لماذا يعتبر النيوليبرال والرأسماليون النموذج السياسي البوليفاري في فنزويلا دكتاتوريًا؟
لم يكن المشروع البوليفاري في فنزويلا مجرّد تبدّل حكومي، بل شكّل قطيعة فعلية مع نموذج أوليغارشي–نيوليبرالي راكم الثروة في أيدي أقلية وربط البلاد عضويًا بمصالح الإمبريالية الأميركية. فمنذ وصول هوغو تشافيز إلى السلطة، أُعيد تعريف دور الدولة بوصفها أداة لإعادة توزيع الثروة النفطية لصالح الكادحين والفقراء، لا كوسيط لخدمة الرساميل المحلية والشركات العابرة للقوميات. وقد تُرجمت هذه القطيعة بسياسات ملموسة طالت مجالات التعليم، الصحة، السكن، الغذاء، والعمل، وأعادت إدماج الملايين من المهمشين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
في مجال التعليم، جرى القضاء على الأمية عبر “مهمة روبنسون” (برنامج لمحو الأمية والتعليم الأساسي للبالغين والفقراء، كخطوة أولى قبل التعليم الفني أو الجامعي.) وتوسيع التعليم الثانوي والجامعي من خلال “ريباس” (التعليم الفني والمهني) و“سوكري”، (التعليم العام للبالغين) بما أتاح لأبناء الطبقات الشعبية حقًا حُرموا منه تاريخيًا، وجرى كسر الطابع النخبوي للمؤسسات التعليمية. أما في الصحة، فقد حُوّلت الرعاية الصحية إلى حق اجتماعي عبر برنامج “باريو أدينترو”، الذي أدخل العيادات المجانية إلى قلب الأحياء الفقيرة، ووفّر الطب الوقائي والعلاج الأساسي خارج منطق السوق والربح، واتاح لعشرات الاف الفقراء من الحصول على الرعاية الصحية لاول مرة) .
وفي السكن، مثّلت “مهمة السكن الكبرى” نقلًا نوعيًا في التعامل مع واحدة من أكثر الحاجات الاجتماعية إلحاحًا، حيث جرى بناء ملايين الوحدات السكنية وتسليمها للفقراء والأسر الكادحة، ما حوّل السكن من سلعة مضاربية إلى حق إنساني. وعلى صعيد الأمن الغذائي، أُنشئت شبكات توزيع مدعومة مثل MERCAL وPDVAL وCLAP، لتأمين المواد الأساسية بأسعار في متناول الجماهير، والتعامل مع الجوع كمسألة طبقية–سياسية لا كقدر فردي.
أما في ميدان العمل، فقد رُفعت الأجور، وجرى توسيع حقوق العمال، وتشجيع أشكال الملكية الجماعية والتعاونيات، في محاولة لكسر هيمنة رأس المال الخاص وتعزيز دور العمل المنظّم. وإلى جانب ذلك، أُدخل الفقراء والمهمشون إلى قلب العملية السياسية عبر المجالس الشعبية وأشكال المشاركة المباشرة، بما أنهى احتكار الطبقات المهيمنة للسلطة والقرار.
إن هذه السياسات، رغم ما أصابها من تآكل بفعل الحصار الأميركي، والحرب الاقتصادية، والأخطاء الداخلية والبيروقراطية، تبقى تعبيرًا عن خيار طبقي واضح: نقل جزء من الفائض الاجتماعي من أيدي الأقلية المسيطرة إلى الكادحين. وهذا بالضبط ما يفسّر العداء الإمبريالي المستمر للتجربة البوليفارية، لا بوصفها “فشلًا اقتصاديًا” كما يُروّج، بل لأنها طرحت، ولو جزئيا ، بديلًا اجتماعيا يهدد منطق الهيمنة والنهب الرأسمالي
الكاتب: د. طنوس شلهوب