يبقى الفشل الأكبر في عالم يفاخر بالتقدم التكنولوجي والقدرة الإنتاجية المذهلة في العجز الأخلاقي عن تحويل هذه الموارد إلى أدوات لإنقاذ الإنسان، فتُخصص الموازنات الكبرى لتغذية آلات الدمار، بينما يُترك ملايين الأطفال دون تعليم، وملايين العائلات دون مأوى، وهذا ليس مجرد خلل في الأولويات، بل نظام اقتصادي يعزز اللامساواة، ويديم المعاناة بشكل ممنهج.
بعين الخبير الاقتصادي الذي يدرك كيف تُوزع الموارد لا وفق الاحتياج بل وفق النفوذ، يبدو مشهد اليوم قاتما، فسباقات السيارات تنال تمويلا يتجاوز ميزانيات وزارات الصحة في دول منهارة، وحروب تُشعل دون حساب لتكلفتها البشرية، ناهيك عن الاقتصادية.
اللامساواة في الإنفاق: حين تُموَّل السرعة أكثر من السلام
في مثال صارخ تبدو سباقات الفورمولا 1 التي أصبحت ظاهرة عالمية جزء من تناقض النيوليبرالية، حيث تحوّلت إلى أحد أبرز أدوات القوة الناعمة لدول الخليج، فتستضيف السعودية وقطر والإمارات هذه السباقات بتكاليف تتجاوز 200 مليون دولار للسباق الواحد، في بنى تحتية مؤقتة غالبا، ومهرجانات إعلامية مكلفة، وبلغ إجمالي إنفاق الفورمولا 1 لعام 2023 ما يقارب 2.6 مليار دولار.
هذا الإنفاق لا يُقارن فقط بأوجه الفقر، بل يظهر كتناقض صارخ عند وضعه جنبا إلى جنب مع ما يُنفق على الحروب والنزاعات. لننظر إلى الجدول التالي:
البيانات المقارنة

الجدول يفضح اختلال الميزان الأخلاقي للعالم، كيف يمكن لمنظومة دولية أن تقبل بصرف 1.2 تريليون دولار على حرب دمرت سوريا على مدى 14 عاماً، ثم تنتهي بسيطرة تنظيم مسلح مصنّف إرهابياً دولياً؟ بل الأكثر فظاعة، أن معظم هذا التمويل جاء بدعم دولي مباشر، وتدخلات إقليمية غذّت النزاع بدلاً من حلّه.
الحرب كاستثمار؟ نعم، ولكن لمن؟
من منظور اقتصادي بحت، يتم التعامل مع الحروب باعتبارها فرصا لخلق الطلب الصناعي والعسكري، وهو أمر يضمن استمرارية النمو في قطاعات معينة (السلاح، البناء، الأمن السيبراني)، لكن هذه “الفرص” تأتي على حساب تدمير رأس المال البشري.
فحرب غزة الأخيرة لم تكن فقط دمارا ماديا بل تدميرا منهجيا للفرص المستقبلية لجيل كامل، وتُقدّر الكلفة الإجمالية لإعادة إعمار القطاع بنحو 15 مليار دولار، في حين أن جزءا كبيرا من الدعم الموجه لـ”إسرائيل” أثناء الحرب خُصّص لتعزيز قدراتها الهجومية لا الدفاعية، ما يطرح تساؤلات حول الأهداف الحقيقية.
أما الحرب الإيرانية – “الإسرائيلية” الجارية اليوم، فهي تجسيد لاقتصاد الحروب الجديد، حيث ضربات دقيقة، وميزانيات ضخمة، وتحالفات دولية، ونتائج غير محسوبة، وستتخطى حسب التقديرات التكاليف اذا استمرت في غضون أسابيع فقط، 30 مليار دولار، وهي مرشحة للارتفاع.
لنتأمل الرقم الذي يبدو بسيطا 175 مليار دولار سنويا، وهو المبلغ الذي حدده البنك الدولي للقضاء على الفقر المدقع حول العالم، وهذا الرقم يُقارَب بسهولة ما أُنفِق في خمس سنوات فقط من الحرب السورية، أو ثلاث سنوات من الحرب في اليمن، أو ميزانية حرب شاملة مع إيران، فمايُهدر في النزاعات يمكن أن يغير مصير مئات الملايين من البشر.

مفارقة الفورمولا 1.. تلميع على أنقاض العالم الثالث
لم تعد الفورمولا 1 رياضة فقط، بل أصبحت أداة سياسية واقتصادية؛ تستضيفها دول تعاني من انتهاكات لحقوق الإنسان، ومن تحديات اجتماعية حادة، لكنها تنفق بسخاء عليها، هذا لا يشكل فقط إخلالا بالعدالة الاقتصادية، بل يعكس النظام التفضيلي القائم على تسليع السمعة الدولية.
في الوقت الذي يُمنع فيه أهالي غزة من مغادرة القطاع للعلاج، أو يُجبر فيه أطفال سوريا على العمل بدلا من الدراسة، تُنفق مئات الملايين على إعداد ممرات سباق لسيارات تتجاوز سرعتها 300 كم/ساعة لمدّة 90 دقيقة.
الحروب القادمة: أين الاقتصاد؟ وأين الأخلاق؟
إذا كان الاقتصاد هو علم توزيع الموارد النادرة لتحقيق أقصى فائدة ممكنة، فإن العالم اليوم يفعل عكس ذلك، فيوزع موارده لتحقيق أقصى ضرر، ويُقصي الفئات الأكثر هشاشة، وهذا ليس انحرافا بسيطا، بل نموذج اقتصادي يستبطن الظلم داخل نسيجه.
إن نظام دولي يسمح بسيطرة جماعات متطرفة على دول، ويكافئ دولًا على شن الحروب، ثم يحتفي بمهرجانات سباقات السيارات، لا يمكن إلا أن يُصنّف كنظام مأزوم أخلاقيا.
يخبرنا التاريخ أن ما من حضارة دامت إذا ما غاب عنها حسّ العدالة، واليوم نحن نعيش في نظام عالمي تآكلت فيه الحدود بين الجريمة والسياسة، بين الترفيه والتضليل، وبين الأمن والاستثمار العسكري، والعالم لا يحتاج مزيدا من الموارد، بل يحتاج إعادة صياغة لأخلاقيات توزيعها، فالمشكلة ليست في ندرة الإمكانيات، بل في وفرة اللاعدالة.
المصدر: سوريا الغد