قراءات سياسية فكرية استراتيجية

كيف استخدمت واشنطن الحركات التكفيرية والإسلاموفوبيا لتحقيق أهدافها؟

خلال القرنين الماضيين، كان الإسلام هو الهوية الثقافية التي تم التلاعب بها من قبل الأنجلوسكسونيين، وبشكل رئيسي من قبل البريطانيين، ثم الأميركيين، فقد كان لدى الولايات المتحدة الأمريكية – خلال القرن التاسع عشر وصولًا إلى تفاعلات الحرب العالمية الأولى- إستراتيجية قومية أرخت بظلالها على المسار الذي انتهجته الولايات المتحدة ما أعطى لشأنها الداخلي أولوية أكبر بكثير من الاهتمام بالشؤون الخارجية، سُميت هذه الإستراتيجية بـ “البناء الفارق” التي انعكست في إقامة حكومة وطنية قومية وتثبيت النظام الداخلي للسلطة السياسية، فضلًا عن توسيع النشاطات الاقتصادية، وزيادة القدرة الصناعية للبلاد.

وسرعان ما تجلت آثار هذه الإستراتيجية في تدعيم قواعد الثقافة الأمريكية، وتطوير البنية التحتية الوطنية للاقتصاد الأمريكي. وقد برهن انتصار الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الأمريكية الإسبانية في نهاية القرن التاسع عشر على أن الولايات المتحدة أصبحت قوة عالمية[1].

وبات التنافس بين البريطانيين والأميركيين معنوناً بأغراض جيوسياسية؛ فبسبب تنافسهم مع روسيا خلال القرن التاسع عشر على الهيمنة العالمية، استخدم البريطانيون الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الفارسية والخانية الأفغانية كحاجز بين منطقة سيطرتهم في الهند والمحيط الهندي من ناحية وروسيا من ناحية أخرى، من أجل منع روسيا من التوجه جنوباً نحو المحيط الهندي والهند. وقد اعتمد البريطانيون هذه الاستراتيجية خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين كجزء من خطتهم لدق إسفين بين الروس من جهة والعالم العربي الإسلامي من جهة أخرى.

أما في أميركا فلم يتم التلاعب بالهوية الإسلامية وحسب بل بالهوية العربية أيضاً حيث تعد الصورة النمطية السلبية للإنسان العربي المسلم من أهم الصور التي تتناقلها السينما الأمريكية منذ أكثر من قرن وتروج لها من خلال أفلامها التي لم تترك بمؤثراتها وتقنياتها مجالاً للتفكير، فقد قدمت السينما للمشاهد في أغلب الأحيان صورة استشراقية مشوهة للمسلم من خلال سياق بصري ممتع جداً يجعل المشاهد يستقبل ما يراه باعتباره حقيقة لا تترك مجالا للتفكير أو التشكيك بها منكرين من خلالها فضل المسلمين على مر العقود، ومتجاهلين الفرق بين الإسلام والإرهاب، وبين المسلم والعربي، متغافلين عن المرجعية الحقيقية لديهم، مشددين على الدلالات التي تهدم ولا تبني.

هذه النظرة الأميركية تجاه الهوية الثقافية للعرب بشكل خاص وللإسلام بشكل عام دفعت إلى تعمق حالة العداء تجاهها لدى الشعوب العربية والإسلامية ونمو القوى المعادية لأميركا وإسرائيل بإطراد أمام ضعف الجيش الأميركي عن الحضور الميداني لأسباب عسكرية واقتصادية، الأمر الذي دفع بالولايات المتحدة وحلفاؤها وتوابعها الإقليميين إلى اتباع سياسة مثلثة الأبعاد:

أولاً، الحاجة لجيوش بديلة يمكنها القيام بمهام استراتيجية أو تكتيكية، تطبيقاً للاستراتيجية الأميركية المتمثلة بـ”الحرب الهجينة” أو “الحرب اللامتماثلة وهو جيل جديد من الحروب أوجدته الولايات المتحدة الأميركية فحواه تقوم على الحروب الوكالة واستهداف المجتمعات من الداخل وتفتيتها دون الحاجة إلى إرسال جيوشها.

ثانياً، صعوبة المواجهة المباشرة مع الجماعات التكفيرية التي استطاع بن لادن بشكل مؤقت في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الثانية دفعها نحو قتال العدو البعيد والحاجة التي نشأت بعد 11 أيلول إلى إعادتها نحو إيديولوجيتها المفضلة في استهداف العدو القريب والأعداء المحليين.

ثالثاً، احتاجت المنظومة الغربية إلى مبرر للتدخل العسكري في كثير من الأحيان وكذلك إلى عقد اتفاقات (أمنية، اقتصادية…) بعيدة المدى مع الدول المستهدفة بالإرهاب التكفيري، ولذلك أتيح المجال لحضور التفكيريين لتبرير التدخل كما هي الحال في العراق 2003 وفي ليبيا عام 2010 وفي سورية عام 2011 وغيرها من التدخلات التي عنونت بـ”الربيع العربي”، ناهيك عن حاجة أميركا والدول الغربية لتصدير العناصر التفكيرية الناشطة على أراضيها والتخلص منها.

في المقابل وجد حلفاء أميركا الإقليميون في الاستراتيجية الأميركية السالفة الذكر انعكاس لرغبتهم في تنفيس الضغط الداخلي الذي تشكله الحركات التكفيرية الانقلابية الطابع، وحل المشاكل الفقهية في التعامل مع هذه الجماعات التي تخفف من خطابها التكفيري تجاه الأنظمة عندما تجد نطاقاً مناسباً لحراكها خارج الدولة الأم. فوجدت الدول العربية والإسلامية الحليفة للولايات المتحدة الحاجة إلى التخلص من البنى التنظيمية التكفيرية أو إضعافها بأكبر قدر ممكن من خلال دفعها إلى مناطق قتل وكمائن استراتيجية كما فعلت السعودية عام 2003 حيث صدرت مشكلتها مع القاعدة نحو الأراضي العراقية، وتخلصت من الأزمة الخانقة آنذاك. الدافع الأخير لدى هذه الدول للمساهمة في استراتيجية التحكم غير المباشر ذو بعد اقليمي يتعلق بتوظيف تلك الجماعات لتحقيق أهداف سياسية إقليمية كما هي الحال في سوريا منذ 2011.

وبطبيعة الحال، أوجدت الجماعات التكفيرية بطبيعتها الخاصة القابلية لممارسة هذه الاستراتيجية تجاهها، فبعدائيتها وتكفيرها للجميع وحتى تكفيرها لبعضها بعضاً وجدت نفسها قابلة للتوجه في أي اتجاه ممكن ومتاح، وبتشرذمها الفكري والفقهي وفقدان القيادة والاستراتيجية الموحدة أوجدت قابلية اختراق بنيتها وتوجيهها بشكل متفرق، كما أنها تعاني كذلك من الضعف الشديد في الوقاية الأمنية ما سهل عمليات التجنيد والاختراق الاستخباري، ونتيجة الضغط الأمني والسياسي الذي تتعرض له الجماعات التكفيرية كانت في أغلب الأحيان في حالة البحث عن أي متنفس يتاح لها، خصوصاً أن خطابها يحمل أهدافاً طموحة جداً بالمقارنة مع قدرتها والنطاق الضيق الذي تتحرك فيه[2]، أضف إلى ذلك وجود مشكلة رئيسية تتعلق بالتمويل وهو فقدانها لدولة اسلامية مستقلة داعمة توفر لها ما تحتاجه من المال، لذلك تعتمد على الدول التابعة للولايات المتحدة حصراً مثل السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة وتركيا وباكستان.

الإستراتيجية الأميركية خلال الحرب الباردة

في الفترة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، نادرًا ما تدخّلت الولايات المتحدة في شؤون النصف الشرقي من الكرة الأرضية. لكن اعتبارات الحرب الباردة فرضت على الولايات المتحدة تغيير استراتيجيتها في المنطقة العربية، فزادت صعوبة التوفيق بين المصالح والقيم الأميركية، ما أوجَد أبعادًا سلبية في العلاقات العربية – الأميركية.

بعد الحرب العالمية الثانية، نظرت الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط كجزء من استراتيجيتها المتكاملة لعزل وحصار الاتحاد السوفياتي وكتلة الدول الاشتراكية، في محاولة منها لمنع هذه الكتلة الأوراسية الضخمة من الوصول إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، وكذلك إلى المحيط الهندي وطرق التجارة البحرية.

والجدير ذكره أن الشرق الأوسط، الممتد من شواطئ المحيط الأطلسي في الغرب إلى حدود الصين في الشرق، كان يخدم الاستراتيجية الأميركية القائمة أيضاً على منع أوروبا من الوصول إلى أفريقيا أو أداء دور مستقل عن الولايات المتحدة في الساحة الدولية. ولهذا الغرض، استخدمت الولايات المتحدة الإسلام السياسي الراديكالي المعروف بالحركات التكفيرية كأداة في استراتيجيتها لشن حرب القوة الناعمة ضد أوروبا، وأيضاً روسيا، عبر محاولة التأثير في السكان المسلمين في القوقاز وآسيا الوسطى اللتين كانتا تحت الحكم السوفياتي. لذلك، كان هذا جزءاً من استراتيجية واشنطن لتقويض الاستقرار في الاتحاد السوفياتي من خلال بطنها الرخو المتمثل بآسيا الوسطى، كجزء من محاولتها للانتصار في الحرب الباردة، وهو ما فعلته في النهاية.

ومن الجدير بالذكر أنَّ هذا الإسلام الراديكالي التكفيري استخدمته الولايات المتحدة أيضاً لمواجهة الأحزاب التقدمية القومية واليسارية في جميع أنحاء العالم العربي التي كانت مناهضة للإمبريالية. ولهذا الغرض، نرى أن الأميركيين استخدموا الحركات التكفيرية ضد الأنظمة العربية التقدمية مثل مصر عبد الناصر خلال الستينيات أو سوريا الأسد خلال السبعينيات والثمانينيات، أو العراق، أو النظام الاشتراكي العلماني في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي.

إضافة إلى ذلك، عادت الولايات المتحدة أيضاً إلى هذه الاستراتيجية المبنية على تعاليم الحكم الاستعماري البريطاني الذي كان أول من رعى الحركات التكفيرية في مصر وسوريا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي كجزء من استراتيجيتها لتعزيز نفوذها ضد القوميين واليساريين، وأيضاً ضد حزب الوفد ذي الشعبية الكبيرة في مصر خلال العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي.

كذلك، فهي دعمت جماعات صنفت على أنها إسلام سياسي في سوريا خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي في مواجهة سلطات الانتداب الفرنسي في سوريا من جهة أخرى، وأدى ذلك إلى خلق نسخة أنجلوسكسونية من الحركات الإسلامية، وهي تلك التي ستتخذ طابعاً تكفيرياً، وستشكل وفقاً لبنية تتناسب مع المصالح والأجندة الجيوسياسية لبريطانيا العظمى، ومن ثم الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ولفهم الاستراتيجية الأميركية خلال الحرب الباردة لا بدّ لنا من التطرق نحو الإسلام الراديكالي ودور الحرب الباردة في نشأة التيارات الراديكالية، ففي السنوات الأخيرة، حلل عدد متزايد من الباحثين أحداث الحرب الباردة من خلال عدسة متداخلة؛ فبدلاً من التركيز على أحداث الصراع نفسه، بدأ العلماء “يفهمون الصراع من خلال دراسة كيف جرت أحداثه في المحيط الخارجي”، والشرق الأوسط هو واحد من هذه المناطق الخارجية، وبالرغم من عدم وجود صراعات ساخنة مرئية بين القوى العظمى في المنطقة، فإن نظرة فاحصة على السياسات الخارجية لكل من الولايات المتحدة وروسيا السوفيتية تجاه الشرق الأوسط تظهر أن العديد من المعارك الدبلوماسية كانت تدور رحاها لتطحن معها المنطقة[3].

أولاً: الإسلام الراديكالي والجماعات التكفيرية

أثارت السلوكيات الغربية المتناقضة في التعامل مع الحركات التكفيرية إلى الكثير من الشكوك والأسئلة والإشكاليات حولها، فمن الاستثمار في أفغانستان في أواخر السبعينيات إلى الحرب عليها في جزيرة العرب في التسعينيات، ومن ثم محاربتها في أفغانستان عام 2001 وفي العراق بعد غزو عام 2003 وصولاً للعودة إلى الاستثمار في سوريا 2011، وظهور تنظيم “داعش” الإرهابي، فتعددت وجهات النظر والتحليلات التي ترتكز على نماذج ذهنية جامدة نسبياً لا تستطيع مجاراة المرونة والتجزئة البراغماتية التي ينشغل بها العقل الغربي، أضف إلى ذلك اصطفاف الجماعات التكفيرية في كثير من الظروف في الخندق الغربي وهو ما دفع القوى المعادية لها إلى اتهامها بالعمالة الوظيفية.

وهذه العمالة الوظيفية أو الدور الوظيفي الذي تقوم به الجماعات التكفيرية بتنفيذ الأجندة الغربية وفق منظومة إدارة وتحكم غير مباشر في معظم الأحيان، وذلك بسبب الاضطراب الإيديولوجي والاستراتيجي الذي تعاني منه هذه الجماعات، أضف إلى ذلك حساسية بنيتها وبيئتها الحاضنة والاستقطابية تجاه الاتصال بالأميركي ناهيك عن التحالف معه، وهذا ما تظهره تقلبات تلك العلاقة من عام 1979 وحتى الآن، أما العامل المغذي لهذه الشكوك فيتمثّل بالدفاع المستميت من قبل هذه الجماعات تجاه أي اتهام بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية أو أي من الدول التابعة لها أو الدائرة في فلكها.

ثانياً: أهمية الشرق الأوسط الجيوستراتيجية

قبل الحرب العالمية الأولى اتسم الوضع الدولي بالصراع بين الدول الاستعمارية الكبرى على التوسع خارج أوروبا والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها البلاد العربية، طمعاً بموقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية. وكانت بريطانيا آنذاك تتمتع بقوة عسكرية واقتصادية جعلتها تفرض سيادتها على البحار وعلى بعض المناطق الاستراتيجية كمصر والسودان والخليج العربي والجزء الجنوبي من العراق. أما فرنسا فقد اكتفت بفرض نفوذها على سوريا ولبنان، وانقسمت إيران بين النفوذ البريطاني جنوباً والنفوذ الروسي شمالاً. أما الولايات المتحدة الأميركية فكانت خلال هذه الفترة مشغولة بالتوسع في الداخل نحو الغرب والشرق الأقصى. وكانت شركاتها تسيطر على الجزء الأكبر من النفط المنتج في العالم آنذاك. لذلك لم يكن الشرق الأوسط يحظى بالاهتمام الأميركي إلا في بعض الشؤون التجارية والسياسية[4].

وبالرغم من ذلك إلا أن منطقة الشرق الأوسط أخذت حيز كبير من الاهتمام الأميركي (خاصة بعد الاكتشافات النفطية) وتكمن أهمية المنطقة كونها منطقة عبور دولية هامة، باعتبارها المجال الذي تلتقي فيه قارات أوروبا وإفريقيا وآسيا، الذي يعيش فيه أكثر من ثلاثة ارباع سكان الكرة الأرضية ويضم أكبر ثروة نفطية في العالم. فهي وشريان حيوي للتجارة العالمية. إن كل هذه العوامل جعلت من منطقة الشرق الأوسط مجالا إستراتيجيا حيويا للقوى الصناعية الرأسمالية الغربية، لأنه يُؤّمن في السلم والحرب، تدفق النفط والاستثمارات و المواد الأولية، إلى جانب الممرات المائية والبحار والقواعد العسكرية التي تقوم بدور مهم في توسيع القدرة للسيطرة على العالم.

وبالنظر إلى الموقع الاستراتيجي الهام الذي تحتله هذه المنطقة، قامت الولايات المتحدة بربط أمنها القومي بأمن الشرق الأوسط، إذ يشكل قاعدة أساسية في سياستها الكونية، بل وتعتبر أنّ أمن واستقرار هذه المنطقة جزء لا يتجزأ من الرفاه الاقتصادي والاستقرار السياسي للعالم بأسره.

ورغم أن الأهمية الجغرافية للشرق الأوسط، وكذلك الأهمية التجارية والعسكرية لحقول بتروله الوفيرة قد اتخذت بعدا إستراتيجيا أثناء الحرب الباردة، لكن المصالح الإستراتيجية والاقتصادية والسياسية الحيوية لأمريكا في المنطقة لم تعرف تغيرًا بعد الحرب الباردة. وباعتبارها أولوية الأولويات بالنسبة للولايات المتحدة فقد حاولت إعادة طرح “المشروع الشرق أوسطي” وما جاء على لسان كوندليزا رايس في العام 2006 تعليقاً على الحرب الإسرائيلية – اللبنانية بأن ما تشهده المنطقة هو “مخاض شرق أوسط جديد” على أسس جيواستراتيجية وجيواقتصادية جديدة، كجزء من رؤية إستراتيجية أمريكية شاملة لإدامة هيمنتها على العالم لأطول فترة ممكنة مع منع ظهور قوى منافسة لها، والحفاظ على مكانتها كقوة عظمى وحيدة في ظل العولمة[5].

ثالثاً: تاريخ الصراع الدولي على منطقة الشرق الأوسط

تجدر الإشارة إلى أن الصراع الدولي على منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها الأقطار العربية، كان سابقاً لظهور النفط فيها، وكانت دوافع الصراع آنذاك تنحصر في السيطرة على الموقع الاستراتيجي المميز لهذا الجزء المهم من العالم. وقد لخص الكاتب الألماني “أرنست جاخ” هذه الأهمية الاستراتيجية لموقع هذه المنطقة بقوله :”إن الحرب تأتي من الشرق والحرب ستندلع بسبب الشرق، وتحسم في الشرق”[6].

وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، كتب أحد المحللين عن «استراتيجية الحلفاء» في الشرق الأوسط بحثاً جاء فيه أن هذه المنطقة تحتل اليوم مركزاً رئيسياً في الاستراتيجية العالمية، فطرق النقل تخترقها براً وبحراً، مما يوفر نقل الجيوش والمعدات من جبهة إلى أخرى. كما تخترقها أيضاً طرق المواصلات التي تضمن تنسيق العمليات المختلفة لجيوش الحلفاء. ولذا فإن منطقة الشرق الأوسط تعتبر حجر الزاوية في خطط الحلفاء الدفاعية [7]. أما الجنرال الأميركي بروس بالمر (الابن) فإنه يرى أن “منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق استراتيجية في العالم، ليس بسبب الكميات الضخمة من النفط التي فيها، وخصوصاً في حوض الخليج الفارسي، بل أيضاً بفضل موقعها الجغرافي. فالطرق الجوية والبحرية العالمية تقطع المنطقة التي تشكل جسراً أرضياً بين كتلة أراضي أوراسيا والقارة الإفريقية[8] .

في المحصلة، فإن هذه الأقوال تدل على مدى الأهمية البالغة التي تمتاز بها منطقة الشرق الأوسط عامة والمنطقة العربية خاصة، من حيث الموقع الاستراتيجي الذي يشكل الشريان الرئيس للمواصلات بين الشرق والغرب، إلى جانب ما تمثله من مصالح حيوية وخيرات كثيرة وسوق اقتصادية واسعة.

رابعاً: أهمية النفط في الصراع

بدأت عمليات التنقيب عن النفط في منطقة الشرق الأوسط، مع اتضاح أهميته سواء بالنسبة لمستقبل النهضة الصناعية في أوروبا أو للأغراض الحربية بعد أن نجحت التجارب العملية في إثبات صلاحية النفط وتفوقه على الفحم في تشغيل المصانع وتسيير السيارات والأساطيل الحربية. منذ ذلك الوقت بدأ التناحر بين القوى الكبرى على مصادر النفط الخام باعتبار أن من يسيطر على هذه المادة الحيوية يملك القدرة على الانتصار في أي حرب قادمة . وكانت بريطانية السباقة من بين الدول الكبرى إلى فتح باب الصراع العالمي على النفط، كما كانت أول من سعى إلى الحصول على امتيازات التنقيب خارج حدودها الإقليمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي أثبتت الأبحاث وجود النفط فيها. ولم تكن بريطانيا الدولة الوحيدة في هذا الميدان، فقد كانت هناك ألمانيا وفرنسا، وكانت أيضاً الولايات المتحدة الأميركية رغم سياسة العزلة التي ألزمت نفسها بها في تلك المرحلة من التاريخ.

ولكن اكتشاف النفط في هذه المنطقة أضاف بعداً جديداً لأهميتها الاستراتيجية، فمنذ اكتشافه في أوائل هذا القرن، اشتد الصراع الدولي على هذه المنطقة، خصوصاً بعد أن اتخذ قائد البحرية البريطانية، ونستون تشرشل قراره عام 1910 باعتماد النفط بديلاً للفحم كوقود للأسطول البريطاني، وبعد أن ظهرت محرّكات الاحتراق الداخلي في السيارات والطائرات عام 1930 واكتشفت أساليب جديدة للتشحيم والتزييت. ثم استشرى هذا الصراع بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي وصفت بحق “حرب البترول” وعاد الموقع الجغرافي للشرق الأوسط والمنطقة العربية يؤكد أهميته في عملية توزيع النفط .[9]

وإذا كانت قيمة الشرق الأوسط وأهميته الاستراتيجية قد تراجعتا إلى حد ما بالنسبة إلى أرضه كمرتكز للصراع الدولي بسبب التقدم التكنولوجي في المواصلات والاتصال والصواريخ العابرة القارات، فإن النفط يبقى المحور الأهم في هذا الصراع. فهو السلعة الأولى في التجارة الدولية، وهو مصدر الإنتاج الصناعي والزراعي والعسكري، وعنصر حيوي من عناصر الحياة اليومية. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن نفط الخليج العربي يستحوذ على الاهتمام الدولي ويخضع للاعتبارات السياسية والاستراتيجية، ربما أكثر من النفط في أي موقع آخر نتيجة غزارة احتياطيه واتساع استخداماته وظروفه الأمنية وتزايد الاعتماد عليه. لذلك ظل النفط العربي في الخليج الهدف الأساسي وراء كل المطامع والصراعات الاستعمارية في المنطقة، وسيكون بعد وقت قريب المصدر الوحيد بعد أن تشرف منابع النفط على النضوب فى الدول الصناعية الكبرى. فلا عجب، إذاً، أن تتتهالك عليه الأمم وتسعى بشتى الطرق للسيطرة عليه والتحكم في مصادره وممراته المائية. هذا ماأكده نيكسون، رئيس الولايات المتحدة الأسبق، حين قال: “إن الشرق الأوسط نقطة تجتمع فيها مصالح الدول الكبرى، وبسبب الأهمية الاستراتيجية للمنطقة فإن الدول الأجنبية استمرت في التدخل فيها وبشكل تنافسي أحياناً[10]. وتكرر مثل هذا القول على لسان الرئيس الصينى ماوتسي تونغ : “إن حرب الشرق الأوسط كانت حرباً من أجل البترول، وستظل القيمة الاقتصادية لهذا المعدن سبباً من أسباب الصراع الدولي في المنطقة”[11].

الأهمية الجيوبوليتيكية للعالم العربي في الاستراتيجية الأميركية

يبدو أن العالم العربي والشرق الأوسط بغناه بثرواته لا يحظى فقط باهتمام الولايات المتحدة وإنما يمتلك مفاتيح أساسية في التنافس الجيوبوليتيكي الأميركي – الروسي، فالدول العربية تطل على المضائق المتحكمة في حركة الملاحة البحرية الأهم في العالم المتجهة من الشرق الأوسط شرقاً إلى أوروبا غرباً، أي في مضائق هرمز، باب المندب، وقناة السويس، حيث تشكل هذه المضائق عاملاً حاسماً مهماً في واقع الجغرافيا السياسية للعالم العربي، كونه يحتل موقعاً جغرافياً يقع في ملتقى قارات ثلاثة من قارات العالم ويتحكم في أهم طرق التجارة العالمية برأ وبحراً وجواً، مما يجعل من العالم العربي أرضاً للتنافس بين القوى العظمى[12].

ونتيجة لهذه الأهمية دخلت الولايات المتحدة الأميركية في سعيها لإحكام السيطرةعلى الشرق الأوسط بداية من العالم العربي، وذلك بهدف بناء نظام إقليمي جديد انطلاقاً من رؤية سياسية غير تقليدية تتميز بالتواجد العسكري المباشر في بعض الدول العربية حيث يهدف هذا النظام الإقليمي الجديد إلى “عسكرة العالم العربي” وإعادة تشكيل نظام الأمن الدولي بما يخدم المصالح الأميركية[13] .

فيما يحاول النظام الإقليمي الجديد العمل ضمن استراتيجية تحييد القوى المنافسة للولايات المتحدة الأميركية. هذه الاستراتيجية الأميركية تعود أصلاً إلى فترة ما قبل انتهاء الحرب الباردة، وهي كانت ومازالت تهدف إلى الإبقاء على الهيمنة الأميركية الكاملة على العالم العربي والتي عملت على تحقيقها عبر ما يلي:

إعادة رسم الملامح والخصائص السياسية في دول العالم العربي كي تصبح أكثر انفتاحاً وديمقراطية، باعتبار أن ذلك يشكل ضمانة أميركية هامة لعدم تكرار سيناريوهات ومشاهد أحداث 11 أيلول 2001، وبالتالي السعي التحضير قيام أحداث “الربيع العربي”، على أن يؤدي ذلك إلى الحيلولة دون ظهور أي تيارات أو قوى سياسية مناوئة للولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي ضمان عدم ظهور قوى منافسة للهيمنة الأميركية على العالم العربي[14]
دعم التواجد العسكري الأميركي بصورة شبه مطلقة في العالم العربي ومحاصرة النفوذ والتواجد الروسي والحيلولة دون توسعه وانتشاره والعمل على تقليصه ومحدودية دوره.
استكمال عملية استقطاب دول العالم العربي في اتجاه النفوذ الأميركي والعمل على دعم الأنظمة السياسية ذات العلاقة الوثيقة بواشنطن والعاملة على تنفيذ سياساتها[15] .
وشكلت أحداث الربيع العربي بداية الحقبة جديدة في منطقة الشرق الأوسط حيث وصف الرئيس الأميركي باراك أوباما هذه التحولات “بالفرصة التاريخية للولايات المتحدة الأميركية” وأنها تنسجم انسجاماً كلياً مع الأهداف العليا لأمركة العالم[16] .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الفرصة التاريخية الأميركية تقوم على أساس أن بنية الأنظمة الإقليمية العربية أصبحت لا تساعد على القيام بالوظيفة المطلوبة أميركياً مما يستوجب إخراجها من دائرة الفعل بتدميرها وإدخال مقدراتها في عملية “الفوضى الخلافة” كخيار بديل عن الاستقرار الذي لا يتسق مع ديناميات الخطط الأميركية المرسومة للجيوبوليتيك العالمي[17] . وتأكيداً على الدور الأميركي في قيام ما سمي بالربيع العربي” فقد نشر مركز بيتسبورغ لدراسات الشرق المعاصر تقرير مفصّل في 21 آذار 2011 حول الدور الأميركي في قيام ما سمي “الربيع العربي”[18]، والذي تحدث عن أن مجموعات أميركية متخصصة ساعدت على تغذية الاضطرابات العربية من خلال برامج التدريب والتمويل والرعاية التي قدمتها للنشطاء الديمقراطيين في العالم العربي خلال طيلة السنوات الماضية، بالإضافة إلى تعبئة وإدارة الاحتجاجات من خلال شبكات التواصل الاجتماعي[19]

وكانت الإدارة الأميركية قد أعلنت “جهاراً نهاراً” عزمها إقامة شرق أوسط جديد”[20] ثم “كبير” ثم “أكبر وموسع”. وأعلنت خارجيتها تحديداً على لسان الوزيرة كوندوليزا رايس “استخدام الفوضى الخلاقة لتحقيق الأهداف الأميركية المتعلقة بنشر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان”، في هذا الجزء من العالم[21]. وبحسب رأي العديد من الباحثين المتابعين، فإن ما حدث في العالم العربي من تحولات إنما يدخل ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير انطلاقاً من منظور “الفوضى الخلاقة” التي تعد إحدى أعمدة التدخل الخفي للولايات المتحدة الأميركية لرسم الخريطة الجديدة للمنطقة بعيداً عن أي منافس خارجي محتمل. ولعل أبسط تعريف اصطلاحي لتعبير الفوضى الخلاقة هو أنها “حالة سياسية أو إنسانية يتوقع أن تكون مريحة بعد مرحلة فوضى متعمدة الأحداث، ولذلك فهي إحداث متعمّد لفوضى بقصد الوصول إلى موقف أو واقع سياسي يرنو إليه الطرف الذي أحدث الفوضى”.

إنها أقرب إلى مفهوم “الإدارة بالأزمات” المتعارف عليه في هذا المضمار، أي افتعال الأزمة أولاً، ثم العمل على إدارتها بالتدريج لبلوغ مصالح محددة سلفاً. إنها تفكيك المنظومة المعنية بطريقة تتيح الولوج إلى مكوناتها الأساسية وكافة عناصرها الصلبة والرخوة سعياً لتقويضها جزئيا أو كليا وإعادة تشكيلها محدداً بما يخدم تلك المصالح حالاً أو في المدى المنظور. وليس من المبالغة القول إن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ومن قبله دونالد ترمب إنما هي امتداد لنفس السياسة الخارجية الأميركية المعروفة، ولمنطق الفوضى الخلاقة الذي يعمل بداخلها منذ نهاية القرن الماضي على الأقل: إعمال الفوضى لتعظيم المكاسب الأميركية. صحيح أن أعين الإدارة الأميركية الجديدة “مفتوحة” على كل مناطق وجهات العالم المنافسة لمصالحها، لكنها “متفتحة” أكثر على منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي وإيران وبشكل خاص بعد عملية “طوفان الأقصى” وتداعياتها الجيوبولتيكية والأمنية والتي مست بأمن إسرائيل ووجودها.

الإستراتيجية الأميركية بعد الحرب الباردة

بعد انتهاء الحرب الباردة، أرادت الولايات المتحدة السيطرة على منطقة الشرق الأوسط الممتدة من شواطئ المحيط الأطلسي غرباً وصولاً إلى حدود الصين شرقاً، وذلك من أجل السيطرة على المنطقة التي تتقاطع بها الطرق الدولية الكبرى البرية والبحرية، وهذا يخدم الاجندة الأميركية، فعبر السيطرة على المنطقة التي تتقاطع فيها طرق التجارة العالمية، يمكن للولايات المتحدة السيطرة على التجارة الدولية، وبالتالي فإن هذا يخدم استراتيجيتها القاضية بالهيمنة على العالم.

ولهذا الغرض، لم تكن واشنطن تريد السيطرة على هذه المنطقة فحسب، بل حاولت أيضاً الترويج لنوع معين من الإسلاموفوبيا هذه المرة كجزء من خطتها لخلق أسطورة معينة مفادها أن هناك تهديداً قادماً من الإسلام ضد الحداثة وضد الحضارات الأخرى المجاورة لها، مثل أوروبا الكاثوليكية والبروتستانتية، وروسيا الأرثوذكسية، والصين الكونفوشيوسية، والهند الهندوسية، وأفريقيا المسيحية جنوب الصحراء الكبرى، من أجل تعزيز استراتيجيتها التي تهدف إلى دق إسفين بين أوروبا وشمال البحر الأبيض المتوسط من جهة، وأفريقيا وجنوب البحر الأبيض المتوسط في الجانب الآخر، وهذا ما نستشفه من كتاب صامويل هنتنغتون حول صراع الحضارات، وكتابات برنارد لويس المعادية للإسلام والمحذرة من عنف متأصل في الدين الإسلامي.

استخدام الإسلاموفوبيا ضد أوروبا

كان من شأن هذا أن يخدم غرض الولايات المتحدة المتمثل في عزل أوروبا عن الوصول إلى أفريقيا، بحيث تضطر أوروبا إلى الحصول على موافقة واشنطن من أجل الحفاظ على نفوذها في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

إضافة إلى ذلك، أرادت الولايات المتحدة استخدام الشرق الأوسط كجزء من استراتيجيتها لتحويل انتباه الأوروبيين الغربيين من أفريقيا إلى أوروبا نفسها، وكان هذا هو السبب الذي دفع الولايات المتحدة إلى الترويج لأجندة أدت إلى حرب أهلية في يوغوسلافيا السابقة باستخدام الإسلاميين المتطرفين في الحرب ضد صربيا ويوغوسلافيا، والتي أدت في النهاية إلى تفكك يوغوسلافيا إلى دول مختلفة، وإنشاء البوسنة والهرسك تحت الحماية الأميركية.

والجدير ذكره أن منطقة البلقان ينظر إليها جيوسياسياً على أنها امتداد للشرق الأوسط بحكم خضوعها للحكم العثماني 6 قرون. بعد ذلك، روجت الولايات المتحدة حركة انفصالية في كوسوفو عبر إثارة النعرات بين المسلمين الألبان والأورثوذوكس الصرب لبناء قاعدة عسكرية في كوسوفو هي الأكبر للولايات المتحدة في أوروبا، وذلك للانطلاق بسياسات تهدد الاستقرار في أوروبا من جهة، وفي حوض البحر الأسود من جهة أخرى.

وكان هذا يشكل جزءاً من استراتيجيتها لخلق رهاب الإسلام في أوروبا والتأثير في الاستقرار الأوروبي وأوروبا، وهذا يعني أن أوروبا سوف تعتمد على الولايات المتحدة في ضمان أمنها بما يحرمها من فرص أن تكون مستقلة سياسياً عن واشنطن.

استخدام الإسلاموفوبيا ضد روسيا

إضافة إلى ذلك، استخدمت الولايات المتحدة الإسلاموفوبيا كجزء من استراتيجيتها لخلق شرخ بين مسلمي القوقاز وآسيا الوسطى من جهة والسكان الأرثوذكس الروس من جهة أخرى، وذلك لتحويل هاتين المنطقتين إلى قواعد لزعزعة الاستقرار، وتقسيم روسيا إلى العديد من الدول الصغيرة التي سيكون من السهل السيطرة عليها من قبل الولايات المتحدة، وهذا يفسر سبب دعم الولايات المتحدة للحركة الانفصالية في الشيشان التي تسببت في حرب الشيشان الأولى في مطلع التسعينيات والحرب الشيشانية الثانية في العقد الأول من القرن العشرين.

تم احتواء هذه الحركة الانفصالية من قبل الروس، ليس باستخدام القوة فحسب، ولكن أيضاً من خلال مد اليد نحو الإسلام والسكان المسلمين تحت حكم الرئيس فلاديمير بوتين، ومن خلال الترويج لبعض جماعة الإخوان المسلمين الأرثوذكسية في القوقاز وآسيا الوسطى.

أداة ضد الصين والهند

كما حاول الأميركيون استخدام الإسلام الراديكالي والإسلاموفوبيا لدق إسفين بين الشرق الأوسط من جهة والصين من جهة أخرى، من خلال الترويج للإسلام الراديكالي ليصبح جوهر الحركة الانفصالية في شمال غربي الصين في منطقة شينجيانغ، كجزء من استراتيجية واشنطن المتمثلة في خلق عدم الاستقرار داخل الصين ومحاصرتها بمجموعة من المناطق غير المستقرة والأزمات في استراتيجية على شكل حرف C يعرفها الصينيون.

إضافة إلى ذلك، خلقوا أزمة في ميانمار بين البوذيين والسكان المسلمين كجزء من الإستراتيجية الأميركية لخلق عدم الاستقرار، ليس في ميانمار فحسب من أجل منع وصول الصين إلى المحيط الهندي، ولكن أيضاً في منطقة يونان الصينية في جنوب شرقي الصين، كجزء من استراتيجية الولايات المتحدة الرامية إلى تقويض السيادة الصينية وزعزعة الاستقرار في منطقة التبت التي تحدها منطقة يونان من الشرق ومنطقة شينجيانج من الغرب.

وأخيراً، أنشأت الولايات المتحدة نوعاً من رعاية القومية الهندوسية في الهند التي يمثلها حزب بهاراتيا جاناتا الذي يقود أجندة معادية للإسلام، إلى جانب الرعاية التاريخية التي تقدمها الولايات المتحدة للمتطرفين التكفيريين في أفغانستان وباكستان والهند نفسها، كجزء من الأجندة الأميركية لدق إسفين بين الهند من جهة، والعالم العربي الإسلامي من جهة أخرى.

واللافت أن الأميركيين يحاولون تعزيز الإسلاموفوبيا من خلال دعم ورعاية تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام داعش وجماعة بوكو حرام والجماعات الإرهابية الأخرى التي ترفع راية أيديولوجية متطرفة في دول جنوب الصحراء الكبرى، وذلك في إطار المساعي لدق إسفين بين شمال أفريقيا ذي الغالبية العربية المسلمة ومنطقة جنوب الصحراء الأفريقية ذات الغالبية الأفريقية المسيحية.

كل هذا يندرج في سياق المحاولة الأميركية لدق إسفين بين العالم العربي الإسلامي من جهة، والحضارات المجاورة مثل الكاثوليك والبروتستانت الأوروبيين، والأرثوذكسية الروسية، والصينية الكونفوشيوسية، والهنود الهندوس، والأفارقة المسيحيين، من جهة أخرى، وهذا يخدم الاستراتيجية الأميركية، ليس في خلق التوتر والصدع بين الشرق الأوسط فحسب من جهة، وهذه الحضارات أو المناطق من جهة أخرى، ولكن يشكل أيضاً جزءاً من استراتيجية جعل منطقة الشرق الأوسط معتمدة فقط في علاقاتها على الولايات المتحدة، ما يسهل سيطرة واشنطن عليها، وبالتالي ترك الولايات المتحدة السيد الوحيد على طرق التجارة الدولية التي من شأنها أن تخدم هدفها النهائي في البقاء مهيمنة على العالم.

التلاعب بالحضارة الإسلامية

وهكذا نرى أن بريطانيا والولايات المتحدة حاولتا طوال القرنين التاسع عشر والعشرين التلاعب بالحضارة والهوية الثقافية الإسلامية عبر خلق حركات تكفيرية تشكل أدوات لسياساتها.

وطوال فترة الحرب الباردة، قامت الولايات المتحدة باستخدام الإسلاميين المتطرفين المتمثلين بالحركات التكفيرية في حربها ضد الحضارات والكتل الأخرى التي تعتبرها خطراً على هيمنتها العالمية، وعلى رأسها الكتلة الاشتراكية.

وبعد انتهاء الحرب الباردة، استخدمت واشنطن الحركات الراديكالية التكفيرية كذريعة لاحتلال أفغانستان في العام 2002، ثم نشر قواعدها في عدد كبير من بلدان الشرق الأوسط، بحجة مكافحة الإرهاب من أجل السيطرة على الشرق الأوسط ودق إسفين بينه وبين الحضارات الأخرى.

وقد كان أفضل رد لمواجهة هذه الإستراتيجية بقيادة الروس الذين أصبحوا على دراية بهذه الإستراتيجية الأميركية، والذين كانوا أول من مدوا أيديهم نحو بناء جسر مع العالم العربي الإسلامي من خلال بناء علاقات جيدة بشكل رئيسي مع السكان المسلمين في القوقاز وآسيا الوسطى، ومن خلال بناء علاقات جيدة مع الدول العربية الإسلامية في الشرق الأوسط مثل الجزائر ومصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وإيران.

ويبدو أن الصين تسير على الدرب نفسه عبر ضم الدول آنفة الذكر إلى منظمة بريكس للتعاون الاقتصادي، والتي تشكل منصة برعاية روسية وصينية للعلاقات الاقتصادية والسياسية بديلة من العلاقات الدولية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة والغرب.

المصدر:

اقرأ المزيد
آخر الأخبار