ما خسرته ألمانيا في علاقتها التجارية مع واشنطن، تمكنت من تعويضه عبر تعميق علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع دول الاتحاد الأوروبي.
شكّل التراجع الحاد في الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة خلال عام 2025، كما أظهرته بيانات المكتب الإحصائي الألماني، لحظة كاشفة، لا فقط عن هشاشة العلاقة التجارية عبر الأطلسي في ظل عودة السياسات الحمائية الأميركية، بل أيضاً عن تحوّل أعمق في بنية الاقتصاد الأوروبي وموقع ألمانيا داخله.
فعلى الرغم من انخفاض الصادرات الألمانية إلى السوق الأميركية بنسبة تقارب 9.4 في المئة، نجحت ألمانيا في تسجيل نمو إجمالي في صادراتها، مدفوعة أساساً بازدياد الطلب الأوروبي الداخلي، الأمر الذي يعكس تحوّلاً بنيوياً في اتجاهات التجارة الألمانية والأوروبية على حد سواء.
هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع، الذي يتسم بتصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وعودة منطق الكتل الاقتصادية، وتآكل نموذج العولمة الليبرالية الذي ساد منذ التسعينيات.
في هذا الإطار، تبدو ألمانيا، بوصفها القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا، في قلب معادلة معقدة حيث تحاول الموازنة بين شراكتها التاريخية مع الولايات المتحدة، واعتمادها المتزايد على الصين من جهة أخرى، في الوقت الذي تحاول فيه تعزيز دورها القيادي داخل الاتحاد الأوروبي.
نهاية عصر العلاقات الاقتصادية بين ضفتي الأطلسي؟!
تسببت الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الواردات الأوروبية، والتي بلغت ما معدله 15 في المئة، في إحداث صدمة مباشرة للصادرات الألمانية، خصوصاً في القطاعات التقليدية التي تشكل عماد القوة الصناعية الألمانية مثل قطاع صناعة السيارات، وقطع الغيار، والآلات الصناعية. ويكتسب هذا التراجع دلالة خاصة، لأن ألمانيا كانت، لسنوات طويلة، المحرك الأساسي للفائض التجاري الأوروبي مع الولايات المتحدة.
لكن الأثر الأكبر لهذه الرسوم لا يكمن فقط في أثره الكمّي، بل أيضاً في بعده السياسي. فالسياسة التجارية الأميركية الجديدة في عهد ترامب مثلت قطيعة مع مبدأ الشراكة الاقتصادية الغربية، ورسالة واضحة بأن الولايات المتحدة باتت تنظر إلى أوروبا، وألمانيا تحديداً، بوصفها منافساً اقتصادياً لا حليفاً اقتصادياً وجيوسياسياً مميزاً. وهذا ما أضعف الثقة الأوروبية في استدامة الاعتماد على السوق الأميركية كوجهة تصدير رئيسية.
بنتيجة العقبات الأميركية في وجه الصادرات الألمانية، باتت برلين تنظر الى الأسواق الأوروبية على أنها طوق نجاة حقيقي للاقتصاد الألماني.
فقد ارتفعت الصادرات الألمانية إلى دول الاتحاد الأوروبي بنحو 4 في المئة، وازداد الطلب في الأسواق الأوروبية على المنتجات الصناعية الألمانية، ولا سيما المعدات الهندسية والآلات المتطورة.
هذا التحول يعكس عاملين مرتبطين، أولهما، أن السياسات الحمائية الأميركية دفعت الدول الأوروبية إلى تعزيز الاعتماد المتبادل في ما بينها في إطار الاتحاد الأوروبي، بما يعزز سياسات الاكتفاء الاقتصادي النسبي داخل إطار الكتلة الأوروبية.
أما العامل الثاني فهو أن ألمانيا، وبحكم بنيتها الصناعية المتقدمة، كانت المستفيد الأكبر من هذا التحول، إذ تحولت أوروبا إلى سوق بديلة شبه طبيعية للصادرات الألمانية التي فقدت جزءاً من قدرتها التنافسية في الولايات المتحدة. بالتالي، فإن ما خسرته ألمانيا في علاقتها التجارية مع واشنطن، تمكنت من تعويضه عبر تعميق علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع دول الاتحاد الأوروبي.
بنتيجة ذلك، تعزز الدور المحوري الألماني داخل الاتحاد الأوروبي، إذ إن الزيادة في حصص استيراد السلع والمنتجات الألمانية من قبل دول الاتحاد الأوروبي لم تشكّل تحولاً اقتصادياً ظرفياً، بل هي أسهمت في تعزيز الريادة الألمانية داخل الاتحاد الأوروبي على أكثر من صعيد.
فاقتصاديًا، تعززت مكانة ألمانيا كمركز صناعي لا غنى عنه في سلاسل التوريد الأوروبية. وسياسياً، منح هذا الدور برلين نفوذاً إضافياً في صياغة السياسات الاقتصادية والتجارية للاتحاد الأوروبي.
وفي ظل تراجع القدرة التنافسية لبعض الاقتصادات الأوروبية الأخرى، وخصوصاً في جنوب القارة الأوروبية، استعادت ألمانيا دورها التقليدي بصفتها القاطرة الاقتصادية والاستراتيجية لأوروبا. والجدير ذكره، أن هذا الدور ليس مقتصراً على الداخل الأوروبي، بل إن المانيا باتت القاطرة التي تقود أوروبا بأكملها نحو التموضع في السوق التجارية العالمية.
التموضع بين الصين من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى
في موازاة تراجع العلاقات الأوروبية الأميركية، استعادت الصين موقعها كأكبر شريك تجاري لألمانيا. غير أن هذا التطور لا يعني أن برلين ستعتمد بكين كبديل عن واشنطن. فالعلاقة الاقتصادية الألمانية–الصينية شائكة ومعقدة.
فعلى الرغم من أن الصين تمثل سوقاً ضخمة للصناعات الألمانية، إلا أن المنتجات الصناعية الصينية بحد ذاتها تشكل منافساً للصناعات الألمانية بشكل، خاص والأوروبية بشكل عام. إضافة إلى ذلك، فإن التوترات الجيوسياسية والمخاوف الأوروبية من الاعتماد المفرط على الصين، تجعل النخب السياسية والاقتصادية الألمانية والأوروبية تتوجس من الاندفاع لبناء علاقات وثيقة مع الصين.
بنتيجة ذلك، فإن ألمانيا قد تسعى للاستفادة من علاقاتها الاقتصادية مع الصين خصوصاً، لابتزاز الولايات المتحدة، التي تعتبر أن بكين تمثل الخطر الأكبر على الهيمنة الأميركية العالمية، إلا أن رهانها الأساسي سيكون في التركيز على الأسواق الأوروبية ودمجها في الاقتصاد الألماني.
فأوروبا تشكّل مجالاً استراتيجياً آمناً بالنسبة لألمانيا، إذ إن السوق الأوروبية لا تطرح تحديات استراتيجية على ألمانيا وهي تشترك معها بأطر سياسية وقانونية في إطار مؤسسات الاتحاد الأوروبي بما يسمح لبرلين بممارسة نفوذ أكبر على دول الاتحاد الأوروبي، في مقابل علاقاها مع الولايات المتحدة من جهة، والصين من جهة أخرى.
هذا يطرح إشكالية موقع أوروبا في النظام الاقتصادي العالمي، وإذا ما كان تعزيز السوق الداخلية والريادة الألمانية في أوروبا يشيران إلى توجه برلين لتحقيق استقلالية استراتيجية للاتحاد الأوروبي عن الولايات المتحدة، أو أنهما تشكلان مجرد إعادة تموضع داخل نظام دولي ما زالت تهيمن عليه الولايات المتحدة، فيما هو في طور الانتقال إلى نظام متعدد الأقطاب سيشهد دوراً رئيسياً للصين وروسيا.
ويبدو أن أوروبا بقيادة ألمانية، تحاول السير في مسار دقيق. فهي لا ترغب في القطيعة مع الولايات المتحدة من جهة، لكنها في الوقت نفسه لم تعد مستعدة لدفع ثمن السياسات التجارية الأحادية التي تعتمدها واشنطن.
من جهة أخرى فإن ألمانيا تسعى إلى تقليص اعتمادها على الصين لكن من دون التخلي عنها كسوق لمنتجاتها الصناعية. وفي هذا السياق، تصبح السوق الأوروبية الداخلية أداة توازن أساسية، تتيح لأوروبا، ولألمانيا تحديداً، هامش مناورة أوسع بين واشنطن من جهة وبكين من جهة أخرى.
الجدير ذكره أنه لا يمكن فصل هذا المسار عن السياسات الاقتصادية الداخلية التي تعتمدها الحكومات الألمانية خصوصاً لجهة توجه هذه الحكومات إلى زيادة الإنفاق العام على البنى التحتية والصناعات الدفاعية.
فهذا الإنفاق لا يهدف فقط إلى إنعاش الاقتصاد، بل إلى إعادة توجيه النمو الصناعي الألماني في سياق جيوسياسي متوتر، حيث باتت الصناعات العسكرية والتكنولوجية عنصرًا مركزيًا في الصراع بين القوى الكبرى. بنتيجة ذلك، فإن تعزيز الطلب الأوروبي على المنتجات الألمانية يتقاطع مع هذا التوجه، إذ تتحول ألمانيا إلى مركز، ليس فقط للإنتاج المدني، بل أيضًا للصناعات ذات الطابع الاستراتيجي، ما يعزز مكانتها داخل أوروبا وخارجها.
تكشف تجربة عام 2025 أن تراجع الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة لم يكن مجرد أزمة عابرة، بل لحظة مفصلية في مسار الاقتصاد الألماني والأوروبي. فقد أدت الرسوم الجمركية الأميركية إلى تسريع تحول كان كامناً أصلا ويتمثل بالانتقال من نموذج يعتمد على الأسواق العالمية المفتوحة، إلى نموذج يقوم على تعزيز السوق الأوروبية الداخلية.
في هذا السياق، برزت ألمانيا كالمستفيد الأكبر، إذ عززت ريادتها الاقتصادية داخل أوروبا، ووسعت هامش مناورتها بين الولايات المتحدة والصين. غير أن هذا المسار لا يخلو من التحديات، سواء لجهة التوازنات الأوروبية الداخلية، أم لجهة مخاطر إعادة إنتاج تبعيات جديدة داخل إطار أوروبي مغلق نسبياً.
المصدر: الميادين