قراءات سياسية فكرية استراتيجية

كلا… لم نعُد إلى استقطابات 1975

كلّ المؤشرات ربّما تشي بأن انفجار «طوفان الأقصى»، وانخراط لبنان، عبر جنوبه، في معركة مساندة ومواكبة ثورة فلسطين، أعاد (وبقوة، كما يعتقد البعض) طرح أزمة الهوية في لبنان على بساط التشريح والتساؤلات، معيداً إلى الأذهان مناخات الاستقطاب الأيديولوجي (والطائفي) الحادّ في عام 1975 والذي تمحور أيضاً بشكل أساسي حول القضية الفلسطينية.فثمّة طرف، يتمثّل بقوى علمانية وحركات مقاومة إسلامية، يرى أنّ دعم الثورة الفلسطينية في طبعتها الجديدة عبر معارك الجنوب، هو مسؤولية تاريخية وجزء من هويته العربية والإنسانية والحضارية، كما اللبنانية. فيما طرف آخر، يعبّر عنه حزبا «القوات اللبنانية» و«الكتائب»، لا يرى نفسه معنياً بفلسطين، لا عاطفياً ولا أيديولوجياً، مشيراً إلى أنّ هذه القضية «مسألة خارجية» لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالهوية الوطنية اللبنانية. كما يشدّد على أنّ المعارك التي يخوضها حزب الله في الجنوب، تعدّ خروجاً منفرداً عن الإجماع الوطني، وخرقاً لمبدأ سيادة الدولة اللبنانية.
لا ننكر أنّ هذه السجالات خلقت بالفعل انقسامات أيديولوجية، تفاقمها أزمة الانسداد السياسي في انتخاب مواقع السلطة، والانهيار الاقتصادي، وحملات التعبئة الإعلامية على مدار الساعة. وهذا ما قد يجعل الوطن قابلاًَ لأي مخططات فتنوية جديدة تحيكها أطراف دولية وإقليمية، ربما تعمل الآن لتحويل المساندة اللبنانية للثورة الفلسطينية إلى حرب أهلية داخلية. لكننا، وبالقدر نفسه، لا نعتقد أن عقارب الساعة عادت بالفعل إلى عام 1975، رغم تشابه الظروف وتقاطعها مجدداً حول الموقف من قضية فلسطين. لماذا؟ لأن فترة الحرب الأهلية المدمّرة (1975-1989) وما تلاها من عقود، أدّت إلى تبرعم نواة هوية وطنية لبنانية جامعة للمرّة الأولى منذ عام 1920.
صحيح أنّ هذه الهوية لم تتسلّح بهياكل سياسية ووطنية جامعة تخرجها من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل، وصحيح أنّ هذه الهوية الناشئة لا تزال تواجه تحدّيات وجودية (وتقسيمية) خطرة، إلا أنها باتت على جدول الأعمال الضمني والعلني لكلّ، أو معظم، القوى السياسية اللبنانية. ولعلّ أوضح مؤشّر على هذه الحقيقة هو التطوّر الذي طرأ على برنامج حزب الله وممارساته، الذي بدأ كحركة إسلامية أيديولوجية يدعو إلى وحدة الأمّة الإسلامية، إلى حزب يشارك في العمل السياسي الوطني ويجهد للحفاظ على المصالح الكيانية اللبنانية لطائفته وبلده. ويمكن إيراد أمثلة أخرى عديدة عن التطوّر الهوياتي الوطني لدى عدد من الأطراف السياسية الأخرى.
هناك الآن قوى وطنية عدّة تعمل بدأب ونشاط على استيلاد المشروع الوطني الخاصّ بالهوية الوطنية. بيد أنّ ثورة فلسطين الجديدة ستُملي على هذه القوى الآن الدراسة المعمّقة لعلاقة الهوية الوطنية بالقضايا العروبية (والإقليمية الإسلامية) وفي مقدّمتها قضية فلسطين. كيف؟
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل، قبل هذا فلنتوقّف قليلاً أمام العناصر التي شكّلت وطبعت بطابعها تطوّر نواة الهوية الوطنية اللبنانية، وهذه يمكن تلخيصها بالآتي:
أولاً، الاعتراف بأنّ هويتنا الوطنية، المُستندة إلى الوطن اللبناني في حدوده الراهنة، هي قبل، وفوق، كلّ الهويات الفرعية الأخرى الطائفية والمذهبية والعرقية، وبأنها المُنقذ الوحيد للشعب اللبناني من كوارث الحروب الأهلية الدورية، كما أنها يجب أن تكون المرجعية الأولى والأساسية لكلّ السياسات الداخلية والتوجّهات الخارجية للبلاد.
ثانياً، إنّ التجسيد الأوّل والأساسي للهوية الوطنية يكمن في العمل على بناء الدولة الوطنية الأخلاقية القائمة على: حكم القانون والمساواة والاستقلال التامّ للقضاء، والإدارة المشروطة بمعايير النزاهة والأخلاق ونظافة الكفّ، والتنمية الإنسانية المتوازنة، وحماية الحرّيات كافّة وفي مقدّمتها حرّية الرأي وحقّ التعبير. وهنا، تشكّل التجربة الشهابية الرائدة، إرثاً تاريخياً مهمّاً يمكن البناء عليه والانطلاق منه لبناء الدولة الأخلاقية. أمّا التركيز على مفهوم الوطنية، وليس مفهومَي المدنية والعلمانية، فيعود إلى شمولية هذا المفهوم لكلّ مقوّمات الدولة الحديثة، من السيادة والاستقلال والرفض المطلق لأي تبعية خارجية، إضافة إلى أنها بطبيعتها الوطنية تفرض كونها مدنية وفوق كل الانتماءات الفرعية الأخرى.
ثالثاً، لا يمكن أن تقوم الهوية الوطنية والدولة الوطنية، إلا إذا تمدّد حبّ الوطن، الذي بات حقيقة واقعة وشاملة تبلورت طوال المئة سنة الأخيرة بين كلّ أطياف المجتمع اللبناني، إلى حبّ جميع مواطنيه. وهذا ليس تفصيلاً بسيطاً لأنه يعني تصفية الحساب مع السرديات التاريخية السابقة التي تبنّاها القادة السياسيون غير الوطنيين والتي تركّز على الحقبات التاريخية المحدودة زمنياً، والتي طغى فيها الصراع على التعاون، والحروب على السلام، والتقاتل المشترك على العيش المشترك. كما يعني تمديد حبّ الوطن إلى المواطنين، والانتقال بالبلاد من الخوف والقلق والكراهية بين بعض الأطياف إلى رحاب التضامن والشعور بالأمن والأمان، ليس فقط على صعيد المشاعر والعواطف، بل انطلاقاً أيضاً من برامج وطنية يتمّ عبرها إطلاق ثقافة المصارحة والمكاشفة والنقد الذاتي، وصولاً إلى تنقية الروح اللبنانية من كل الشوائب التي لحقت بها إبّان مراحل الصراع.
نعود الآن إلى مسألة الارتباط العضوي بين الهوية الوطنية وبين القضايا العربية، لنشير إلى أنّ هذه الهوية لا تتناقض، بل تتكامل في الواقع، مع انتماء لبنان إلى العروبة، التي أقرّها أصلاً دستور الطائف، والقائمة على التزام القضايا العربية المحقّة، كما على الديموقراطية والحرّيات واحترام حقوق المرأة والإنسان، وأيضاً على انتماء لبنان إلى الحضارة المشرقية المتوسطية التي كانت مصدر جلّ الحضارات وكلّ الأديان السماوية في العالم.
وانطلاقاً من هذا الارتباط العضوي، يتبدّى أنّ هذا الوطن الصغير جغرافياً وعظيم الأهمية إستراتيجياً (وحضارياً)، أمامه دور كبير وتاريخي ليلعبه على صعيد كلٍ من الدعوة إلى إعادة الاعتبار للعروبة الواقعية الديموقراطية المُعترفة بالمصالح والتنوّع، واستعادة الوحدة الثقافية والإستراتيجية والحضارية لإقليم المشرق المتوسطي، وتحويل لبنان إلى جسر حوار رئيسي بين الغرب الأميركي- الأوروبي وبين الشرق الآسيوي الصاعد والإسلامي، وأيضاً العمل مع مختلف قوى المجتمع المدني العالمي على إقامة التوازن بين الحكمة والتهور في النظام العالمي عبر إضفاء القيم والأخلاق ونوازع الضمير على ظاهرة العولمة والثورة التكنولوجية الرابعة، وعلى التصالح مع أمّنا الطبيعة وطلب الغفران منها لما ارتكبناه نحن البشر بحقّها.
بيد أنّ لبنان لن يستطيع أن يلعب هذه الأدوار الحضارية والإنسانية، ما لَم يبدأ أولاً بدعم ومساندة وتبنّي أضخم وأخطر قضية وجودية وأخلاقية وإنسانية في المنطقة (والعالم) وهي القضية الفلسطينية. فمن دون ذلك لا دور له حقّاً، ناهيك عن أنّ إدارة الظهر لهذا الموجب يسدّد ضربة قاصمة لمفهوم الهوية الوطنية.
أجل. من حقّ حزبَي «القوات» و«الكتائب» الاعتراض على عدم اتخاذ موقف وطني موحّد لخوض المعارك العسكرية في جنوب لبنان إلى جانب المقاومين الفلسطينيين في غزة، لكن هذا كان يجب أن يسبقه تحرّك الشارع المسيحي بقيادة هذين الطرفين لإعلان دعم نضال الشعب الفلسطيني، على الأقلّ كما يفعل مسيحيو الولايات المتحدة وأوروبا الآن منذ 7 أكتوبر. ولو حدث مثل هذا الحراك، لكان الحوار أكثر من ممكن مع حزب الله وحلفائه حول مسألة الدعم والمساندة.
إنّ لبنان، المُثقل بالمخاطر الإقليمية الهائلة، كما بالمسؤوليات الأخلاقية والإنسانية، في أمسّ الحاجة في هذه الأيام إلى بلورة هويته الوطنية المنفتحة على بُعدها الفلسطيني والعربي والإنساني.
وفي حال توافرت له نخب تحمل هذه المسؤولية على كاهلها، سيتمكّن وطن الأرز ليس فقط من تجاوز الفتن والمخططات الخارجية، بل سيؤسّس أيضاً لقيامة وطن آمن ومستقل، ودولة وطنية قوية، ودور عربي وإنساني ــ حضاري كبير.

المصدر: الاخبار

اقرأ المزيد
آخر الأخبار