تبدأ الدول بعد النزاعات بإعادة ترميم اقتصادها بوصفه المدخل الأوثق للاستقرار الاجتماعي والسياسي، لكن التجربة السورية تمضي في الاتجاه المعاكس، فبدلا من أن يكون الاقتصاد جسر عبور نحو التعافي، صار مرآة للشلل البنيوي الذي أصاب مؤسسات الحكم.
ليس في الأمر مجرد سوء إدارة أو قصور تقني، بل خلل هيكلي في وظيفة الدولة ذاتها، انعكس على كل ما يتصل بالإنتاج، والدخل والعمل والاستثمار.
ما يجري في سوريا هو “اقتصاد إدارة الأزمات” وبردة الفعل، لا برؤية استباقية، حيث تصاغ القرارات تحت ضغط اللحظة وبعيدا عن سياسات كلية متماسكة، فتظهر الصورة الاقتصادية كسلسلة من الإجراءات المنفصلة، لا يجمعها منطق اقتصادي واضح، ولا تنظمها أولويات وطنية.
يمكن قياس ذلك من أبسط مؤشرات الشفافية حيث لا توجد بيانات قومية منشورة، ولا حسابات وطنية محدثة، ولا حتى تقديرات متسقة للناتج المحلي الإجمالي أو التشغيل، وهذا الغياب للمعلومة ليس عارضا؛ فهو دليل على غياب ما يسميه الاقتصاديون “إطار السياسات الكلية” والهيكل الذي يمكن أي دولة من بناء قرارات اقتصادية على أساس بيانات واقعية لا على التخمين أو التبرير.
رمزية القرار وانعدام الأثر
من بين المظاهر الأكثر وضوحا لهذا الاقتصاد المرتبك “وهم الإصلاح” الذي في ظاهره عملية رمزية، تسعى السلطة من خلالها إلى إظهار الفعل بدل ممارسته، فحين أعيد تصميم العملة السورية، وتم تقديم القرار على أنه خطوة “تاريخية” تعيد الثقة إلى السوق وتعبر عن ميلاد مرحلة جديدة، لكن في جوهره، لم يتجاوز كونه تعديلا شكليا دون مساس بالمتغيرات الحقيقية من إنتاج وتشغيل ودخل، فالنتيجة الاقتصادية كانت معدومة، لأن العملة لا تصلح نفسها، بل تستمد قيمتها من قوة الاقتصاد الكامن وراءها.
الإصلاح الحقيقي يتطلب معالجة الاختلالات البنيوية من فجوة الإنتاج، وضعف القاعدة الصناعية والزراعية وتراجع الإنتاجية وانعدام الثقة بين الدولة والمجتمع الاقتصادي، أما الإصلاح الرمزي فيكتفي بتغيير الشكل دون المضمون، وكأن الاقتصاد مسرح تزييني يقاس نجاحه بحجم الضجيج لا بحجم النمو.
العقوبات ليست العلة، ولا رفعها هو العلاج
طوال سنوات الحرب تحمل الاقتصاد السوري عبء العقوبات الدولية، لكن التجربة العملية أظهرت أن رفع القيود الجزئي أو تعليقها بعد سقوط النظام لم يفض إلى أي تحسن ملموس، فالاقتصاد السوري يعاني من اختناقات داخلية بنيوية تفوق أثر العوامل الخارجية.
حتى في غياب العقوبات يواجه البلد أزمة عرض حادة، وتآكلا في القاعدة الإنتاجية، وانعدام سياسات صناعية وزراعية متماسكة، وهذه هي الأعراض لاقتصاد فقد قدرته على التفاعل الذاتي وتحويل الموارد إلى إنتاج فعلي.
المشكلة ليست في ندرة الموارد بل في عجز المؤسسات عن توجيهها، فالدولة في ظل النظام الجديد تخلت عن دورها في التخطيط والرقابة والتنمية، ولم تنجح في إقامة بدائل سوقية ناضجة، ولا مؤسسات مستقلة قادرة على تصحيح إخفاقات السوق.
تحول الاقتصاد إلى فضاء فوضوي تسيره المصالح الجزئية والولاءات، لا المصلحة العامة، والخلل هنا سياسي بقدر ما هو اقتصادي؛ فحين تفرغ الدولة من مضمونها المؤسسي، يصبح السوق انعكاسا للفوضى نفسها.
العجز التجاري واستنزاف العملة
لا يمكن لأي اقتصاد أن يستقر دون توازن نسبي في تجارته الخارجية، وفي الحالة السورية العجز التجاري بات مزمنا ومضاعفا، فبينما تصدر دول الجوار، كتركيا، ما قيمته مليارا دولار سنويا إلى سوريا، تكاد الصادرات السورية لا ترى في المقابل، وهذا الأمر ليس مجرد خلل في الميزان التجاري، بل نزيف مستمر في احتياطي العملات الصعبة، واستنزاف للموارد دون تعويض إنتاجي.
هذه الحالة تعرف اقتصاديا بـ”الاختلال الخارجي المزمن”، وهي مؤشر على فقدان التنافسية الوطنية، فحين تستورد دولة أكثر مما تنتج، وتعجز عن تنويع صادراتها أو تحسين إنتاجيتها، يصبح اقتصادها رهينة الأسواق الخارجية.
الأسوأ أن هذا العجز يتحول اجتماعيا إلى تآكل في الدخل الحقيقي وارتفاع في معدلات الفقر، لأن السلع المستوردة، في ظل انهيار العملة، تعني ببساطة ارتفاعا دائما في الأسعار وانخفاضا في القدرة الشرائية.
الزراعة والصناعة: فقدان العمودين
كانت سوريا، في ذاكرة اقتصاد المنطقة، بلدا زراعيا وصناعيا متكاملا، فالقمح والقطن والنسيج شكلوا ركائز هويتها الإنتاجية، وانقلب المشهد اليوم كليا، حيث يتم استيراد القمح الذي كان رمز اكتفائها، فيما تذبل الحقول بلا دعم ولا أدوات لإدارة المخاطر المناخية، وغياب السياسات الزراعية لم يفقد الفلاح القدرة على الزراعة فحسب، بل أزال الشعور بالجدوى، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب اقتصادا ريفيا.
في الصناعة، ليست الصورة أفضل، فما جرى خلال السنة الاخيرة هو “تحرير السوق قبل الجاهزية”، ففتحت الأسواق دون إعداد بنية إنتاجية قادرة على المنافسة، وأغلقت مصانع كثيرة، وتراجعت الورش الصغيرة، وانكمش الطلب على اليد العاملة.
الدولة انسحبت من دورها التنظيمي، لكنها لم تقدم بديلا سوقيا فعالا، وتحول سقوط النظام السابق إلى انكشاف، بغياب سياسة صناعية نشطة، يصبح القطاع الخاص عاجزا عن قيادة النمو، وتتحول السوق إلى مجال للربح السريع لا للإنتاج المستدام.
الاستثمار والعمل: أرقام بلا نوعية
يقدم الاستثمار في التصريحات السورية كحل سحري، والتحليل الدقيق يبين أن معظم الاستثمارات الجارية إما قصيرة الأمد، أو ذات طابع ريعي، أو متركزة في قطاعات منخفضة القيمة المضافة كالخدمات والتجارة، أما القطاعات الإنتاجية التي تخلق وظائف ذات إنتاجية مرتفعة، فهي في انكماش مستمر، فخلق فرص العمل الظاهري لا يعني خفضا فعليا للبطالة، بل غالبا ما يؤدي إلى بطالة مقنعة من خلال وظائف هشة، غير مستقرة، محدودة الأجر والإنتاجية.
الاقتصاد السليم لا يقاس بعدد الوظائف المعلنة، بل بنوعية التشغيل وقدرته على رفع الدخل وتحفيز الطلب الداخلي، وما يجري في سوريا هو العكس تماما، فهناك إعادة تدوير للبطالة في شكل جديد، ضمن سوق لا توفر حماية قانونية أو اجتماعية للعاملين، ولا رؤية حكومية لضبط العلاقة بين الأجر والإنتاجية.
دوامة الفقر والركود
حين يتراجع الإنتاج وتضعف القدرة الشرائية، يدخل الاقتصاد حلقة مفرغة من الركود والفقر، فضعف الدخل يحد من الاستهلاك، فيتراجع الطلب فتغلق الورش والمصانع فترتفع البطالة، وينكمش الاستهلاك مجددا، وهذه الحلقة لا يمكن كسرها دون تدخل الدولة عبر سياسة مالية فعالة من ضرائب عادلة وإنفاق استثماري ودعم للقطاعات المنتجة، فتعود الدولة بوصفها محركا اقتصاديا لا مجرد جابي ضرائب.
لكن الدولة السورية اليوم تبدو عاجزة عن أداء هذا الدور، لأنها نفسها غارقة في أزمة مالية حادة، وتعتمد على الجبايات العشوائية لا على نظام ضريبي مستدام، وفي غياب الثقة، يتراجع الامتثال الضريبي، وتزداد الفجوة بين الدولة والمجتمع لتتحول المالية العامة من أداة تنمية إلى أداة قهر.
نهاية الاقتصاد كوظيفة دولة
الملمح الأشد خطورة في المشهد السوري هو تآكل مفهوم الاقتصاد بوصفه مجالا عاما، فحين تصبح القرارات الاقتصادية أدوات لتوزيع النفوذ السياسي، تفقد السوق وظيفتها الطبيعية في الإنتاج والتبادل، ويصبح الاقتصاد ساحة لتثبيت الولاءات، لا لتوليد القيمة، فتفقد الدولة قدرتها على التخطيط، لأن مراكز القرار نفسها لم تعد مؤسسات بل مراكز نفوذ.
إن انهيار الاقتصاد ليس مجرد نتيجة للحرب، بل انعكاس لتحول بنيوي مرتبط بمن يحكم وكيف يحكم، فالدولة التي تدار بعقلية الفصيل لا يمكن أن تبني اقتصادا عقلانيا، وهذا ما يجعل الأزمة السورية أكثر تعقيدا من كونها مجرد أزمة فقر أو تضخم؛ إنها أزمة غياب الدولة الاقتصادية.
الحاجة إلى عقد اقتصادي جديد
الطريق إلى التعافي لا يبدأ بخفض الأسعار أو طباعة عملة جديدة، بل بإعادة تعريف دور الدولة كمؤسسة إنتاجية وتنظيمية، فلا يمكن لأي اقتصاد أن ينهض ما لم يبن على عقد اجتماعي جديد يربط بين السلطة والمجتمع بعلاقة تبادلية قائمة على الثقة والالتزام، فالتنمية ليست معادلة مالية بقدر ما هي معادلة سياسية وأخلاقية تظهر بالإرادة والشفافية والمؤسسات.
لا تنهض الأمم بالمنح ولا بالشعارات، بل بالقدرة على تحويل الأزمات إلى خطط، والقرارات إلى سياسات، والمواطنين إلى شركاء، أما في سوريا، فكل ذلك ما زال مؤجلا، كما الاقتصاد نفسه، فالسعي للانتاج وتوقيف الاستيراد الذي يضارب على المنتج الوطني ويلغيه هو أول خطوة لنهج طريق جديد.
الاقتصاد السوري بين إدارة الأزمة ووهم الإصلاح
تبدأ الدول بعد النزاعات بإعادة ترميم اقتصادها بوصفه المدخل الأوثق للاستقرار الاجتماعي والسياسي، لكن التجربة السورية تمضي في الاتجاه المعاكس، فبدلاً من أن يكون الاقتصاد جسر عبور نحو التعافي، صار مرآة للشلل البنيوي الذي أصاب مؤسسات الحكم.
ليس في الأمر مجرد سوء إدارة أو قصور تقني، بل خلل هيكلي في وظيفة الدولة ذاتها، انعكس على كل ما يتصل بالإنتاج، والدخل والعمل والاستثمار.
الناتج المحلي:

البطالة والتضخم:

القطاعات الاقتصادية:

التجارة الخارجية:




تحليل مرئي يعكس أزمة الاقتصاد السوري البنيوية | البيانات تقديرية وتعكس الوضع حتى عام 2025
“الطريق إلى التعافي لا يبدأ بخفض الأسعار أو طباعة عملة جديدة، بل بإعادة تعريف دور الدولة كمؤسسة إنتاجية وتنظيمية”
المصدر: سوريا الغد