قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

الى المسيح في عيد ميلاده

أكثر من ملياري إنسان، أي ما يزيد على ثلاثين بالمئة من سكان الكرة الأرضية، يحملون في أفكارهم رواية مجيئكَ إلى هذا العالم، ويعتقدون أنكَ تعيش في قلوبهم، ويؤمنون أنكَ أتيتَ لتخلصهم من العذاب والالم والفقر والإذلال الذي يتعرضون له، من أخوة مفترضين لهم، في المعتقد أو في الانسانية، ويروون القصص لأولادهم وأطفالهم كيف أتيت عارياً الى عالمٍ باردٍ وقاسٍ، واكتفيت بفراش من التبنِ لم يكن سوى معلفٍ لخرفان وبقرات، كان لهم الفضل في حمايتك من برد العري، وذهبت بعيداً في نضالك لتقدم ذاتك قرباناً من أجل الناس، وتركت لأتباعك صورة المخلص الذي يجمع في شخصيته سمو الآلهة ومشاعر البشر.
أخبرتنا، أنه أسهل على الفيل المرور من خرم الإبرة من دخول الأثرياء الى الجنة، وقسمتَ السمكات الثلاث على أربعين شخصاً ليتشاركوا فيها، وشبعوا بالرغم من القليل الذي دخل بطونهم، لتقول لنا إن الاشتراكية أفضل من الأنانية، ولا يجوز أن يأكل السمكات فردٌ واحدٌ بينما ينظر اليه الأخرون بعيونٍ جائعةٍ.
أكثر من ألفي عام انقضى على حضورك، وبفضل تعاليمك المشبعة بالتواضع والمحبة ونكران الذات انتَصَرَتّ، وغَيَرَتّ العالم، وسقطت العبودية أمام أممية تعاليمك الانسانية وحققت البشرية قفزة حضارية هائلة.
أكتبُ اليكَ اليوم وأرغبُ أن أخبركَ، أن العالم ليس كما أردتَهُ، وأن تعاليمك قد جرى التنكر لجوهرها من قبل الناطقين باسمك، ولن أرجع في التاريخ الى الوراء، الى العصور الظلامية، الى الحروب الدينية، الى المشاريع الاستعمارية التي أفنت ودمرت شعوباً بأكملها، وأفقرت مجتمعات، وسمحت بتركيز الثروات الهائلة في أيدي حفنة من الناس، وأن كل ذلك جرى باسمك وباسم تعاليمك.
أود أن أخبرك، أنه في عالمنا اليوم يوجد أكثر من 850 مليون إنسان يعيشون في فقر مدقع، وأن ملياري ومئتي مليون إنسان لا يتعدى دخلهم اليومي دولارين اميركيين للفرد الواحد، وأن التوقعات تشير إلى أنه إذا استمر الأمر على ما نحن عليه، فأن عدد الذين يعانون من الجوع سيصل الى ملياري إنسان نحو العام 2050، وأن القسم الأكبر من هؤلاء الناس يعيشون فيما يسمى البلدان النامية.
ولا بد أن أشير، ونحن اليوم ننظر اليكَ طفلاً صغيراً حاملاً كل النور والأمل، بأن أكثر من ستة ملايين طفل دون سن الخامسة يموتون سنوياً بسبب نقص التغذية والعناية الطبية وانعدام ثقافة الأم، ونصفهم يموت بسبب نقص التغذية، وأن حوالي 70 مليون طفل من هذه البلدان، المسماة نامية، يذهبون الى المدرسة في المرحلة الابتدائية وهم جياع، في حين يبقى 60 مليون طفل خارج المدرسة. وطالما نتحدث عن هذه البلدان، فأن أكثر من مليار ونصف من سكانها محرومون من الكهرباء. كما أن حوالي 700 مليون انسان محرومون من مياه الشرب، في حين أن مليار وثلاث مئة مليون إنسان يستعملون مياهاً ملوثة بيولوجياً.
وبسبب ما أكتبه، لا أعرف إذا كنتُ قد سببتُ لك ألاماً إضافية لتلك التي عانيتها أنت وأفديتَ البشر بها عندما قدمتَ نفسَكَ ذبيحةً على الصليب، وجعبتي لم تفرغ بعد، لذا، سأحاول الاختصار لعلمي بحجم المسائل التي تشغلك، وسأتمنى عليك لو أنك تقوم بإطلالة سريعة على لبنان والعالم العربي، وتردع أصحاب المدارس والمستشفيات ودور العجزة وكل المؤسسات الاخرى الذين ينطقون باسمك، وليكفوا عن المتاجرة بالمبادئ السامية التي ترمز اليها. جشعهم لا حدود له، وكل كلامهم في القداديس والوعظات عن المحبة والتسامح والمغفرة يتبخر أمام رائحة الدولار، وانت تعلم جيداً أنك ومنذ تلك الأيام البعيدة قد حذرت منهم، ووصفتهم بتجار الهيكل، تماماً هؤلاء هم من يحتل أعلى الرتب في كنيستك، التي أردتها بيتاً اشتراكياً للمحبة والتعاضد والانسانية، وشتان ما بين رجل اكتفى برداء من الخيش ليحمي نفسه من البرد، وجيش من التجار لا حدود لطمعهم وأنانياتهم
. سأسمح لنفسي ان أخبرك بأن لي بعض العتب عليك لما يحدث في فلسطين، حيث يجري صلب شعب بأكمله، تماماً ومن الجماعة ذاتها، التي صلبتك، على مرأى من عيون البشر، وبتواطؤٍ من بعض المدعين انهم يحمون كنيستك، هؤلاء الذين ذكرتهم من قبل، وهم الذين أبادوا الهنود الحمر، ومنهم من يزعم أنك تكلمه وتوحي له بما ينبغي ان يقوم به، ولا أفهم كيف لك أن لا تتألم وانت الفلسطيني المنشأ، وما يجري اليوم ليس سوى إبادة لشعبك، واهانة لتاريخك ولرسالتك.
أعذرني، وكما يقولون عندنا، على قد المحبة العتب كبير. أمل أن تستلم رسالتي وقد تفهمت دوافعي، فأنا لست أكثر من غبرة فانية في هذا الكون اللامتناهي، وقد امتلكتّ شيئاً من العقل والوعي والحواس، مضافاً اليها حسٌ انساني يجمع ما بين الكرامة والمحبة، وهي قيم انتقلت اليها عبر رياح الحضارات الكبرى، والتي كان لك فيها الفضل الكبير لما تتضمنه من تناغم وانسانية وبساطة وتواضع واشتراكية، وما زالت تتطاير بانتظار سقوطها في بحر السكون اللامتناهي.

الكاتب:د. طنوس شلهوب

اقرأ المزيد
آخر الأخبار