إنّ أي تصعيد أميركي ضد كندا على خلفية انخراطها في صفقة استراتيجية مع الصين لا يمكن فهمه كخلاف ثنائي محدود، بل بوصفه تجسيدا للأنماط الهيكلية للعلاقات الرأسمالية الإمبريالية. فاقتصاد كندا ليس اقتصاداً مستقلاً قائماً بذاته، بل هو جزء متشابك من شبكة الإنتاج والاستثمارات والتدفقات التجارية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة بوصفها القوة المركزية في النظام الرأسمالي العالمي. وهذا ما يخلق تبعيات اقتصادية وعسكرية عميقة تجعل أي محاولة كندية للابتعاد عن الهيمنة الأميركية محفوفة بالمخاطر البنيوية.
من الناحية التجارية، يشكّل التبادل بين كندا والولايات المتحدة أحد أكبر العلاقات التجارية في العالم. في 2023 بلغ إجمالي التجارة بينهما نحو 922.5 مليار دولار أميركي من سلع وخدمات، وكانت كندا ثالث أكبر شريك تجاري لأميركا في الصادرات والاستيراد، ووجهت نحو 77٪ من صادراتها إلى السوق الأميركية، بينما استوردت كندا نحو نصف سلعها من الولايات المتحدة — بمستوى من الاعتماد يصعب تجاوزه بسهولة.
وفي عام 2024 بلغت تجارة السلع بين البلدين نحو 762.1 مليار دولار، مع فائض كندي في تجارة السلع بنحو 102.3 مليار دولار كندي، لكن هذا الفائض هشّ ومتقلب أمام التوترات السياسية والجمركية.
السلع المتداولة بين البلدين تشمل:
* الطاقة والوقود: كندا تزود أميركا بحصة كبيرة من النفط والغاز، وهي صادرات تشكل جزءاً أساسياً من فائضها التجاري.
* السيارات والآلات والمعدات الصناعية: جزء كبير من سلاسل القيمة الصناعية في أميركا يعتمد على مكوّنات كندية.
* المنتجات المعدنية والمواد الخام: المعادن والموارد الطبيعية الكندية تدخل في صناعة المنتجات الأميركية.
كل هذه الروابط الاقتصادية المتشابكة تجعل من أي تهديد أميركي برسوم جمركية باهظة — مثل تهديد ترامب بفرض رسوم تصل إلى 100٪ على واردات كندا إذا وقّعت صفقة مع الصين — ليس مجرد أداة ضغط سياسية، بل خطرا واقعيا على القواعد الإنتاجية لكندا، وعلى التوازن الاقتصادي داخل أميركا نفسها.
يعتقد البعض أن توقيع اتفاقيات تجارية مع الصين يمكن أن يحرر كندا اقتصاديا ويقلّل اعتمادها على السوق الأميركية. لكن هذه الفكرة تنطوي على مفارقة جوهرية: فالهيمنة الرأسمالية ليست مجرد اتفاقات تجارة، بل هي شبكات إنتاج وتموضع داخل النظام العالمي يجعل من التحول الجذري دون إعادة هيكلة اقتصادية وبنية إنتاجية محلية أمراً صعباً، بل شبه مستحيل في المدى القصير.
في السياق العسكري، العلاقات بين كندا والولايات المتحدة تمتد إلى ما هو أبعد من التجارة. فالتعاون الأمني جزء من الهيكل الشامل للعلاقة التي تشكل أحد مراكز الامبريالية في الهيمنة العالمية وذلك:
* عبر المشاركة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومنظومات الدفاع المشتركة التي تعتمد غالبا على القيادة الأميركية.
* عبر اتفاقيات مثل اتفاقية المشاركة في الإنتاج الدفاعي (DPSA) التي تربط صناعات الدفاع الكندية بالأميركية منذ منتصف القرن العشرين، وتضع القواعد لاندماج الإنتاج الدفاعي بين البلدين.
هذا الهيكل العسكري لا يمكن فصله عن الهيمنة الاقتصادية، إذ يعكس تفوق القوة الأميركية في المجالات العسكرية والتكنولوجية، ويضع كندا في موقع دور تابع يخدم استراتيجية الغرب عبر المؤسسات المشتركة (مثل الناتو، التعاون الدفاعي الثنائي، وعمليات الدفاع الجوي في أمريكا الشمالية).
بالواقع، فان ما يسمى بـ«تنويع العلاقات» و«استقلال القرار الكندي» عبر صفقات مع الصين أو غيرها من الشركاء الدولية لا يمكن أن يتحقق بمجرد توقيع اتفاقات. ذلك لأن الهيكل الرأسمالي العالمي نفسه يحدّد مواقع القوى داخل شبكاته الإنتاجية والتمويلية والأمنية. وبالتالي، أي تحوّل حقيقي نحو استقلال اقتصادي أو عسكري يستلزم إعادة إنتاج بنى إنتاجية محلية قوية، تنمية صناعات البديل، وبناء قواعد تمويلية مستقلة — أمر يتطلب زمناً طويلاً وتضحيات اجتماعية وسياسية عميقة، ويفترض توفر قرارا سياسي يستند الى قوى اجتماعية وطبقية تجد مصلحتها في كسر هذه التبعية.
في الخلاصة:
إنّ فرضية أن توقيع اتفاقيات مع الصين وحده يكسر تبعية كندا للولايات المتحدة هي فرضية هشة، لأنها تتجاهل الهيكل البنيوي للعلاقات الرأسمالية الإمبريالية التي تربط كلا البلدين عبر التجارة، الاستثمار، والتعاون العسكري، وتعيد إنتاج التبعية بدل كسرها.
الكاتب: د. طنوس شلهوب