منذر إدريس.
إنّ طبيعة حركة التاريخ هي أنّها غير ثابتة، خاضعة للتغيير والتغيّر بفعل سيرورتها، ولذلك لا تخضع فيها الظواهر والأحداث لسردية واحدة أو لمعيارٍ واحد، بل دوماً ما تأخذ في أبعادها التحليلية نمطاً من التحوّلات المستمرّة والديناميكية الدائمة، ولهذا فإنّ اختلاف معايير الظلم والعدالة تختلف من مجتمع لآخر ومن زمنٍ معيّن إلى سواه وهذا ما يجعل لبعض وجهات النظر تحليلها المختلف عن وجهات نظر أخرى. ولكن كيف يمكن أمام صراعٍ وجوديٍّ كالذي نواجهه اليوم في غزّة أن تناقض حركة التاريخ وجهات نظر أقلّ ما يمكن القول عنها أنّها انحرافٌ واضحٌ عن مصير الأمّة، انحرافٌ يحمل في طيّاته خطاباً تطبيعيّاً خائناً، يربط أمن وجوده السياسيّ بأمن الحفاظ على مصالح العدو الذي ينغذّى على دماء شعوب هذه الأمّة من محيطها إلى خليجها))
لقد أنشأت العولمة في منطقتنا وسواها -باعتبارها تجسيداً لنظام القطب الواحد- أنظمة عربية إقليمية تخفي بين سطورها تمظهرات عديدة من الخضوع السياسي والإتّباع المصلحي لسياسات ومصالح الولايات المتحدة الأميركية وربيبتها “اسرائيل”. تحول التطبيع مع القتلة الأعداء من جريمة وتهمة إلى سياسة وواجب ووجهة نظر ومسميات لا تحتاج للتبرير مثل مصلحة الدولة ..ولأنّ لا حدود للوقاحة فقد اصبح البعض يعتبر أنه من الواجب علينا الدفاع عن ذلك العدو من مهاجميه ومحاربتهم داخليا واقليميا من خلال الاعلام والتجييش وحتى بالسلاح وإدانته واعتباره معتدياً بل وبشكلٍ أو بآخر نتبنّى خطاب العدو لمهاجمة رعبهم الأول تحت إسم الأديان والثقافات وحتى الثورات.. لم تدرك الأنظمة العربيّة المطبّعة بعد أنّه من الضروري التخلص من هذا الوحش لأنّ الرهان على التطبيع معه رهانٌ فاشلٌ ذلك لأنّ هناك زمناً تاريخيّاً تصل به شروط التحرّر إلى أقصاها، الأمر الذي من خلاله يكون للعمل المقاوم تجسيداته الحقّة وخطابه الرصين ورؤيته الحكيمة.. فمهما أُدين المدافع عن نفسه ضدّ الكيان المحتلّ، ومهما عملتْ بعض الحكومات والشعوب المطبعة على تحريك جيوشها الالكترونية دفاعا عن المصالح الاسرائيلية في موازاة الدفاع عن الشرط المؤسّس لأنظمتهم الموظَّفة في خدمة المشروع الصهيوني، فإنّ من طبع حركة التاريخ أنْ تسير على ايقاع القوّة والحقّ، وهل هناك ما هو أجدى في التعبير عن الحقّ والقوّة كالعمل المقاوم؟ أليست المقاومة بهذا المعنى جدوى مستمرّة كما يقول الباسل، ذلك الأعرجُ الذي علّمنا كيف يستقيم التاريخ أمام الصمود والبندقيّة؟
لذلك لم يرضَ بعض المطبعين موقف الحياد غير المشرّف بل اختاروا أن تكون ايديهم ملطخة بالدماء فعملوا على وقف الضربات العسكرية على الكيان الصهيوني وعرّضوا -هم أنفسهم- شعوبهم للخطر من خلال المضادّات الجوية سرّاً حيناً وعلانيّةً أحياناً، ولم يفكروا لحظة واحدة بنصرة طفل يبحث عن النجاة في غابة مليئة بالوحوش..لقد ساهموا بشكل مباشر في قتل شعبٍ شجاعٍ وصامدٍ و لقد كانوا يجيدون لعب دور الضحية عندما يتم وصفهم بالعملاء وحقيقةً إنّ عمق انخراطهم وعلاقتهم بكلّ ما يتضمّنه الصراع من مفاهيم وخطابات وتاريخ وأمن يجعلهم ينزلقون إلى الدرك الأسفل من الفهم والتحليل السياسي ولذلك فإنّ وصمهم بالعمالة لا يفي حجم ترابط مصالحهم مع مصالح العدو الإسرائيلي، ذلك أنّ إغلاق المعابر لمنع المساعدات الغذائية والطبية واعتراض الصواريخ والمسيرات وتشويه التاريخ ومعاداة كلّ حركات التحرّر بأشكالها وممارساتها العديدة لا يمكن اعتباره سوى مشاركة أساسية في العدوان الإسرائيلي على الشعوب العربيّة وهو لأنّه هكذا، فإنّه يتجاوز فعل العمالة ليصبح تماهياً ثقافيّاً وسيّاسياً وأمنياً وإقتصادياً بل وحتّى دينيّاً وعقائديّاً.
إنّ اللهجة السياسية للخطابات المطبّعة تتوارى خلف سرديات تناقض الأمر الواقع والتاريخ معاً، فتارةً يحمل هذا الخطاب مضامين مرتبطة بمفاهيم مثل الحياد وتارةً أخرى تكون المفاهيم أكثر وضوحاً في الإنحياز للطرف المعتدي، وإلّا كيف يمكن فهم الحديث عن القرارات الدولية وتطبيقها والعمل بها في حين نرى بشكل جليّ ووقح كيف يتعامل العدو الإسرائيلي مع كل ما من شأنه أن يكون له أب صلة بالقرارات والقوانين الدولية، فالتاريخ يشهد والحاضر كذلك، ألم يمزّق سفير الكيان المحتل وثيقة الأمم المتحدة منذ يومين من على منبر الجمعية العامّة أمام العالم أجمع؟ أين الذين ينادون بتطبيق القرار ١٧٠١ أمام مشهد كالذي حصل؟ أليس هذا كفيل لوحده بفهم ماذا يتضمّن خطاب هؤلاء الذين ينادون ليلاً ونهاراً وسرّاً وجهاراً عن ضرورة انسحاب المقاومة في الجنوب خلف الليطاني والإلتزام بما تسنّه القوة المهيمنة على العالم؟ هنا بالتحديد تكمن الرؤية العميقة لخطاب الأمين،العام السيد حسن نصر الله حينما قال وبشكل لا لبس فيه أنّ العالم لا يحترم إلّا القوي..وهذا ما يعني في جوهره أنّ إزالة الإحتلال ومن ورائه القوى الغربية والأميركية لا يكون عبر القانون الدولي أو اتفاقيات التطبيع الإبراهيمية والإقتصادية، إنّنا العمل المقاوم والكفاح المسلّح هو الفعل الحقيقي والتراكم الحقيقي لأيّة مواجهة او صراع مع عدو مثل العدو الإسرائيلي
ثم تحولت الخطابات إلى مستوى غير منطقي فيخرج الاول ليروّج لخطاب انعزالي مضمونه أنّ لا تعايش بين مجتمع يؤمن بثقافة الحياة مع ثقافة الموت. وكأنّ لا حياة ممكنة في مواجهة احتلال غاشم وعدو يعتاش على الذبح والدماء والوحشية. والمؤسف أكثر أنّ هناك من يدعو الاسرائيلي الى احتلال الليطاني وسحب سلاح المقاومة في لبنان.. حتّى أنّ المقاومة في فلسطين تحوّلت بنظر هؤلاء من ايقونة للمقاومة والدفاع عن الحقّ الى عميلة ومأجورة وذلك فقط بسبب شكرها لكل من ساهم بنصرتهم..وكأنّ الحكومات العربية والمشيخات الخليجية على رأسها زلزلت الارض من تحت أقدام الاسرائيليين وكأن ابو عبيدة لمن الناكرين..هذا ما يؤكّد على إنّ المعركة والصراع مع،اسرائيل ومن يطبّعون معها تمتدّ على كل الصعد، الثقافية والدينية والقومية والجيوبوليتيكية..
إنّ ما يجري، إنْ دلّ على شيء فهو يدلُّ على أنّ خطاب “موسم الرياض” الموجّه يقيناً باعتباره ترغيب في ثقافة حياة مثالية والتي تستند على التطبيع مع العدو، ما هو إلا آلية خادعة للشعوب ولمنطق التاريخ، ذلك أنّ آلية الترهيب في الوقت الحالي لم تعد تخدم توجّهات بعض الأنظمة العربية ومصالحها المترابطة مع العدو خاصّة وأنّ طبيعة الصراع القائم الآن ولا سيّما بعد أحداث ٧أكتوبر حتّم على الكيان المحتلّ وأذرعه من أنظمة وأحزاب وجمعيات الخ.. أنْ يغيّر من نمط إلهائه للشعوب بهدف إشغاله بأغراض وممارسات وأمور وظواهر عديدة تبعده عن الإهتمام عمّا يجري داخل المواجهة والصراع.
ولكنّ هيهات! إنّ التحرّر والإيمان به حاضر عند الناس الكرام، هذه طبيعة الأمور ومنطقها، أنْ تصمد وتكافح وتقاوم، أنْ تبثّ الوعي المضاد لخطاب التطبيع، أنْ تكون البندقية ثقافة حياة حرّة، لأنّ الحياة بلا حرية تصبح عبودية وبالتالي ما معنى الحياة في ظلّ العبودية؟ إنّ حركات المقاومة من لبنان للعراق لليمن لسورية ولا شكّ للجمهورية الإسلامية الإيرانية، شرعيتها الأساسية أنّ بندقيتها محدّدة الهدف وموجّهة بشكل دقيق للمكان الصحيح. وهنا الكلمة للميدان دوماً.