قراءات سياسية فكرية استراتيجية

طرابلس ليست “أرضًا مسلوبة”… ولا سوريا الحالية هي “الأصل”

قبل أن ترسم اتفاقية سايكس – بيكو حدودًا مصطنعة، كانت بلاد الشام وحدةً جغرافية وثقافية متكاملة ضمن الوطن العربي، تضم ما نعرفه اليوم بسوريا ولبنان وفلسطين والأردن ولواء إسكندرون. لم تكن تفصل بين هذه المناطق حدود سياسية، بل كانت الشعوب موصولةً ببعضها عبر علاقات تاريخية، واجتماعية، واقتصادية، ودينية، يجمعها نضال واحد ومصير مشترك.
لكن التدخل الاستعماري البريطاني – الفرنسي فرض تفتيتًا ممنهجًا، فقسّم هذا الإقليم إلى كيانات سياسية متعدّدة، لم تُبنَ على إرادة الشعوب، بل صيغت على مقاس المصالح الأجنبية. وُلدت الدول الحديثة في هذه الرقعة – ومنها سوريا ولبنان – كنتائج مباشرة لهذا المشروع التقسيمي.

لا “سلخ” ولا “ضم”: الكل نتاج التقسيم
يتردّد خطاب يعتبر أن طرابلس أو غيرها من المدن اللبنانية “سُلخت” عن سوريا ويجب “إعادتها”. هذا الطرح يغفل حقيقة جوهرية: أن الكيانات الحالية، بكل حدودها، هي ثمرة سايكس – بيكو، وبالتالي لا يجوز اعتبار أحدها “الأصل” والآخر “الفرع”.
الحديث عن “الضم” أو “الاسترداد” لا يخرج عن منطق استعماري، وإن غُلّف بلغة قومية. إنه يعيد ترسيخ واقع التجزئة عبر نزاعات داخلية، بدل أن يكون رفضًا جذريًا لأسس التقسيم.

التحرير… لا الضم
المشكلة ليست في الخطوط الفاصلة بين هذه الكيانات، بل في بنيتها المصطنعة التي كرّستها اتفاقيات الهيمنة. لا يملك أي طرف حق المطالبة بضم جزء من كيان آخر، لأن الجميع وُلد من رحم المشروع الاستعماري نفسه، والجميع يعاني من نتائجه البنيوية.
المطلوب ليس تعديل الخرائط ولا إعادة توزيع الجغرافيا بين الأنظمة، بل كسر منطق التجزئة برمّته. فالوحدة لا تُبنى من خلال الدمج الإداري، بل تُنتزع بتحرّر حقيقي – سياسي واقتصادي – يبني مشروعًا عربيًا على قاعدة العدالة، والاستقلال، والكرامة.

الشعوب أولًا… لا الأنظمة
الوحدة التي ننشدها ليست وحدة سلطات أو أجهزة، بل وحدة شعوب. إنها وحدة تنبع من القاعدة، من الوعي الجماهيري والنضال المشترك، الذي يرفض حدود المستعمِر كما يواجه الأنظمة التي تحرسها.
طرابلس ليست “أرضًا سُلبت من سوريا”، بل مدينة عربية مناضلة، كما سائر مدن الأمة، سُلبت حريتها في ظل نظام دولي قائم على التقسيم والسيطرة.

بين التحرير والوحدة
الكيانات التي صنعها سايكس – بيكو ليست دولًا طبيعية، بل أدوات للتفتيت والإلحاق. وكل خطاب يتمحور حول “السلخ” أو “الضم” إنما يعيد إنتاج منطق التقسيم ذاته. أما الطريق الثوري، فيقوم على تفكيك هذه البُنى التابعة، وبناء وحدة تحررية شعبية، قائمة على الاشتراكية، والديمقراطية، والعدالة.
بلاد الشام كانت واحدة، فقُطّعت عمدًا لمنع نهوضها. وزُرع الاستعمار في قلبها – فلسطين – ليبقى الجرح مفتوحًا، والانقسام دائمًا. لكن الجماهير، في مقاومتها للقهر والجوع والاحتلال، تمتلك الوعي والتجربة والشرعية، لتعيد صياغة مشروع النهضة: مشروع وحدوي، مقاوم، منبثق من الأرض، يُحوِّل الحلم إلى فعل، والشعار إلى برنامج.

  أحمد الشهال | تموز ٢٠٢٥

اقرأ المزيد
آخر الأخبار