قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

أميركا اللاتينية… «على طريق غزة » حين تتحوّل الجغرافيا إلى حقّ حصري

تقوم إحدى أكثر الأفكار رسوخًا في الوعي السياسي الأميركي على مسلّمة غير مكتوبة، لكنها حاضرة بقوة في السياسات والمواقف والخطاب العام:
أن أميركا اللاتينية ليست فضاءً سياديًا كامل الاستقلال، بل مجال نفوذ طبيعي.
فكرة قديمة، تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر، لكنها لم تغادر العقل السياسي الأميركي قط، بل أعيد إنتاجها بأدوات أكثر حداثة وأقل فجاجة.

في المخيال الشعبي الأميركي، كما في ذهنية النخب السياسية، تُقدَّم أميركا الجنوبية والوسطى بوصفها «الحديقة الخلفية»:
قريبة، مألوفة، تابعة ضمنيًا،
لا يُفترض أن تختار شركاءها بحرّية،
ولا أن تعقد تحالفات خارج المحيط المرسوم لها سلفًا.

من هنا يبدأ الصراع الحقيقي.
ليس من أسماء الزعماء، ولا من نتائج الانتخابات،
بل من حقّ الاختيار نفسه.

حين يصبح الخروج جريمة

عندما تتصرّف دولة في أميركا اللاتينية ككيان سيادي كامل،
لا يُقرأ سلوكها بوصفه خيارًا سياسيًا مشروعًا،
بل يُفهم كخلل في الترتيب الطبيعي للأشياء.

الانفتاح على قوى دولية خارج المدار الأميركي—روسيا، الصين، أو غيرهما—لا يُناقَش باعتباره سياسة خارجية،
بل يُصنَّف فورًا كاستفزاز،
وكتهديد ينبغي احتواؤه قبل أن يتحوّل إلى سابقة.

بهذا المعنى، لا تعاقَب الدول لأنها فشلت،
بل لأنها تجرّأت.

مادورو = تحدٍ رمزي

في هذا السياق، لا يظهر نيكولاس مادورو كمجرد رئيس مثير للجدل،
بل كرمز لكسر القاعدة غير المعلنة.

المعضلة التي تمثّلها فنزويلا للولايات المتحدة لا تكمن فقط في أزماتها الاقتصادية أو في طبيعة نظامها السياسي،
بل في أن دولة داخل «المجال المحرَّم» ترفض أن تتصرّف كوكيل تابع.

فنزويلا، رغم الحصار والعقوبات والعزلة، لم تنهَر كما كان متوقعًا.
هذا البقاء—مهما كان هشًّا—يهزّ سردية كاملة تقوم على أن الخنق الاقتصادي كفيل بإعادة الجميع إلى بيت الطاعة.

الخطر هنا ليس مادورو كشخص،
بل الرسالة التي يرسلها وجوده:
أن «الحديقة» قد ترفض أن تكون حديقة.

روبيو = حارس المجال المحظور

يمثّل ماركو روبيو صوتًا واضحًا لهذه العقيدة غير المعلنة.
هو ليس مجرد سياسي محافظ، بل حارس ذاكرة أيديولوجية لم تُغلق منذ الحرب الباردة.

في خطابه، تختلط مفاهيم الديمقراطية بالأمن القومي،
وتتحوّل حقوق الإنسان إلى أداة ضغط انتقائية،
ويُقدَّم الحصار كواجب أخلاقي لا كعقوبة جماعية.

روبيو لا يتعامل مع أميركا اللاتينية كمنطقة تتغيّر،
بل كمساحة يجب ضبطها.
وأي خروج عن المدار لا يُواجَه بالتفاهم،
بل بالكسر.

فنزويلا = ساحة اختبار

ضمن منطق «الحديقة الخلفية»، تتحوّل فنزويلا إلى مختبر سياسي مفتوح.

هنا تُختبَر:
• قدرة العقوبات على إنهاك الدولة دون تدخل عسكري مباشر
• مدى تحمّل المجتمع للضغط الطويل
• إمكانية صناعة أزمة دائمة بلا نهاية واضحة

ليس الهدف فقط تغيير نظام،
بل إعادة تثبيت القاعدة:
الخروج مكلف… وطويل… ومُنهِك.

لهذا تُترك فنزويلا معلّقة بين الانهيار والبقاء،
في حالة رمادية لا تُغلق ولا تُحسَم.

كوبا = الأصل الذي لم يُنسَ

تبقى كوبا العقدة الأعمق،
والشبح الذي لم يُدفن.

كوبا ليست مجرد دولة محاصَرة،
بل ذكرى كسرٍ تاريخي لفكرة «الحديقة الخلفية».
هي التجربة التي خرجت عن المدار وبقيت،
رغم كل ما فُرض عليها من حصار وعزلة.

لهذا لا تُغلق صفحتها،
ولا يُسمح لها بأن تصبح مجرد دولة عادية.
وجودها المستمر هو تذكير مزعج بأن الخروج ممكن،
وإن كان ثمنه باهظًا.

الخلاصة

الصراع في أميركا اللاتينية ليس صراع أنظمة فقط،
ولا معركة أشخاص أو أيديولوجيات متقابلة،
بل صراع على حقّ الاختيار خارج الوصاية.

هل هذه المنطقة فضاء سيادي كامل؟
أم مجال نفوذ يُدار من الخارج؟

ما دامت الإجابة العملية تميل إلى الخيار الثاني،
ستبقى فنزويلا وكوبا
ليستا أزمتين عابرتين،
بل شاهدتين على تصدّع فكرة «الحديقة الخلفية»
في عالم لم يعد يقبل الأسوار القديمة.

الكاتب: ماجده ابو شرار

اقرأ المزيد
آخر الأخبار