قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

التوحّش الإمبريالي وتداعيات العدوان على فنزويلا!

لم يكن العدوان الأميركي على فنزويلا حدثًا معزولًا أو انفعالًا طارئًا في مسار السياسة الدولية، بل جاء تتويجًا لمنطق إمبريالي متكامل يعيد إنتاج نفسه كلما دخل النظام الرأسمالي العالمي طورًا جديدًا من الأزمات. فما شهدته كاراكاس ليس سوى تعبير فاقع عن عودة الإمبريالية إلى أدواتها العارية: القوة العسكرية المباشرة، وفرض الوقائع بالقوة.

منذ سنوات، تخضع فنزويلا لحصار اقتصادي خانق، وعقوبات منهجية، وحروب نفسية وإعلامية بذريعة “الديمقراطية” و“حقوق الإنسان”. وحين فشلت هذه الأدوات في إخضاع الدولة وتفكيك بنيتها، لجأت الإمبريالية الأميركية إلى ما وصفه لينين: التوحّش بوصفه لحظة طبيعية في تطور الإمبريالية، لا انحرافًا عنها. فالانتقال من الهيمنة الناعمة إلى العنف الصريح يعكس مأزقًا بنيويًا لنظام لم يعد قادرًا على ضبط أطرافه إلا عبر العسكرة. وحين تعجز الإمبريالية عن فرض شروطها بالسوق والمؤسسات الدولية والحصار الاقتصادي والتخريب الداخلي، تستدعي الطائرات والصواريخ والانقلابات.

إن العدوان على فنزويلا يندرج ضمن توصيف لينين في «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية»، حيث يؤدي احتكار رأس المال واندماج المصارف بالصناعة والتنافس على الموارد إلى حروب متكررة وإعادة اقتسام العالم بالقوة. وفنزويلا، بما تمتلكه من أكبر احتياطي نفطي في العالم، تحولت إلى هدف مباشر لأنها تحاول الحفاظ على حد أدنى من المصلحة الوطنية في مواجهة نظام عالمي لا يعترف إلا بمنطق الاخضاع والتبعية.

يحمل هذا العدوان رسالة مزدوجة: إلى الداخل الفنزويلي، عبر محاولة كسر إرادة الدولة ودفعها نحو الفوضى أو الانقسام، وإلى أميركا اللاتينية والعالم، ومفادها أن الخروج عن الطاعة غير مسموح، وأن السيادة خارج المظلة الأميركية خطيئة تُعاقَب بالقوة. وبهذا المعنى، تعود القارة اللاتينية إلى موقعها التاريخي في العقل الإمبريالي بوصفها “الساحة الخلفية” التي تُدار بالضغط والانقلابات والتدخلات العسكرية المباشرة، مهما تغيّرت الخطابات وتبدلت الشعارات.

اللافت في ما جرى لا يقتصر على مستوى العدوان العسكري، بل يتجلى بوضوح في وقاحة الخطاب السياسي الأميركي نفسه. فالإمبريالية، التي اعتادت تاريخيًا تغليف تدخلاتها بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحماية المدنيين، أسقطت القناع هذه المرة، وأعلنت على لسان رئيسها أن الهدف المباشر هو عودة الشركات النفطية الأميركية إلى فنزويلا بهدف الربح، وأن الولايات المتحدة ستتولى “إدارة البلاد”، بما يعني نهب الثروات، مع التهديد الصريح بتوجيه ضربات عسكرية اقوى إذا اقتضت الحاجة.

هذا الخطاب يكشف انتقال الإمبريالية من مرحلة التبرير الأخلاقي إلى مرحلة الإدارة العلنية للنهب. لم تعد المسألة “نشر الديمقراطية” أو “حماية الشعب من الدكتاتور”، بل إدارة بلد بكامله بوصفه أصلًا اقتصاديًا، وحقل استثمار، ومصدر ربح مباشر للشركات الاميركية. هنا تتجلى الإمبريالية في صورتها العارية (كما وصفها لينين): سلطة رأس المال حين يتماهى بالكامل مع الدولة، وتتحول الجيوش إلى أدوات تنفيذ لمصالح الشركات.

سياسيًا، يفتح العدوان بابًا على فراغ دستوري خطير ومحاولات فرض سلطات انتقالية مرتبطة بالخارج، على غرار تجارب سابقة أثبتت أن التدخل الأميركي لا يصنع ديمقراطية، بل أنظمة هشّة تابعة ومجتمعات منقسمة. أما اقتصاديًا، سيُفتح الباب في حال النجاح امام الشركات الأميركية الكبرى للعودة الى النهب في ظل عمليات “إعادة الهيكلة” القسرية وخصخصة الموارد. وإنسانيًا، سيدفع الشعب الفنزويلي الثمن الأعلى وهو الثمن ذاته الذي دُفع في العراق وليبيا وسوريا، حين تحولت شعارات “التحرير” إلى خراب شامل وموت وتفكك اجتماعي طويل الأمد.

في حال نجحت السلطة البوليفارية في استيعاب الضربة ومنع الانهيار الداخلي، والحفاظ على تماسك الجيش ومؤسسات الدولة، وتحويل اللحظة إلى تعبئة وطنية شاملة كما دعت نائبة الرئيس، فإننا نكون أمام مسار مختلف، لا يلغي المخاطر لكنه يعيد رسم موازين الصراع. في هذه الحالة، قد تتبلور سلطة صمود تستمد شرعيتها من الدفاع عن الوطن ووحدة الدولة، في مواجهة الإملاءات الاستعمارية المباشرة، وتتحول المواجهة مع العدوان إلى عامل توحيد داخلي بدل أن تكون مدخلًا للتفكك.

واستيعاب العدوان يعني عمليًا إسقاط الرهان الأميركي التقليدي القائم على الصدمة والشلل: انهيار القيادة، انقلاب المؤسسة العسكرية، وانفجار الشارع ضد الدولة. فإذا فشلت هذه الفرضيات، تجد واشنطن نفسها أمام خيارات مكلفة، إما تصعيد عسكري أوسع غير مضمون النتائج، أو تراجع تكتيكي يعيد الصراع إلى أدوات الحصار والعقوبات والاستنزاف الطويل.

وفي حال الصمود، لا تبقى فنزويلا شأنًا داخليًا، بل قد تتحول إلى رمز مقاومة جديد في أميركا اللاتينية، يعيد الاعتبار للخطاب الوطني في مواجهة عودة مبدأ مونرو بصيغته العسكرية. وقد يدفع ذلك دولًا وحركات شعبية في القارة للاستنفار والتصدي للهيمنة الأميركية، ولو ضمن هوامش ضيقة. كذلك يفتح الصمود بابًا لإعادة تموضع دولي أعمق، مع روسيا والصين وقوى الجنوب، في إطار دعم محسوب وغير مباشر، هدفه كسر العزلة وإدارة الصراع لا تحويله إلى مواجهة شاملة. وفي هذه الحالة، فان التحدي الحقيقي يتمثل بالقدرة على تحويل التعبئة من خطة طوارئ إلى مشروع وطني طويل النفس.

ما يجري في فنزويلا يعيدنا الى لينين: الإمبريالية، حين تعجز عن التوسع السلمي، تنفجر توحشًا، وحين تفشل في كسر الدولة من الداخل، تتراجع تكتيكيًا دون أن تتخلى عن جوهرها. ليست المسألة مرتبطة بإدارة أميركية بعينها أو ظرف عابر، بل ببنية امبريالية قائمة على النهب والاحتكار وتصدير الأزمات. وفنزويلا ليست مجرد دولة معتدى عليها، بل مرآة لمصير أي شعب يرفض الخضوع.

من هنا، فإن الصمود الفنزويلي، إن كُتب له الاستمرار والنجاح، سيقدم النموذج الأميركي الجنوبي في منع واشنطن من تحقيق أهدافها، وسيدفعها لمراجعة حساباتها في تنفيذ المغامرات ضد كوبا، وكولومبيا وإيران والبلدان الموضوعة على لائحة الإخضاع. وما يواجه الإمبريالية اليوم مجتمعات تحاول، بحدود إمكاناتها، كسر منطق التبعية المفروضة عليها.

إن فنزويلا، كما إيران وغزة ولبنان وسواها من ساحات الاشتباك، هي التعبير المكثف عن تناقض عالمي واحد: عالم تُدار فيه العلاقات الدولية بآليات الهيمنة الامبريالية، وتُقمع فيه بالقوة أي محاولة للتحرر من هذه الهيمنة (باستثناء البلدان النووية، كوريا الشمالية، والهند مثال على رفضهما الانصياع لمطالب واشنطن).

الكاتب: د. طنوس شلهوب

اقرأ المزيد
آخر الأخبار