قراءات سياسية فكرية استراتيجية

جحا والعرس!

ما ان صدرت مراسيم تشكيل الحكومة الجديدة حتى بدأ البعض من المعارضين “للمنظومة” والذين يطمحون حقاً للتغيير (طبعا الكلام لا يشمل من يسمون انفسهم بالتغييريين امثال مارك ضو وعلي مراد ومن هم على شاكلتهم) بالتهليل والفرح متوسمين ان تتمكن هذه الحكومة من احداث تغيير يستجيب لحاجة الناس.
واذا كان من تفسير لفرحة هؤلاء هو ان الذراع الاعلامية للنظام نجحت في احداث خرق جدي في الوعي الاجتماعي، وتكريس مصطلحات في السياسة تعطل العقل النقدي وتسطح الوعي.

مع انطلاق الحركة الاحتجاجية في العام ٢٠١٩ هيمن الخطاب الان جي اوزي على الفضاء السياسي المعارض، وتكشف مع الوقت ان قوى الثورة المضادة (اي القوى المرتبطة بالسفارات وخصوصاً بالاميركيين) كرست فكرتين مترابطتين كشعار لهذه المعارضة : المنظومة والفساد. ورُبط هذا الشعار باطراف معينة من النظام : حركة امل، حزب الله والتيار الوطني الحر، في حين كان سعد الحريري اول الراكبين في مركب “الثوار” ولحقه كل من جنبلاط وجعجع. لا احد يعرف بالضبط حجم الاموال التي انفقها الاميركيون لخوض هذه المواجهة، ولكن الواضح ان اهدافهم (ولما يملكون من قوة) لا علاقة لها ابدا بطموحات الشعب اللبناني.
وهكذا، تكرست فكرة ان المشكلة تكمن في منظومة فاسدة ممثلة بقوى سياسية محددة، ويكفي التخلص من هذه القوى واستبدالها لتُحل المشكلة.

الحقيقة ان لب المشكلة يتمثل ليس فقط وحصراً بطائفية النظام بمقدار ما يمثله البعد الاقتصادي الذي يستعين بالبنية الطائفية للنظام لحماية مصالح البرجوازية المحلية المرتبطة عضوياً بمراكز الامبريالية. وبالتالي، فان مطلب تخطي المحاصصة الطائفية في توزيع المناصب (على اهميته) يبقى مسألة شكلية اذا لم يقترن بخطة اقتصادية مالية تضمن تعزيز الاقتصاد المنتج وتضعف من هيمنة البرجوازية التجارية لصالح تشكل برجوازية وطنية (بمعنى المصالح) مع سياسة حمائية للدولة وبما يكفل الانماء المتوازن ويضبط عملية توزيع الثروة عبر سياسات ضريبية محددة.

ان نواف سلام (مع تشكيلته الجديدة) كما جوزف عون لم يأتيا من بطن حركة شعبية ديمقراطية بل فرضهما الاميركيون بنتيجة الحرب التي شنوها على لبنان وما الحقوه من ضربات للمقاومة، وكما سبق وذكرت، فان اهداف الاميركيين في لبنان لا علاقة لها بطموحات اللبنانيين في التغيير، وعلى الذين يتوسمون خيراً من الحكومة الجديدة انتظار البيان الوزاري، حيث ستبرز تحديات فعلية، منها ما له علاقة بالمقاومة، وهل ان الوزراء “التكنوقراط” سيوافقون على تضمين البيان الوزاري شرعنة ممارسة اللبنانيين للمقاومة وبما يتناقض مع اهداف من اتى بهم (الاميركيون)، هذا اولاً، وثانياً ما هي طبيعة السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي ستلتزم بها الحكومة الجديدة. التغيير الفعلي يكون بالخروج من السياسات النيوليبرالية السابقة التي افقرت معظم اللبنانيين لصالح اقلية لا تتجاوز ٣ بالمئة من اصحاب الرساميل الكبرى.
الواضح حتى الان واستنادا الى “الخبرات” التي يحملها الوزراء الجدد والمواقع التي كانوا يشغلونها (بما فيهم السيدات) انهم من الملتزمين بالسياسات الاقتصادية النيوليبرالية ويبدو ان وظيفة هذه الحكومة ليس فقط التكيف مع المتغيرات الاقليمية باتجاه التطبيع انما ايضا تصفية ما تبقى من القطاع العام وتسليم ثروات البلد النفطية للشركات الاميركية والفرنسية.

واقع الذين يهللون اليوم لهذه الحكومة مثل قصة جحا الذي قرر ان يمزح مع اولاد التقى بهم كانوا يلعبون في الشارع وقال لهم، في منزل فلان يحتفلون بالعرس ويوزعون الحلوى، فركض الاولاد نحو المنزل، وهنا فكر جحا في قرارة نفسه وقال معقول عن جد يكون في عرس سالحق بهم واحصل على نصيبي من الحلوى…

د. طنوس شلهوب

اقرأ المزيد
آخر الأخبار