في شرق المتوسط، حيث تلتقي الجبال المكسوة بالضباب ببحر لا يعرف الهدوء، تستمر الجبهتان السورية واللبنانية مع “إسرائيل” في حمل إرث من الحروب المعلقة، كأن التاريخ نفسه يرفض إسدال ستار على مشهد لم يكتمل بعد.
عام 2025 لم يكن عاما للحرب الكبرى، لكنه كان عاما للتذكير بأن السلام في المشرق ليس أكثر من هدنة طويلة الأمد، تدار تحت عيون القوى العظمى، وتقيدها خرائط القوة أكثر مما تحكمها نوايا السلام.
الجغرافيا التي لا تنسى: بين دمشق وبيروت وتل أبيب
من يقرأ الصراع من أعلى الجولان يرى أكثر من خطوط النار؛ سيشاهد الجغرافيا كقدر محتوم، فالجولان ليس تلا عسكريا بقدر ما هو محراب استراتيجي يطل على روح المشرق، ومن هناك يمكن مراقبة دمشق كما يمكن لمس مياه طبريا، ومن هناك بدأ تاريخ الحرب الباردة الإقليمية التي لم تنته.
في الجنوب، على الحدود اللبنانية، يتكرر المشهد ذاته وإن بتضاريس مختلفة؛ أرض مشبعة بالرمزية والموت، ومحروسة من طرف بذاكرة المقاومة، ومن طرف آخر بعقيدة الردع “الإسرائيلي”.
سوريا ولبنان اليوم لا تخوضان حربا، لكنهما لا تعرفان السلام أيضا، فالجبهتان معلقتان على حافة السكون، كوتر مشدود لا يعزف عليه، ينتظر لمسة توازن جديدة.
الولايات المتحدة: إدارة التوازن لا بناء السلام
من منظور واشنطن، لا تمثل الجبهتان سوى معادلة لاحتواء الفوضى ومنع الانفجار، لا لتصحيح الخلل، والسياسة الأمريكية في 2025 كانت نسخة من سياسات العقد الماضي في إبقاء سوريا ضعيفة بما يكفي لعدم تهديد “إسرائيل”، وقوية بما يكفي لاحتواء الفوضى في الشرق والشمال.
في لبنان، الموقف أكثر تعقيدا، فواشنطن تدرك أن أي تصعيد مع حزب الله سيشعل حربا لا يمكن ضبطها، لكنها أيضا ترى أن استمرار الحزب كقوة يهدد وجود اسرائيل ويتعارض مع ارادات قوى لبنانية حليفة لأميركا تقف له بالمرصاد.
الولايات المتحدة لا تسعى إلى سلام شامل في هذا الإقليم؛ ذلك النوع من السلام يحتاج إلى خيال سياسي لم يعد موجودا في واشنطن ما بعد أوكرانيا وغزة.
هدفها اليوم هو السلام السلبي؛ إدارة الجغرافيا عبر الوقت، واحتواء التهديدات وضبط الجبهات وتوجيه مسارات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي لتشكيل حدود دائمة للأزمة.
منذ سقوط نظام البعث في أواخر 2024 ورفع العقوبات الدولية خلال عام 2025، تتعامل واشنطن مع سوريا الجديدة بوصفها مساحة اختبار لا دولة مكتملة، فالتغيير السياسي المفاجئ فتح شهية العواصم الغربية على هندسة نظام سياسي جديد، لكنه في الوقت نفسه أعاد إشعال التنافس الدولي والإقليمي لرسم ملامح ما بعد البعث.
في غياب مؤسسات متماسكة، تحاول الولايات المتحدة إدارة المشهد السوري عبر شبكات النفوذ والتمويل، لا عبر اتفاقات سياسية ناضجة؛ فهي انتقلت من سياسة “الاحتواء عبر العقوبات” إلى سياسة “التحكم عبر إعادة الإعمار”.
لم تعد دمشق محاصرة بالعقوبات، بل بشروط الدعم الدولي نفسه، وهو شكل أكثر نعومة من الهيمنة، لكنه لا يقل تقييدا.
إسرائيل: الأمن فوق كل شيء
لم تعد الجبهة السورية بالنسبة لـ”إسرائيل” مجرد ساحة صراع مؤجل حول النفوذ الإيراني والروسي، بل تحولت منذ مطلع 2025 إلى فضاء مفتوح بلا سلطة ولا سيادة، بعد انهيار بنية الجيش السوري وتفكك منظومات الدفاع الجوي مع سقوط النظام في دمشق.
في الأسابيع الأولى من الفراغ السياسي، استغلت إسرائيل الانهيار الكامل للقيادة العسكرية السورية لتنفذ أوسع عملية ميدانية لها منذ حرب 1973، شملت تدمير مراكز القيادة في القطيفة وتدمر والضمير، وشبكة الرادارات الممتدة من الكسوة حتى السويداء.
وبحلول منتصف العام، كانت القوات الإسرائيلية أحكمت سيطرتها على كامل الشريط المنزوع السلاح في الجولان، وأقامت منطقة عازلة تمتد بعمق 20 كيلومترا داخل الأراضي السورية، تحت عنوان “منع الفراغ الأمني” و”ضمان استقرار الحدود الشمالية”.
لم تكن تلك العملية حربا معلنة، بل اختراقا صامتا منظما جرى تحت غطاء “التحرك الوقائي”، مستفيدة من غياب أي جهة سورية قادرة على المقاومة.
في الوقت نفسه، نفذت وحدات الاستخبارات الإسرائيلية عمليات نوعية في الجنوب السوري ضد ما تبقى من الميليشيات المحلية.
تحول المشهد الميداني خلال شهور قليلة من توازن هش إلى سيطرة إسرائيلية مباشرة على الجغرافيا العسكرية، تزامنا مع دعم أمريكي استخباراتي ولوجستي مكثف عبر القواعد في الأردن والجولان المحتل.
لكن هذا التفوق الميداني حمل في طياته مفارقة؛ فكلما ازداد اتساع النفوذ الإسرائيلي، تعمق الإحساسبالهشاشة، فـ”إسرائيل”، التي كانت ترى في الجولان خط دفاع طبيعيا، وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن إدارة فراغ سياسي وأمني على تخومها الشمالية، تحيط به فصائل محلية، وصلت الى السلطة، لكنها سببت فوضى تفوق قدرتها على التنظيم.
الاستراتيجية تجاه لبنان بعد انهيار سوريا
أما على الجبهة اللبنانية، فأعادت تل أبيب رسم استراتيجيتها لتتكيف مع سقوط النظام السوري وتراجع خطوط الإمداد الإيرانية عبر دمشق.
فبدل الاعتماد على الردع عبر الغارات فقط، انتقلت إلى مرحلة الضغط المتدرج متعدد الأبعاد، تتلخص في ثلاث دوائر مترابطة:
ضربات وقائية متكررة داخل العمق الجنوبي اللبناني، تستهدف البنية الصاروخية لحزب الله ومراكز القيادة البديلة التي حاول الحزب نقلها من البقاع إلى الجنوب بعد انقطاع خط الإمداد السوري.
نشاط دبلوماسي خفي مع شخصيات لبنانية مستقلة وقوى أمنية تحاول النأي بنفسها عن حزب الله، في محاولة لصياغة “بيئة أمنية موازية” داخل الجنوب.
تحالف استخباراتي أمريكي–إسرائيلي موسع يراقب كل تحرك لحزب الله عبر الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيرة، مع استخدام مكثف للذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الميدانية.
لم تعد إسرائيل تواجه “جبهة مقاومة” بالمعنى التقليدي، بل مجموعة من الفضاءات الأمنية المبعثرة، ففي الجنوب اللبناني جماعات مرتبطة بحزب الله، وفي البادية السورية فصائل محلية بلا ولاء ثابت، وعلى الحدود الأردنية خلايا مسلحة تتاجر بالسلاح والمعلومات.
مفارقة القوة: التفوق الذي يولد الهشاشة
تبقى “إسرائيل” حبيسة معضلتها التاريخية نفسها التي لا تلغيها الانتصارات العسكرية، فكلما ازداد تفوقها الأمني، تضاءلت قدرتها على إنتاج سلام مستدام.
توسعها الميداني في الجولان جعلها قوة احتلال بحكم الأمر الواقع، مسؤولة عن إدارة منطقة لا تريدها، ولا تستطيع الانسحاب منها دون فراغ جديد.
أما “السلام البارد” مع لبنان، فظل أشبه بصفقة جليد لا يذوب، ويبقي الوضع تحت السيطرة، لكنه لا يزرع الثقة ولا يضمن المستقبل.
إسرائيل اليوم تعيش ذروة قوتها وضعفها في آن واحد، فهي تمتلك السيطرة على الجغرافيا، لكنها فقدت السيطرة على المعنى؛ أي أنها انتصرت في الحرب التي لم تندلع، وخسرت الاستقرار الذي لم يتحقق.
المشهد العام: سلام مكسور وأمن مستعار
لم يعد الشرق الأوسط في عام 2025 يعيش مرحلة “إعادة توزيع المخاطر”، بل مرحلة إعادة تعريف الحدود والمعاني.
فبعد سقوط النظام السوري، وتدمير البنية العسكرية للدولة، وتمدد “إسرائيل” داخل الشريط المنزوع السلاح في الجولان، تغير ميزان القوى في الشمال جذريا، فلم تعد الجبهتان السورية واللبنانية مجرد خطوط تماس محتملة، بل منطقتي نفوذ مفتوحتين أمام كل القوى الإقليمية؛ “إسرائيل” من الجنوب، وتركيا من الشمال، إضافة إلى “داعش” التي تنشط في الباردية.
تحت هذا السطح المضطرب، تعمل واشنطن وتل أبيب على تثبيت “هندسة أمنية جديدة”، لا تقوم على الردع المتبادل كما في الماضي، بل على الإدارة الوقائية للفراغ، حيث “إسرائيل” تمسك بالأرض في الجولان لضمان “الاستقرار الميداني”، والولايات المتحدة تضبط الإيقاع السياسي في دمشق وبيروت عبر أدوات الإعمار والمساعدات المشروطة.
لم يعد المشرق “منطقة توازنات متجمدة”، بل مختبرا مفتوحا لإدارة الفوضى تحت مظلة غربية.
تبقى الحقيقة الجوهرية بأن التاريخ لا ينام، بل يتظاهر بالنوم، فكل جغرافيا غير محسومة هي حرب مؤجلة، ومع ازدياد الهشاشة الاقتصادية وتناقص الشرعيات السياسية في العواصم المشرقية، يكفي شرارة واحدة — عملية اغتيال، أو غارة خاطئة، أو تمرد محلي — لإشعال حريق لا أحد يملك إطفاءه.
توقعات سيناريوهات 2026: بين الترسيم والاشتعال
عام 2026 يقف على أعتاب تحول استراتيجي حاسم، إذ سيتحدد فيه إن كان الاحتلال الإسرائيلي للشريط السوري المؤقت سيتحول إلى واقع دائم، أم إلى ورقة تفاوض نحو ترتيبات أمنية أوسع، والاحتمالات المطروحة أمام المنطقة يمكن اختزالها في ثلاثة مسارات رئيسية:
السيناريو الأول: “تسوية ما بعد الفوضى”
الوصف: تفاهم أمني برعاية أمريكية – أوروبية يكرس انسحابا إسرائيليا جزئيا من الجولان مقابل انتشار قوات دولية، وإعادة دمج الجيش السوري الجديد في المعادلة الأمنية.
الاحتمالية: متوسطة (35%).
الآثار: بداية لتوازن جديد في الشمال، لكن من دون استعادة كاملة للسيادة السورية أو ضمان استقرار لبنان الداخلي.
السيناريو الثاني: “الاحتلال المستدام”
الوصف: إبقاء “إسرائيل” على الشريط المنزوع السلاح تحت مبرر “مكافحة الإرهاب” ومنع تمدد الميليشيات، مع تحول المنطقة إلى منطقة أمنية مغلقة تدار مباشرة من تل أبيب وبدعم أمريكي.
الاحتمالية: مرتفعة (45%).
الآثار: يوفر لـ”إسرائيل” عمقا استراتيجيا لكنه يكرس واقعا احتلاليا جديدا، ويفتح الباب أمام مقاومة محلية متفرقة تمتد من درعا حتى السويداء.
السيناريو الثالث: “الاشتعال الإقليمي”
الوصف: اندلاع مواجهة متعددة الجبهات تبدأ من الجنوب اللبناني وتمتد إلى الجولان، نتيجة تصعيد ميداني أو تدخل إيراني مباشر لإعادة النفوذ المفقود في سوريا.
الاحتمالية: منخفضة (20%)، لكنها الأخطر.
الآثار: انهيار أي هندسة أمنية، ودخول المنطقة في مرحلة “ما بعد الردع”، أي حرب بلا سقف جغرافي ولا طرف منتصر.
حين تصبح الجغرافيا مصيرا
الجبهتان السورية واللبنانية مع “إسرائيل” لم تعودا رمزين لصراع مؤجل، بل مرآتين لانكسار فكرة الدولة في المشرق، ففي دمشق، تعاد صياغة السلطة من رماد النظام القديم، وفي بيروت، تتجاذب الولاءات في ظل غياب الدولة، وفي “تل أبيب”، تتضخم القوة العسكرية على حساب الأمن الداخلي.
الولايات المتحدة لم تعد تريد صناعة سلام، بل تريد فقط إدارة الخراب من دون أن تحترق به.
أما “إسرائيل” فتحكمها غريزة البقاء أكثر من رؤيا السلام؛ كل توسع ميداني تراه نصرا، وكل نصر يتحول عبئا جديدا على أمنها.
حين تنكسر الدولة، تصبح الجغرافيا هي من يحكم التاريخ، وهكذا يبدو المشرق فضاء يتنفس على إيقاع الخطر، ويعيش في هدوء بلا سلام، ويبحث عن أمن لا يأتي.
وربما يكون عام 2026 عاما فاصلا لا بين الحرب والسلام، بل بين وهم الاستقرار وإدراك الحقيقة بأن ما تراه تل أبيب حدودا آمنة، تراه دمشق وبيروت جروحا مفتوحة على الخرائط.

الخريطة الجيوسياسية:

توازن القوى:
