مقدمة :
من سيقود العالم في العقود القادمة من القرن الواحد والعشرين؟ وهل سيستمر الغرب في تسييد أحاديته القطبية أم ستتمكن بلدان الجنوب وخاصة الصاعدة منها فرض إعادة هيكلة النظام الدولي على أسس تعددية قطبية متوازنة من خلال دمقرطة المؤسسات الدولية؟ مجموعة البريكس التي عقدت قمتها الخامسة عشر بجنوب افريقيا أكدت بالقرارات التي اتخذتها طموحها لتغيير اشتغال النظام الاقتصادي العالمي، لكن هل ستتمكن المجموعة بعد توسعها من تدبير تناقضاتها الداخلية والانتقال الى السرعة القصوى في إحداث التحولات الهيكلية المطلوبة لإنصاف شعوب الجنوب وتحقيق السلام العالمي؟
1- في البحث عن نظام اقتصادي عالمي بديل.
منذ سبعينات القرن الماضي والبلدان النامية تنادي بنظام عالمي جديد، سواء من خلال مؤتمرات منظمة عدم الانحياز، أو عبر مجموعة السبعة والسبعين التي عقدت آخر مؤتمر لها بكوبا، أو حتى من خلال بعض المنظمات الأممية، لكن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الثنائية القطبية، وزحف العولمة النيوليبرالية المتوحشة في ظل الأحادية القطبية، تدهورت أوضاع معظم بلدان الجنوب، وتراجع الأمل في القضاء على الاستغلال الرأسمالي الفاحش، والفقر المدقع، والهشاشة الاجتماعية، والفوارق الطبقية والمجالية، التي ظلت تعاني منها البلدان المستعمرة سابقا بعد حصولها على الاستقلال السياسي بعقود، كما هو واضح في القارة الافريقية على الخصوص.
في شهر أكتوبر سنة 2003، نشر خبيران اقتصاديان يعملان في بنك الاستثمارات الأمريكي الكبير، غولدمان ساش (Goldman Sachs)، دراسة توقعية عن دور وأداء دول روسيا والصين والهند والبرازيل في أفق 2050 بعنوان:
“Dreaming Withe BRICs:Path to 2050” وقد أثار هذا المقال انتباه المراقبين، وبدأت وسائل الإعلام الغربية المتخصصة تتابع باهتمام تطورات البلدان المذكورة، لأن المقال توقع تجاوز حجم اقتصاد البلدان الصاعدة الأربعة حجم اقتصاد مجموعة السبع، اذا استمر نموها بنفس الوتيرة العالية بعد أربعة عقود على الأكثر، وخاصة بعد تفاقم أزمة الاقتصادات الغربية الكبرى اثر انفجار الازمة المالية بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 2008 وتحولها الى أزمة اقتصادية شاملة وطويلة الأمد.
في هذا السياق، أخذت القيادة الروسية المبادرة، ودعت إلى عقد أول مؤتمر للدول الاربعة بروسيا سنة 2009، وبذلك تأسست مجموعة البريكس رسميا، وعقدت مؤتمرها الثاني سنة 2010 بالبرازيل، ثم وافقت على انضمام جنوب افريقيا في قمتها الثالثة التي عقدت بالصين سنة 2011، مؤتمر شهر آب/ غشت 2023 الماضي. هو إذن المؤتمر الخامس عشر، وهو المؤتمر الذي قرر ضم ستة بلدان هي مصر، والسعودية، والامارات والارجنتين، واثيوبيا، علما ان عدد البلدان التي تقدمت بطلب الانضمام للمجموعة وصل الى عشرين دولة.
أسبوعان بعد قمة البريكس كما تتبعنا، انعقدت قمة مجموعة العشرين بالهند التي راهنت عليها الولايات المتحدة الأمريكية لإحراج روسيا، فوقع العكس حيث فشلت في تمرير رؤية الغرب للحرب في أوكرانيا، وتمكنت بلدان الجنوب من تسييد موقفها الداعي لرفض الحرب، دون تحميل روسيا لمسؤوليتها وحدها كما كانت الدول الغربية تتوخى، وقد اعتبر ذلك مراجعة لموقف نفس المجموعة سنة قبل ذلك، وهو ما يبين تنامي تأثير مجموعة البريكس داخل مجموعة العشرين على حساب الكتلة الغربية.
في محاولة للالتفاف على هذا الاخفاق، اقترحت الادارة الأمريكية انشاء ممر(corridor) يربط الهند بأوروبا عبر شبه الجزيرة العربية، والاردن، ثم الكيان الصهيوني، الذي لم يخف ابتهاجه بالاستغناء عن قناة السويس! المشروع المقترح يتكون من أساطيل بحرية وسكك حديدية، وطرق سيارة وأنابيب نقل الغاز والبترول والهيدروجين. واضح ان هذا المشروع العملاق يمثل بديلا لمشروع الطريق والحزام الصيني، الذي قطع أشواطا في الإنجاز. المشروع الأمريكي عكس المشروع الصيني لا يزال مجرد فكرة، بدون دراسة وبدون وسائل تمويل مضمونة، كما أن هناك ممر آخر يربط روسيا بايران وكزاخستان وتركيا.
الوزن الاقتصادي لمجموعة البريكس، تعكسه حصتها في الإنتاج العالمي الخام الذي بلغ 34% سنة 2021، في الوقت الذي لم تتجاوز حصة مجموعة السبع الغنية 27,77%. أما على مستوى سوق الطاقة فقد أصبحت المجموعة بعد توسعها تمثل 54% من الإنتاج العالمي.
هل ما تقدم يعني أن مجموعة البريكس نجحت في طي صفحة الأحادية القطبية وهيمنة الغرب على العالم؟ الحقيقة أنه بالرغم من الوزن الذي أصبح للمجموعة في الاقتصاد العالمي، فإنها تفتقد لمرجعية أيديولوجية وسياسية موحدة، ولم تتوصل بعد لبلورة نموذج اقتصادي عالمي بديل للنظام الرأسمالي، وينحصر توافقها في احلال تعددية قطبية، مكان الأحادية القطبية الأمريكية، ودمقرطة المؤسسات الدولية على أسس التبادل الحر، والتنافس النزيه، وإعادة هيكلة المؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بتعديل لحصص المساهمة والتصويت. هناك اشكالية اخرى معقدة تواجهها هي اشكالية العملة المرجعية، فحتى الآن اتفقت على تسوية مبادلاتها التجارية بعملاتها الوطنية، لكن ايجاد عملة بديلة للدولار الامريكي رغم تراجع دوره نسبيا في المبادلات التجارية على المستوى الدولي، لازال يتطلب المزيد من الجهود المضنية ومزيدا من الوقت، وانشاء بنك شنغاي لمنافسة البنك الدولي بمبلغ 100مليار دولار لمنح قروض للتنمية في بلدان الجنوب، خطوة ايجابية ومهمة، لكنها غير كافية، خاصة اذا استحضرنا الدور الخطير الذي يلعبه صندوق النقد الدولي، والذي ليس له بديل حتى الآن.
2- الأبعاد الجيوستراتية لمجموعة البريكس
لقد كشفت سلسة العقوبات الاقتصادية القاسية التي قررها التحالف الغربي بقيادة الإمبريالية الأمريكية ضد روسيا بعد اندلاع حرب أوكرانيا، وضد ايران قبل ذلك. إن الغرب لن يقبل بتغيير ميزان القوى الذي نشأ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وأنه مستعد لاستعمال كل الوسائل بما فيها الحرب الشاملة ضد جميع البلدان المناهضة للأحادية القطبية التي تحاول المس بسيطرته الاقتصادية على العالم كامتداد للظاهرة الاستعمارية. ألم تقم الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها بريطانيا بغزو أفغانستان والعراق بحجة محاربة الإرهاب واسلحة الدمار الشامل؟ ألم يستغل الحلف الأطلسي ما سمي بثورات الربيع العربي لإسقاط النظام الوطني في ليبيا، وشن حرب طاحنة على سوريا للقضاء على دولتها وتمزيق وحدة أراضيها وشعبها تنفيذا للمخطط الصهيوني الامبريالي الرجعي بالقضاء على مكونات الممانعة والمقاومة بالمنطقة العربية؟
لقد استخلصت القيادة الروسية الدرس من أسباب وملابسات انهيار الاتحاد السوفياتي، خاصة بعد رفض الحلف الأطلسي الوفاء بعدم تمدده لبلدان أوروبا الشرقية، وقررت اعتماد استراتيجية إعادة بناء روسيا واستعادة مكانتها الدولية كقوى عظمى، وفي هذا السياق بادرت لتأسيس مجموعة البريكس وتمتين علاقاتها مع البلدان الصاعدة، وفي مقدمتها الصين والهند وايران من خلال اتفاقات شراكة استراتيجية. الصين أيضا أدركت مبكرا أن النهوض الاقتصادي والتطور التكنولوجي والثورة الرقمية هي المفاتيح الأساسية للوصول للريادة على المستوى العالمي. الهند والبرازيل بدورهما تمكّنا من تحقيق قفزة اقتصادية كبيرة في الوقت الذي كانت فيه البلدان الغربية منشغلة بمعالجة تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية خلال العقد الثاني لهذا القرن. هكذا توفرت العوامل الموضوعية والشروط الذاتية لبناء منظومة البريكس، لكنها لم تصل حتى الآن لبناء معسكر معاد للغرب على غرار المعسكر الاشتراكي سابقا. إن وجود تناقضات ثانوية وخلافات حدودية بين الهند والصين يحول دون تكون قطب سياسي وعسكري مضاد للحلف الأطلسي، هناك أيضا اللا تماثل بين الأنظمة السياسية، إضافة للتباعد الجغرافي ببن بلدان آسيا وبلدان أمريكا اللاتينية. هذه العوامل يراهن الغرب على تفاقمها بعد توسع مجموعة البريكس، وضمها لبلدان كالسعودية والإمارات العربية ومصر التي تصنف كدول موالية للغرب. بعض المراقبين الغربيين أثاروا الانتباه للديبلوماسية الانتهازية للهند بسبب تواجدها في مجموعة “QUAD” بجانب الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والفلبين وأستراليا، ومساندتها الصريحة لموقف الفلبين في نزاعها مع الصين حول بحر الصين الجنوبي. هذه المعطيات هي التي فرضت على روسيا بذل جهود حثيثة مع شركائها في مجموعة البريكس للحفاظ على تماسكها، وتنمية دورها الدولي. صحيح أن الهند لا تخفي غيرتها من كون الصين حتى الآن هي الرابح الأكبر من العولمة الاقتصادية حيث وصل نتاجها الداخلي الخام ثلاثة أضعاف ونصف الناتج الداخلي الخام للهند في حين يتساوى عدد سكانهما تقريبا. لقد أصبح للصين أيضا تأثير قوي في القارات الثلاث آسيا وأفريقيا وامريكا اللاتينية، ومبادلاتها التجارية مع البلدان الغربية ضخمة جدا، مما دفع الإدارة الأمريكية لمضاعفة ضغوطها على حلفائها الغربيين لتقليص علاقتهم الاقتصادية مع الصين.
3- أي تموقع للمجموعة العربية في الصراع بين مجموعة البريكس ومجموعة السبع الغربية؟
قد يبدو هذا السؤال بدون معنى بعد تقدم عدة بلدان عربية بطلب الانضمام لمجموعة البريكس في قمتها الأخيرة بجنوب افريقيا، وقبول طلب مصر والسعودية والامارات العربية المتحدة، في حين لم يتم قبول طلب دول عربية أخرى وخاصة الجزائر التي راهنت بقوة على تلبية طلبها. الحقيقة أن تفكك المجموعة العربية والتنافس الحاد بين بعضها البعض مثل ما هو حاصل بين المغرب والجزائر، قد جعل تأثيرها يتراجع على المستويين الاقليمي والدولي طيلة العقدين الأخيرين، عكس ما كان عليه الأمر خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فكما معروف لعبت جمهورية مصر العربية بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر دورا رياديا في تأسيس مجموعة عدم الانحياز في منتصف خمسينات القرن العشرين، وبرزت الجزائر بعد حرب أكتوبر 1973 كزعيمة لنفس المجموعة، وحاولت جبهة الصمود والتصدي التي تأسست ردا على زيارة السادات للكيان الصهيوني، أن تملأ الفراغ الذي خلفه خروج مصر من الصراع العربي الصهيوني، لكن اندلاع الحرب العراقية الايرانية سنة 1980، واجتياح الكيان الصهيوني للبنان سنة 1982، واخراج منظمة التحرير الفلسطينية منه، وأخيرا انهيار المعسكر الاشتراكي، وحرب الخليج الأولى، واتفاق اوسلو، كل تلك التحولات العاصفة أدخلت المنطقة العربية في متاهات معقدة لم تخرج منها حتى الآن. ما زاد الأمور تعقيدا، الغزو الامريكي للعراق، وتداعيات ما سمي بالربيع العربي. هكذا فقدت الأمة العربية الحد الادنى من وحدتها، بل وتعرضت بعض اقطارها الى مؤامرات التفكيك والتدمير، مثل ما حدث لسوريا وليبيا واليمن والسودان. في ظل هذه الأجواء حاول كل بلد عربي على حدة، المحافظة على أمنه واستقراره، بنسج تحالفات اقليمية ودولية على المدى المتوسط، في انتظار ما ستؤول اليه الأوضاع والتطورات بين القوى العظمى في آسيا وأوروبا.
بعدما تبين أن العالم أصبح على عتبة تحولات جيوسياسية كبيرة، وبعدما كشفت جائحة كورونا، وحرب أوكرانيا عن محدودية القوى الغربية، وبداية انحسار السيطرة الأمريكية على العالم، شرعت اكبر الدول العربية في تنويع علاقاتها، ومحاولة تحصين سيادتها، والخروج التدريجي من تحت المظلة الأمريكية، هكذا لاحظ المراقبون رفض السعودية تنفيذ التوجيهات الأمريكية بخصوص الزيادة في انتاج البترول لخفض سعره في السوق الدولية، كما قررت تسوية نزاعها الكبير مع ايران بوساطة صينية، وأخيرا أوقفت حربها على اليمن، التي تسببت لها في خسائر جسيمة، وانفتحت على سوريا واستقبلت رئيسها بشار الأسد في مؤتمر القمة العربية التي عقدت بالرياض.
بالنسبة للضغوط الأمريكية والاوروبية التي مورست على الرياض لتطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، اعتبرت الشروط التي تمسكت بها السعودية كإيجاد حل للقضية الفلسطينية، وتوقيع اتفاقية تعاون نووي مع أمريكا لبناء مفاعل نووي سلمي، شروطا غير مقبولة من طرف الغرب.
في هذا السياق شكلت معركة طوفان الأقصى البطولية التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية لحظة مفصلية، حشرت الدول العربية كلها في زاوية ضيقة، بين ضغط شعوبها الغاضبة من تخاذلها أمام المجازر البشعة التي ارتكبها ولايزال الكيان الصهيوني الاستعماري في غزة المحاصرة والصامدة، وبين ضغوط وتهديدات الإدارة الأمريكية. بالرغم من الموقف المخجل الذي عبر عنه بيان الجامعة العربية، فان مواقف معظم البلدان العربية، وخاصة الاكثر تأثيرا كمصر والسعودية والجزائر تستجيب لمتطلبات التضامن العربي وتحميل الكيان الصهيوني مسؤولية ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من حرب إبادة جماعية ضدا على كل القوانين الدولية والاعراف الإنسانية.
لقد منحت المقاومة الفلسطينية للدول والشعوب العربية فرصة تاريخية وغير مسبوقة للخروج من الحلقة المفرغة للهزائم والانكسارات، وتدشين مرحلة تاريخية جديدة، والاجهاز على المخطط الصهيوني الامبريالي في المنطقة بصفة نهائية، واستعادة مكانتها بين الأمم الصاعدة. فهل ستتمكن المجموعة العربية من رفع هذا التحدي التاريخي؟