لم تكن نساء الساحل السوري يتوقعن أن تتحول حياتهن، بين ليلة وضحاها، إلى كابوس جماعي يُعيد إلى الأذهان أفظع فصول الحروب المعاصرة، فمنذ 8 كانون الأول 2024 وحتى آب 2025، وثّقت بعثة التحقيق التابعة للأمم المتحدة سلسلة من الانتهاكات المروّعة بحق النساء والفتيات، كان أكثرها كثافة في شهر آذار 2025، حين اجتاحت موجة من العنف الممنهج قرى وبلدات تمتد من ريف اللاذقية إلى تخوم حمص.
الأرقام التي كشف عنها التقرير الأممي ليست مجرد إحصاءات باردة؛ إنها خرائط للألم، كل رقم فيها يمثل جسدا وذاكرة وبيتاً فقد الأمان.
فأكثر من200 حالة اغتصاب وعنف جنسي تم تسجيلها، بعضها لفتيات دون الثامنة عشرة، وأحياناً داخل مراكز احتجاز رسمية، حيث يُفترض أن تكون مراكز حماية لا أداة إذلال، وبلغ عدد حالات الخطف نحو1500 امرأة وفتاة، معظمهن من مجتمعات علوية وفي مناطق الساحل وحمص، لتتحول أجسادهن إلى أوراق ضغط في لعبة السلطة والانتقام.
اغتصاب ممنهج… جرح لا يندمل
تحدثت “ريم” (اسم مستعار)، وهي إحدى الناجيات، عبر اتصال مشفر من مكان إقامتها في إحدى دول الجوار، وكانت كلماتها متقطعة، وصوتها يختنق كلما عادت بذاكرتها إلى تلك الليلة، قالت:
“لم أكن أتصور أن العتمة يمكن أن تكون بهذا الثقل… كانوا يضحكون، وكأنهم في وليمة، بينما كنت أنا أختنق تحت أيديهم، لم يتركوني حتى غبت عن الوعي.”
التقرير الأممي أشار إلى أن هذه الجرائم لم تكن أحداثا فردية، بل جرى تنفيذها ضمن أنماط متكررة تؤشر لوجود أوامر أو تسهيلات ضمنية من قيادات ميدانية، ما يجعلها أقرب إلى جرائم ضد الإنسانية.
الخطف: ذروة في آذار
في آذار 2025، شهدت المنطقة ذروة موجة الخطف، إذ سُجلت عشرات الحالات يوميا، ومعظم الضحايا تم نقلهن إلى أماكن احتجاز غير رسمية، أو بيعهن كرهائن مقابل فدية، أو استخدامهن كورقة تفاوض في صفقات تبادل الأسرى.
“سناء”، وهي شابة من ريف حمص، روت أن شقيقتها اختطفت من أمام منزلها عند الفجر، فـ”جاءوا بسيارات لا تحمل لوحات، كانوا ملثمين. لم يطلقوا رصاصة واحدة، لم يصرخوا… فقط أخذوها. وحتى اليوم، لا نعرف عنها شيئا.”
بعثة التحقيق أشارت إلى أن الخطف كان يستهدف النساء على خلفية انتماءات طائفية أو قرابة مع مطلوبين، ما يضيف بُعدا انتقاميا على الجريمة.
الاعتقال التعسفي: السجن بلا تهمة
إلى جانب الخطف، وثّق التقرير298 حالة اعتقال تعسفي بحق نساء، كثير منهن ناشطات أو قريبات لمعارضين، وتم احتجاز بعضهن لشهور دون تهم أو محاكمات، وأحيانا في ظروف احتجاز بالغة القسوة،
وإحدى المعتقلات السابقات، “هالة”، تحدثت عن زنزانة ضيقة في أحد الأفرع الأمنية، حيث “لم يكن الليل يختلف عن النهار، ولا النوم يختلف عن الاستيقاظ، كل ما هناك جدران تتنفس معنا الخوف.”
التعذيب وسوء المعاملة: الأجساد كأدوات رسالة
أكثر من 265 حالة تعذيب سُجلت بحق النساء خلال الفترة نفسها، ومعظمها وقعت في الأفرع الأمنية ومراكز التوقيف.
التقرير الأممي وصف هذه الممارسات بأنها “أدوات لإرهاب المجتمعات” أكثر من كونها أساليب تحقيق، فـ”ليلى”، التي قضت 4 أشهر في الاعتقال، أظهرت لي عبر مكالمة فيديو آثار حروق على ذراعيها، وقالت “كانوا يريدون أن يتركوا أثرا على الجسد، ليبقى شاهدا على ما لا يُقال.”
الابتزاز والاستغلال: الجريمة كخدمة مدفوعة
في خلفية هذه الانتهاكات، برزت عشرات حالات الابتزاز من طلب مبالغ مالية مقابل الإفراج عن معتقلة، أو تسهيل الحصول على أوراق ثبوتية، ووثقت بعثة التحقيق شهادات لأسر دفعت كل ما تملك، فقط لتستعيد ابنة أو زوجة، وأحيانا دون ضمانات على أنهن ما زلن على قيد الحياة.
هذه الجرائم، كما يصفها التقرير الأممي، ليست مجرد “انتهاكات” معزولة، فهي جزء من استراتيجية لإعادة تشكيل المجتمعات عبر تدمير روابطها الداخلية، وتحويل جسد المرأة إلى ساحة معركة رمزية.
في الحروب، تسقط الجدران ويهدم الحجر، لكن تدمير الروح يحتاج أدوات أكثر وحشية، وهذا ما نشهده في الساحل السوري اليوم.

مسؤولية دولية مغيّبة
رغم أن بعثة التحقيق رفعت توصيات واضحة إلى مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان، إلا أن الاستجابة الدولية لا تزال خجولة، وحتى اللحظة، لم يُفتح أي مسار قضائي دولي فعّال لمحاسبة الجناة، ما يترك الباب مفتوحا لمزيد من الجرائم، ويعمّق الإحساس لدى الناجيات بأن العالم يراهن على صمتهن.
أما الناجيات اللواتي تحدثن عبر وسائط آمنة، فأكدن أنهن لا يشعرن بالحماية حتى خارج سوريا، إذ تصل إليهن تهديدات عبر وسائل التواصل، أو عبر أقارب ما زالوا في الداخل.
“الهروب لا يعني النجاة“، تقول ريم، وهي تمسح دمعة نزلت رغما عنها، “أحيانا أشعر أنني ما زلت هناك، في تلك الغرفة، وأن الليل لم ينتهِ بعد.”
نساء الساحل السوري اليوم يحملن في أجسادهن وذاكرتهن قصصا ستبقى محفورة في تاريخ النزاعات، ليس فقط كأدلة على وحشية الحرب، بل كصرخة ضد صمت العالم.
الأرقام في التقرير الأممي هي بداية الحكاية، أما نهايتها، فهي في يد العدالة التي لم تصل بعد.
المصدر: سوريا الغد