قراءات سياسية فكرية استراتيجية

“# بدي _ دجاجتي”

مَن منا لا يتذكر حكاية حسين شرتوني ذي التسع سنوات، ابن ميس الجبل الحدودية، والتي حدثت بتاريخ 15/12/2020، باكياً متألماً على دجاجته التي سرقها جنود العدو “الإسرائيلي.”
لم تكن القصة قصة عابرة بين طفل ودجاجة فحسب، بل صورة تحكي المعاناة الطويلة مع هذا العدو، من اعتداء على البراءة إلى الاعتداء على الكرامة والسيادة!
اليوم، وأنا أستحضر تلك القصة، لا أفعل ذلك من الناحية العاطفية أو من باب السرد فحسب، بل للحديث عن قوة الردع التي خسرها البلد بعد الحرب الأخيرة، مما أتاح للعدو أن يضرب ويقتل ويهجّر كيفما شاء دون أن يرفّ له جفن، في المقابل تقف الدولة عاجزة بل مشلولة، وكأن مسألة السيادة الوطنية الكاملة لا تعنيها.
قصة ذلك الصبي لم تكن يوماً من الأيام عن “دجاجة”، بل عن استرجاع الحق وصون الكرامة، عن معادلة ذهبية تجعل العدو يحسب ألف حساب قبل أن يتحرك خطوة واحدة من خلف حصونه. نعم، لنكن واقعيين: لقد خسرنا هذه المعادلة اليوم وأصبحنا تحت ضربات العدو القاتلة.
1 – حسين ودجاجته:
شغل الطفل حسين شرتوني بال العدو بواسطة دجاجته الهاربة نحو السياج الحدودي. عندها بدأ العدو بإطلاق النار فوق رأس الطفل، والطفل مصمّم على استرجاع دجاجته غصباً عنهم، لكن العدو سرق الدجاجة. يمكن العودة إلى المقابلة التي أُجريت مع الطفل وقتها حيث يقول حسين: “أنا مش خايف منن، أنا بدي دجاجتي”. بعدها تحوّلت صرخة حسين إلى وسم عالمي #بدي دجاجتي الذي عكس يومها عمق المشاعر بالكرامة الوطنية.

2 – الردع يبدأ برسالة قبل الصاروخ
الذي يجعل من وراء هذه القصة أكثر من مجرد قصة سردية هو أنها كانت درساً في الكرامة الوطنية، تجسّد كيف يمكن للردع أن يبدأ برسالة مدوّية، وليس فقط بصاروخ موجّه.
حسين لم يركض وراء دجاجته فحسب، بل أراد أن يسترجع حقه من عدوه الذي سرق حقه، وحقه هذا جعله لا يخشى النار بل مواجهتها.

جملة حسين الشهيرة “بدي دجاجتي” أصبحت رمزاً وطنياً، وحملت الكثير من المعاني المتعلقة بحقنا في استرجاع الأرض، واسترجاع الكرامة الوطنية، وأيضاً بحق عودة أهلنا الفلسطينيين إلى أرضهم المسلوبة.
لقد أصبح حسين نموذجاً للمقاوم الصغير الذي أفهم العدو أنه لا يساوم ولا يهادن ولا يبيع أرضه وممتلكاته، بل يقاتل في سبيل الحفاظ على كرامته.
3 – شعب – جيش – مقاومة:
في ظل تزايد الهجمات “الإسرائيلية” واستمرار مسلسل الاغتيالات وقتل المدنيين دون رادع، وفي ظل حكومة عاجزة لا تقدر على فعل شيء، تبرز الحاجة الملحّة لإعادة النظر في المعادلات التي أثبتت جدواها في منع العدو من ارتكاب الحماقات.
لقد شكّلت معادلة شعب، جيش، مقاومة نموذجاً متميزاً في التصدي والمواجهة، حيث تضافرت الإرادة الشعبية مع القوة العسكرية وسهر المقاومة الوطنية؛ كلها اجتمعت لتشكّل جبهة حقيقية نجحت في أن توقف “إسرائيل” عند حدّها، وأعادت التوازن إلى معادلة الصراع.
فما الضير اليوم في إعادة إحياء هذه المعادلة أو صياغة ما يشبهها؟
أليس من حق الشعوب أن تقاوم وأن تمتلك أدوات الدفاع عن نفسها؟
أليس من واجبها أصلاً أن تردع العدو وتمنعه من القتل أو التهجير؟
إن إعادة الاعتبار لمثل هذه المعادلات لا يعني بالضرورة التصعيد، بل يعني كيفية استعادة الكرامة الوطنية، ووضع حدّ للقتل المجاني. لبنان اليوم، يا سادة، فعلاً أصبح بحاجة إلى استرجاع الكرامة الوطنية.
4 – كيف يجب أن يكون الرد الرسمي:
بعد أن فقد لبنان قوة الردع اليوم، لم يعد أحد قادراً على أن يوقف “إسرائيل” عن التمادي في قتلنا وتهجيرنا، وحتى اقتلاع ذاكرتنا الجماعية تحت وطأة الضعف والانقسام. فما العمل؟
أ – لا بد من اتخاذ القرار بتعزيز قوة وقدرات الجيش الوطني من أي دولة ترغب في المساعدة، ليكون قادراً على حماية الحدود وإمكانية الرد عند حدوث أي خرق، وإيصال رسالة إلى العدو مفادها: أرضي ليست للبيع أو القتل أو التهجير.
ب – لبنان اليوم بحاجة إلى لغة دبلوماسية صارمة تهدّد “الإسرائيلي” سياسياً واقتصادياً، وعلى الدولة أن تستثمر علاقاتها الخارجية في تحقيق هذا الهدف ومنع “إسرائيل” من التفرد به.
ج – على الحكومة اليوم أن تكون صارمة في الموضوع الداخلي والعمل على توحيد جميع المواقف، والتي لا تزال تشكل عاملاً خطراً ليس فقط على بيئة معينة بل على كافة مكونات البلد. توحيد الخطاب السياسي الداخلي اليوم هو ما أحوجنا إليه، وهو يشكّل رادعاً قوياً، وعلى الجميع أن يتجنّد في الخدمة للحفاظ على الكرامة والسيادة.
الخلاصة:
أما القصد من وراء هذه المقالة فهو دقّ ناقوس الخطر والقول إن فقدان الردع سيؤدي حتماً إلى فقدان الأمن والحماية، وبالتالي الكرامة الوطنية، وصولاً حتى إلى فقدان الأرض.
كما تهدف المقالة أيضاً إلى الانتقال الفوري من حالة الدفاع والضعف إلى حالة أكثر قوة وفعالية، وذلك من خلال استراتيجية تجمع بين القوة العسكرية والحزم الدبلوماسي ووحدة الموقف الداخلي.
نعم، إن قصة الطفل حسين هي لإنعاش الذاكرة بأن معركة الوجود تبدأ من الإصرار على حفظ السيادة والكرامة، وبالتالي حفظ وصون الوطن.
بيروت في 22/11/2025

الكاتب : نجا حماده الباحث في علم التاريخ.

اقرأ المزيد
آخر الأخبار