في كل حروب التحرير تدفع الشعوب اثماناً لا متوازية مع اكلاف الاستعمار، ولأن الشعوب هي صانعة التاريخ، فهي تكون مستعدة لتقديم التضحيات العظام. والاستعداد للتضحية يبدأ بارادة القتال مع الادراك العميق بأن الأثمان ستكون باهظة، وباهظة جداً. واستناداً الى تجارب حركات التحرر، فان قلة من ابناء المجتمع هي التي تبادر وتأخذ على عاتقها مهمة انجاز معركة التحرير وتبدي استعدادها للتضحية انطلاقاً من امتلاكها لوعي تحرري يعكس درجة متقدمة من ردود الفعل الاجتماعية في التصدي لقمع الاستعمار للشعوب المستَعمرة.
بهذا المعنى، فان كل مقاومة هي رد فعل مشروع من قبل الشعوب ضد مشاريع الهيمنة الاستعمارية والامبريالية.
وبالعودة مجدداً الى تجارب التاريخ، فانه في حروب التحرير كانت المجتمعات دائماً تنقسم بين طبقات وشرائح اجتماعية ونخب ترتبط مصالحها ببقاء الاستعمار وبمشروع الهيمنة وافراد حاملين وعي مشوه وهم ضد المقاومة، وهؤلاء عموماً هم السلطة والقوى الرجعية اليمينية، يقابلهم قوى سياسية تحررية ليس بالضرورة ان تحمل مشروعا للاشتراكية، انما في ظروف التحرر الوطني يقتصر مشروعها على اسقاط مشروع الهيمنة لدوافع وطنية وبايديولوجيات مختلفة (قومية، شيوعية، دينية والخ).
هذه المقاربة قد تتسم ببعض الخصوصيات في الحالات التاريخية الملموسة ربطاً بهذه المنطقة او تلك.
ما نشهده في لبنان من انقسام هو كان دائماً من نتاج التركيب البنيوي للنظام السياسي (الطائفي) بحيث انه ومنذ الاستقلال فان السلطة بما تمثل من مصالح طبقية كانت دوماً منحازة لمشاريع الغرب المعادية لحركة التحرر الوطني العربية، وكان هذا الانقسام الداخلي يحتدم مع كل توتر اقليمي دولي، ويخمد عندما ينخفض مستوى التوتر الأقليمي، والمتمثل بالمواجهة بين الانظمة العربية الرجعية التابعة علناً للولايات المتحدة الأمريكية والمتحالفة سراً مع اسرائيل، وبين محور قوى التحرر الوطني المتمثل بالانظمة التقدمية وفصائل المقاومة (الفلسطينية)، ولاحقاً ومع خروج مصر والتحول الذي اصاب منظمة التحرير الفلسطينية، فان قيادة محور المقاومة انتقلت الى ايران مع تراجع المشروع القومي العربي لمصلحة الاسلام الجهادي المعادي لاسرائيل.
وكما على المستوى التسليحي والتكتولوجي، كذلك على الصعيد التعبوي والاعلامي والنفسي، فان المحور الصهيو امبريالي يمتلك من الامكانيات والادوات التي تجعله متفوقاً على حركات المقاومة، والتي تتفوق على العدو بايمانها بعدالة قضيتها.
خلال سنوات الثورة الجزائرية لم تكن حركة التحرر الوطني الجزائرية يوماً متفوقة على الجيش الفرنسي لناحية العدد والسلاح والتكنولوجيا، كذلك الامر بالنسبة للفيتناميين والامثلة عديدة.
ان المقاومة في فلسطين ولبنان تخوض منذ اكثر من عام مواجهة ليس فقط مع الجيش الصهيوني، انما مع تحالف عسكري استخباراتي دبلوماسي اعلامي سياسي مؤلف من الغرب الامبريالي والانظمة الرجعية العربية المطبعة والقوى الرجعية اللبنانيّة، ولكل من اطراف هذا التحالف دورٌ مناط به، بما في ذلك، الحملة غير المسبوقة من التهويل والحرب النفسية عبر اقنية التلفزة العبرية الناطقة بالعربية من محلية واقليمية، التي تروج للسردية الصهيونية مباشرة او مواربة وتستضيف على مدار الساعة خبراء ومحللين “استراتيجيين” ( لا احد يعرف كيفية حصولهم على هذه الالقاب) وجنرالات متقاعدين (لم يخض احداً منهم حرباً ليوم واحد) وخبراء “تواصل اجتماعي” و.. و.. و”سياديين” يقومون ببث السموم والتحريض على حزب الله وحماس وفصائل المقاومة، وبعضهم يذهب لحد الشماتة والفرح لمشاهد التدمير والابادة التي يقترفها الصهاينة في مدننا وقرانا وبلداتنا.
في العام ١٩٨٢، عندما احتل الصهاينة بيروت وارتكبوا بمعاونة حلفائهم “السياديين انذاك” مجزرة صبرا وشاتيلا بالرغم من ضمانات المفاوض الصهيو-اميركي فيليب حبيب بحماية المدنيين في المخيمات بعد خروج فصائل الثورة الفلسطينية من لبنان الى تونس، انطلقت اوسع مقاومة وطنية للاحتلال في ظروف تحالف قوى داخلية مع الصهاينة ووصول بشير ثم امين الجميل لرئاسة الجمهورية وانتصرت هذه المقاومة بكنس الاحتلال في العام ٢٠٠٠ بعد ١٨ عاما من المقاومة العسكرية والتضحيات والشهداء والجرحى والمعتقلين.
وفي العام ٢٠٠٦ وبالرغم من التدمير الوحشي للبنية المدنية والقتل والتهجير والانقسام الداخلي فان الجيش الصهيوني مني بهزيمة ومع ذلك اصرت القوى الداخلية المعادية للمقاومة، بسبب الدمار الهائل الذي الحقه العدو بمدننا وقرانا، على اعتبار ان اسرائيل انتصرت.
ان المقاومة في المواجهة الكبرى الجارية اليوم ستنتصر لانها تمثل ارادة الشعب، ولان ارجل المقاومين مزروعة في الارض كالجبال، يستشهدون ولا يتراجعون، وهؤلاء الابطال تربوا في كنف امهات لا يبخلن باولادهن دفاعاً عن الوطن والارض وفلسطين.
لن يتوقف المفاوض الصهيو-اميركي هوكشتين “حبيب” عن المجيء والذهاب، وفي كل مرة سيضطر لتخفيض سقف شروطه كلما تعثر الجيش الصهيوني في الجنوب وكلما ازداد عدد الجنود الصهاينة العائدين افقياً من ارضنا الطيبة. وعلينا توقع المزيد من وحشية القصف والقتل والتدمير، ومع ذلك، فان شعبنا مثل كل شعوب العالم المناضلة في سبيل التحرر يريد الحياة ويتوق للحرية، واذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر.
د. طنوس شلهوب