كثيرون يستغربون صمت الصين أمام الضجيج الأميركي ونهج ترامب التصعيدي. فمنذ توليه الولاية الثانية، قرر الرئيس الأميركي تبني استراتيجية هجومية، اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية، ضد الصين. وفي الوثيقة التي نشرتها إدارة ترامب (استراتيجية الأمن القومي 2025)، اعتبرت الصين “خصماً استراتيجياً جوهرياً”، مما شكل تحولاً جذرياً.
في المقابل، كان رد الفعل الرسمي للسلطات الصينية على هذه الاستراتيجية العدائية مُتحفظاً للغاية.
فكيف يفسر هذا الصمت، رغم يقين بكين أن هذه الاستراتيجية تشكل تهديداً كامناً، بل وتمهيداً عقائدياً للتصعيد، وربما للحرب؟
يصعب على من نشأ على الفكر الغربي الموروث من الإغريق والرومان إدراك الفلسفة الصينية، وتحديداً ما أسماه المفكر الفرنسي فرنسوا جوليان بـ “التحولات الصامتة”.
منذ أكثر من ألفي عام، تتناقل الأجيال الصينية حكمة للفيلسوف منسيوس، يروي فيها ان مزارعاً كان يذهب إلى الحقل كل صباح ليتأكد من نمو محصوله. لكنه، يوماً بعد آخر، كان يُصاب بخيبة أملٍ لبطء النمو. في اليوم الخامس، قال لنفسه: “لا بد أن أجد طريقة لتسريع النمو!”. هرع إلى حقله وبدأ يسحب برفق كل برعم صغير إلى الأعلى. عمل طوال اليوم، ولم يتوقف إلا عندما استنفد كل قواه.
لدى عودته إلى المنزل، قال لعائلته: “لقد أرهقت نفسي اليوم، لأنني ساعدت كل نبتة على النمو ولو قليلاً”. عند سماع هذه الكلمات، توجه ابنه مذهولاً إلى الحقل ليرى ما هو متوقع، إذ كانت جميع البراعم قد ذبلت.
والحكمة، كما يخبرنا منسيوس، هي أنه علينا ان نعمل يوماً بعد يوم، نحرث، ونزيل الأعشاب الضارة، ونقلب الأرض ونروي لتشجيع التحول الصامت الذي يؤدي تدريجياً إلى أن ينضج القمح.
هذه هي القاعدة الأساسية للاستراتيجية الصينية. ما دامت الثمرة غير ناضجة، أشجعها على النضوج ولا أجبرها؛ ولكن عندما تنضج، عندما يحين وقت سقوطها، ما عليّ إلا قطفها، والنصر حينها مضمون.
التحولات العميقة بالنسبة للصينيين ليست فعلاً وردة فعل لحظية، عابرة، محلية. انها صامتة، تدريجية، مستمرة، شاملة خفية، غير مباشرة، غير مرئية. والتحول هو في تفعيل الظروف وتهيئتها، وفي الاعتماد على العوامل المُمكّنة لكي يتحقق – بجهد قليل – أثر كبير في الوقت المناسب.
بالنسبة للصينيين، التحوّل وحده هو الفعّال ويكون ذلك بصمت.
وبصمت نظمت الصين المرحلة الانتقالية بعد وفاة ماو تسى تونغ عام 1978 الى تقنيات الرأسمالية والانفتاح على الاستثمار الأجنبي. و بصمت قررت الصين أن تتعلم من الغرب. وبصمت أصبحت مصنع العالم. ثم انتهجت بكين سياسة اقتصادية وتجارية توسعية دولية ابتداءً من عام 2013 وأطلقت مبادرة طرق الحرير “الحزام والطريق” لربط الصين بأوروبا وأفريقيا وآسيا عبر ممرات برية (الحزام) وبحرية معلنة بذلك انتقالها لأن تصبح قوة عظمى وبصمت وأصبحت من أبرز المقرضين والمستثمرين.
تاريخ الغرب هو تاريخ صدمات وانقطاعات وثورات وحروب تحدث تغيرات جذرية بالنار والحديد، بينما في الصين، لا صدمات بل تحولات تدريجية تأتي كظهور طبيعي، دون قوة، بل نتاج نضج دقيق، بطيء وصامت لا يُلحظ.
في الطب، يُفسر هذا التناقض في المقارنة بين العمليات الجراحية والنظرة الصينية للمرض باعتباره خللاً عاماً، والشفاء باعتباره إعادة توازن للقوى التي تُسيطر على الجسم. أما في الاستراتيجية، فيتمثل هذا التناقض في المواجهة المباشرة والعنيفة التي وصفها كلاوزفيتز وفي فن الحرب عند سون تزو :«الجيوش المنتصرة هي التي انتصرت قبل خوض المعركة»
كان المحاربون المغول يرتدون تحت دروعهم الحديدية ملابسا مصنوعة من الحرير الصيني. ولأن الحرير مادة قوية، فإن السهام التي تخترق الدروع المعدنية لا تستطيع اختراقه.
يبقى أننا نشهد اليوم سقوطا مدويا لنظام عالمي وموتا صاخبا للعولمة، وظهور تكتلات قارية جديدة يتواجه فيها نهج حريري وآخر حديدي. من هو الاصلب؟
الكاتب: ريجينا صفير
المصدر: عكس السير