مع حلول رأس السنة، تتكاثر ظاهرة المنجّمين على الشاشات العربية بوتيرة تكاد تصبح طقساً إعلامياً ثابتاً. لا يُقابل هذا الحضور الكثيف بالاستغراب بقدر ما يُستقبل بشيء من “التواطؤ” الشعبي الصامت، وكأن الجماهير، المنهكة تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، تبحث عن أي نافذة رمزية تطل منها على مستقبل لم تعد قادرة على تخيّله بوصفه قابلاً للتحقق بالفعل الاجتماعي أو السياسي.
من منظور ماركسي، لا يمكن التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها مجرّد انحدار ثقافي أو شغف بالخرافة، بل كعرضٍ بنيوي لأزمة أعمق تمس علاقة الإنسان بزمنه وبالتاريخ ذاته.
في لحظات الاستقرار النسبي، يكون المستقبل امتداداً للصراع الاجتماعي، نتاجاً للعمل والتنظيم والتراكم. أما في زمن الانهيارات، حين تتفكك الدولة الاجتماعية، وتُغلق قنوات الترقي، وتُصادَر السياسة من مضمونها التغييري، يتحوّل المستقبل إلى كتلة غامضة، منفصلة عن الفعل الإنساني. هنا بالضبط يتقدّم المنجّم ليشغل فراغ الأفق، لا بوصفه منتج معرفة، بل كوسيط وهمي بين الفرد وزمن مسلوب.
الماركسية تعرِّف الاغتراب لا كحالة نفسية، بل كبنية اجتماعية. وحين يُغترب الإنسان عن عمله وعن ثمرة جهده، ثم عن مجتمعه، فإن آخر ما يُنتزع منه هو الإيمان بأن الغد قابل للصناعة. في هذا السياق، يُعاد تعريف المستقبل لا باعتباره نتيجة صراع طبقي واجتماعي، أو خيار سياسي، بل كمصير شخصي تحكمه الأبراج والنجوم. وهكذا، يُنزع الطابع الجماعي عن المعاناة، ويُعاد توزيعه على الأفراد كحظوظ متفاوتة.
تؤدي هذه العملية وظيفة أيديولوجية. فالمنجّم لا يفسّر الأزمة، بل يُزيح أسبابها من المجال الاقتصادي والاجتماعي إلى المجال القدري. تختفي الأسئلة المتعلقة بالنهب والاستغلال والهيمنة الامبريالية وتراكم الثروة، لتحل محلها أسئلة عن «السنة الصعبة» و«الكواكب المعاكسة». وبهذا المعنى، تصبح الخرافة أداة لإدارة الأزمة لا لمواجهتها، ولتبديد الغضب لا لتسييسه.
الإعلام، بوصفه جزءاً من البنية الرأسمالية، لا يكتفي بترويج هذه الظاهرة، بل يقوم بتسليعها. القلق الجماعي يتحوّل إلى مادة بصرية تُقدم في فضاء مسرحي، واليأس إلى موسم إعلاني مربح. المنجّم هنا ليس دجّالاً خارج النظام، بل منتجاً إعلامياً متكامل الوظيفة، يقدّم جرعات أمل مؤقتة أو تشاؤم مسلٍّ، فيعيد إنتاج المأساة الاجتماعية إلى مهزلة دورية.
وإذا كان ماركس قد رأى في الدين «زفرة المخلوق المقهور»، فإن المنجّم المعاصر يمثل صيغة أكثر تسطيحاً لهذا الدور: بلا وعد خلاص، بلا أفق جماعي، فقط تأجيل رمزي للألم والمعاناة، متلائم مع زمن السرعة والاستهلاك الفوري. إنه أفيون خفيف، سريع المفعول، لا يطلب إيماناً عميقاً ولا التزاماً، بل متابعة موسمية.
بلغة غرامشي، نحن أمام أزمة هيمنة واضحة: القديم يفقد قدرته على الإقناع، والجديد لم يولد بعد. في هذا الفراغ، تزدهر الشعبوية والخرافة وكل أشكال الوعي الزائف. ليس لأن الجماهير عاجزة عن الفهم، بل لأن القوى القادرة على تقديم مشروع تحرري فشلت في ملء الفراغ بمعنى تاريخي بديل.
إن طغيان المنجّمين ليس سبب الانهيار، بل أحد مؤشراته الثقافية. وكلما انسد أفق الفعل الجماعي، وغيبت السياسة بوصفها أداة تغيير، ازداد الطلب على من يفسّر الألم والمعاناة بدل أن يسائل شروط إنتاجه. حين يعجز البشر عن تغيير الواقع، يبحثون عمّن يخبرهم أن ما يعيشونه قد كُتب في السماء، لا في دفاتر المصارف ولا في توازنات القوة.
الكاتب:د. طنوس شلهوب