة صارمة بناء على مبدأ المعاملة بالمثل.
الضرر المتوقع على الاقتصاد الأميركي
من المتوقع في هذا الإطار أن تتعرض صناعة قطع الغيار الأميركية، وخصوصاً في مجال صناعة السيارات والطيران والإلكترونية، لضربة قوية، إذ إنها ستفقد ميزة الوصول التفضيلي إلى أسواق الاتحاد الأوروبي ودول المحيط الهادئ وسلاسل التوريد العابرة للقارات، ما يؤدي إلى ضغوط على الأسواق الأميركية ويشجع الشركات متعددة الجنسية التي تعتمد الولايات المتحدة كمقر رئيسي لها على إعادة التموضع والانتقال إلى كندا أو بريطانيا ونقل استثماراتها إلى داخل فضاء الكتلتين الأوروبية والآسيوية بغية الاستفادة من المعاملة التفضيلية في سوق يبلغ حجمه أربعة أضعاف السوق الأميركية.
إضافة إلى ذلك، فإن من شأن ترسيخ هذه المبادرة أن يؤثر سلباً في الصناعات الأميركية التكنولوجية المتقدمة عبر وضع عقبات أمام واشنطن في الوصول إلى المعادن الاستراتيجية التي تدخل في عملية إنتاج هذه الصناعات المتقدمة. ومن ضمن هذه المعادن الليثيوم والكوبالت والنيكل التي تتوافر في الدول التي ستكون عضواً في المبادرة الكندية، في وقت بات وصول الولايات المتحدة إلى المعادن النادرة في الصين موضع شك في ظل الحرب التجارية والتصعيد الجيوسياسي من قبل ترامب في مواجهة بكين. ومن شأن ذلك أن يؤثر سلباً وبشكل كبير في صناعة أشباه الموصلات والبطاريات ومكونات الطاقة المتجددة، عدا عن الصناعات العسكرية.
قد يصبح الوضع بالنسبة إلى الولايات المتحدة أكثر تعقيداً في حال تم تفعيل المبادرة وتم تنسيق سياسات سلاسل التوريد وأوليات الشراء العام بين دول الكتلتين الأوروبية والآسيوية.
فقد ترسخ ترتيبات لمعاملة تفضيلية في ما يتعلق بتبادل المعادن النادرة بين الدول الأعضاء في المبادرة، واعتماد معايير بيئية وتقنية تعطي الأفضلية لمنتجات الدول الأعضاء على حساب البضائع المستوردة من الولايات المتحدة. هذا قد لا يؤدي حكماً إلى حرمان الولايات المتحدة مباشرة من هذه المعادن، إلا أنه قد يرفع كلفة الحصول على هذه المعادن الثمينة، بما يرفع من أكلاف الإنتاج في الولايات المتحدة، ما سيفقد المنتجات الأميركية المصنعة قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية، عدا عن أنه قد يرفع كلفة حصولها على المدخلات، ويزيد تقلبات الإمداد، ويدفعها إلى توسيع الاستثمار في التعدين المحلي أو عقد اتفاقات ثنائية مضادة.
الانعكاس على هيمنة الدولار
في حال ترسيخ هذا التحالف برعاية كندية، فإن هذا قد يدفع الدول الأعضاء إلى تسوية التجارة البينية بالعملات المحلية أو باليورو، بما يخفف من اعتمادها على الدولار، بما يؤثر سلباً في هيمنة الدولار بصفته عملة التبادل التجارية الدولية الأولى في العالم، عدا عن تأثيره سلباً في كون الدولار هو العملة التي تشكل معظم احتياطات الدول في العالم.
وفي وقت تسعى الدول الأعضاء في منظومة بريكس التي تعد نحو أربعين في المئة من الاقتصاد العالمي لتقليل من اعتمادها على الدولار، فإن خطوة موازية في هذا الاتجاه من قبل كندا وبريطانيا والاتحاد الأوربي والدول الآسيوية ستساهم في تسريع عملية ضرب الدولار كالعملة المهيمنة عالمياً.
وفي حال الانحسار، ولو نسبياً، في اعتماد الدولار في التسويات التجارية بين أوروبا ومنطقة آسيا – المحيط الهادئ، فإن هذا قد يقلص الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار، ما سينعكس سلباً على قيمته وعلى تكاليف الاقتراض بالدولار في حال تفاقمت أزمة العجز المالي الذي تعانيه واشنطن في ظل ارتفاع حجم الدين إلى 37 تريليون دولار.
وفقاً لهذا السيناريو، فإن هذا سيؤثر سلباً في نسب النمو للاقتصاد الأميركي وفرص خلق وظائف جديدة للأميركيين، فمن شأن تراجع الصادرات الأميركية إلى سوق موحدة واسعة أن يخفض مساهمة صافي الصادرات الأميركية في الناتج المحلي، وخصوصاً في القطاعات الصناعية عالية القيمة.
في المقابل، قد يدفع ذلك إلى إعادة توطين بعض الصناعات الأميركية أو السعي للوصول إلى أسواق بديلة، إلا أن هذا الأمر قد يتطلب العمل على المدى الطويل من دون أن تكون النتائج المأمولة مضمونة. كذلك، فإن الولايات المتحدة قد تجد نفسها أمام زيادة نسب التضخم بشكل كبير، فإذا ارتفعت كلفة المدخلات في الإنتاج، مثل المعادن النادرة وغيرها من مكونات الإنتاج المستوردة، فإن هذا سيؤدي إلى رفع أسعار السلع على المستهلك الأميركي.
إضافة إلى ذلك، فإن من شأن ذلك أن يزيد من نسب البطالة، وخصوصاً في قطاعات صناعة السيارات والآلآت والطائرات والالكترونيات والصناعات العسكرية في حال فقدت الولايات المتحدة ميزتها التفضيلية بالتوريد إلى دول الاتحاد الأوروبي ودول آسيا – باسيفيك.
النتائج
لا شك في أننا ما زلنا في البداية، ولا يزال هنالك الكثير أمام هذه المبادرة لترسيخ نفسها. لذا، من غير المتوقع أن يكون هناك تأثير في اقتصادات الدول الأعضاء في المبادرة أو الولايات المتحدة على المدى القصير، فيما يجب توقع النتائج على المديين المتوسط والبعيد على شرط المضي قدماً في ترسيخ ومأسسة المبادرة الكندية وإقبال الدول المرشحة على تفعيل عضويتها. كذلك، فإن هذا يعتمد على قدرة الاقتصاد الأميركي على امتصاص الصدمة، وخصوصاً أنه يستفيد من حجمه الكبير ومن قوة أسواقه الداخلية وقدرته على الابتكار المالي والتكنولوجي.
بناء على ذلك، فإن تشكل تحالف تجاري عابر للأطلسي والهادئ دون الولايات المتحدة قد يحدّ من المعاملة التفضيلية للصادرات الأميركية ويعقّد وصولها إلى بعض المعادن الاستراتيجية، مع آثار محتملة على هيمنة الدولار ومؤشرات النمو والتضخم والبطالة، غير أن حجم الاقتصاد الأميركي ومرونته سيجعلان التأثير مرهوناً بمدى عمق التكامل داخل النادي الجديد وبخيارات السياسة الاقتصادية البديلة التي قد تُعتمد من قبل واشنطن.
المصدر: الميادين