قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

هل بدأت معركة تحرير فلسطين.. والوطن العربي؟

المشروع الإقليمي الإسرائيلي- السعودي- الأميركي يتخبط بدمائه في غزة

 

هل بدأت معركة تحرير فلسطين.. والوطن العربي؟

نسارع فوراً إلى القول:
إقليم المشرق المتوسطي (المنطقة العربية- الإسلامية) دخل برمته منذ طوفان الأقصى في 7 تشرين الألول/أوكتوبر مرحلة تاريخية كبرى جديدة ستحدّد مصيره لسنوات عدة مقبلة، والأهم: مصير “المعركة الأبدية” من أجل فلسطين.
ونسارع فوراً أيضاً إلى حشد أسباب هذه الخلاصة، والتي تتجاوز بأشواط مسألة المعارك العسكرية الراهنة الدائرة الآن في غزة على رغم أهميتها القصوى:
أولاً، أطلق الطوفان العنان للمعركة الكبرى في الإقليم بين مشروعين إقليمين كبيرين:
الأول علني، متبلور، وواضح المعالم، يستند إلى تحالف استراتيجي واقتصادي وحتى ثقافي (التطبيع الكامل) بين إسرائيل والسعودية وبقية دول الخليج والأردن والمغرب، برعاية وإشراف الولايات المتحدة؛
والثاني، مشروع إقليمي تحرري لا يزال غير متبلور وغير واضح المعالم والأطراف، لكن تجلياته الشعبية أكثر من جاهزة لحمله على الأكف في كل منطقتنا.
صحيح أن المحور الإيراني، الذي يشكّل العمود الفقري للمشروع الثاني، يتجسّد في حركات مقاومة مسلّحة في المنطقة العربية (من فلسطين ولبنان وسورية والعراق إلى اليمن) تجاهر برفضها للمشروع الأول وترفض ليس فقط دور إسرائيل المركزي في المنطقة بل وجود هذه الكيان نفسه، إلا أن مشروعها الإقليمي لايزال عمومياً ويكاد يقتصر على الرفض والممانعة، على رغم الأحاديث العابرة لدى بعض أوساط هذا المحور عن ضرورة “التوجّه شرقاً” نحو الصين وروسيا ومنظومة البريكس وشانغهاي لبناء نظام إقليمي جديد.
ويزداد هذا المشروع الثاني ضبابية بسبب عدم اتضاح موقع مصر وتركيا فيه، اللتين تشكلان (كما هو معروف) ضلعي المثلث الذهبي الثلاثي مع إيران المكوّن لكل تاريخ وحضارة المنطقة العربية- الإسلامية.
سنأتي بعد قليل إلى هذه النقطة الأخيرة. لكن قبل ذلك لا بد من الإشارة إلى أن انتفاضة غزة، ومهما كانت النتائج التي ستسفر عن هذا الحدث التاريخي الجلل، ضعضعت بضربة واحدة النظام الإقليمي الذي أقامته الولايات المتحدة وإسرائيل بعد حرب 1967، وهزّت بعنف أركان النظام الإقليمي الجديد الذي كانت واشنطن تُعد له منذ العام 1991، مرة بالتفاوض ومرات بالحروب، والذي تجسّد أخيراً في مشروع الممر الاقتصادي من الهند إلى إسرائيل مروراً ببعض دول الخليج، الذي كان يفترض أن يتوّج عملية التطبيع بين المملكة العربية السعودية والكيان الصهيوني.
لكن، وفي الوقت نفسه، فإن المحور الثاني بقيادة إيران وعلى رغم إنجازاته الراهنة، لن يستطيع بمفرده إقامة نظام إقليمي جديد (ولا أيضا تركيا التي حاولت ذلك هي الأخرى منذ 2011، وقبلها مصر الناصرية)، حتى ولو كانت مدعومة من روسيا والصين. وهذه المسألة، أي عجز أي طرف في المثلث الذهبي من التفّرد في إقامة نظام إقليمي، ليست مسألة راهنة تتعلّق بعائق القوة الأمبرطورية الأميركيةوحدها، بل هي حقيقة تضرب جذورها عميقاً في التاريخ عبر ثلاثة مؤشرات:
1- أن كل الامبرطوريات في تاريخ المنطقة، من الحثيين والفرس والفراعنة إلى العرب والعثمانيين، لم تكن لتستطيع إقامة نظامها الإقليمي إلا بالتمازج (وليس بالضرورة التوافق) بين هذه الأطراف الإقليمية الكبرى الثلاث.
2- ، أن النظام الإقليمي الذي أقامته بريطانيا وفرنسا، ثم الولايات المتحدة، في العصور الحديثة في ما يسمى الشرق الأوسط، قام على أساس استخدام لعبة الكراسي الموسيقية بين مصر وتركيا وإيران. فمثلاً، حين “تمردّت” مصر الناصرية على النظام الأميركي الأميركي- الإسرائيلي، حرّكت واشنطن ضدها أنقرة وطهران (ومعهما بالطبع تل أبيب الوافدة حديثاً إلى النظام). وحين “تمرّدت” إيران الخميني على النظام، حرّضت واشنطن ضدها تركيا ومصر.. وهكذا.
3- تركيا، وقبلها مصر الناصرية، حاولت إقامة نظام إقليمي جديد بمفردها(العثمانية الجديدة)، لكنها عجزت عن ذلك. والأرجح الآن أن تعجز إيران عن هذا إذا ما بقيت دعوتها إلى النظام الجديد بمعزل عن طرفي المثلث الذهبي الآخرين.
قد يقال هنا أن الخلافات الإيديولوجية والجيوسياسية بين مصر وتركيا وإيران، وبغض النظر عن لعبة الكراسي الموسيقية الأميركية، عميقة وشاسعة بحيث تعيق حتى أي تفكير بالحوار ناهيك بالتعاون. وهذا صحيح.
لكن، ثمة في المقابل عوامل جديدة تدفع ليس إلى التوافق على الإديولوجيا والمصالح المنفردة للدولة- الأمة في كل منها، بل إلى التفاهم على صيغة وستفالية جديدة بينها توقف التدخلات الخارجية لكل منها في شؤونها الداخلية، وتحظر التوغلات الإيديولوجية، خاصة المذهبية منها، في التراكيب الدينية الراهنة.
من هذه العوامل أن الولايات المتحدة، الغارقة في أزماتها الداخلية الاجتماعية- الثقافية والاقتصادية ومعاركها الخارجية المُستنزفة مع روسيا والصين، لن تستطيع بسهولة (بعد طوفان الاقصى) إقامة أي نظام إقليمي جديد في المنطقة، إلا بعد حرب إقليمية عامة تكاد تكون عالمية. وأصلاً هي لم تكن تريد إقامة ترتيبات لتحقيق الاستقرار والسلام في هذا الإقليم (كما إدعى الرئيس بايدن في مقال له مؤخراً في “واشنطن بوست”)، بل في الواقع الإنسحاب من الشرق الأوسط والتفرّغ لمنطقة شرق آسيا / الباسيفيك التي تسيطر الآن على نحو 60 في المئة من حجم التجارة العالمية، عبر تسليم إسرائيل قيادة هذه الترتيبات الإقليمية الجديدة.
الولايات المتحدة جرّبت منذ العام 2001 تغيير المنطقة بحروبها في أفغانستان والعراق، والتي كان يفترض أن تتمدد سريعاً إلى سورية وإيران. وحين فشلت، لجأت منذ العام 2011 إلى تفجير المنطقة من داخلها ونشر الفوضى التامة فيها. والآن، وبعد زلزال غزة، قد سيتعمّق على الأرجح هذا التوجّه الأميركي لنشر الفوضى، وسيطال حتماً (وهو بدأ يطال بالفعل) تركيا ومصر وبالطبع إيران.
وفي الوقت نفسه، إتضح من مشروع الممر الاقتصادي الهندي- الخليجي- الإسرائيلي أن كلاً من مصر وتركيا مقصيتان منه، إلا ربما كأطراف هامشية تابعة أو ملحقة بالنظام الاقليمي لهذا المشروع. وهذا ينطبق على وجه الخصوص على مصر التي تتعرّض الآن إلى “حصار وحشي” (على حد تعبير محلل روسي على رغم تحالفها مع الولايات المتحدة) يتمثّل في شق قناة بن غوريون المنافسة بقوة لقناة السويس (لأنها عملية أكثر منها)، واستمرار محاولة خنقها المائي عبر سد النهضة الإثيوبي، والجهود الإسرائيلية- السعودية لإبعادها عن البحر الأحمر، وإشعال الحرائق في حديقتها الخلفية في السودان وليبيا، وأخيراً عبر محاولات تهجير مليوني فلسطيني إلى أراضيها في سيناء.
المصلحة الأولى الآن لأركان المثلث الذهبي بعد تداعي المشروع الإقليمي الأميركي الجديد، هو وقف تمدد الفوضى إلى مواطنها، وهي فوضى ستتعمق أكثر بكثير مع الفراغ الهائل الذي سيتركه “الفراغ الأميركي” بفعل حرب غزة، والذي لا يبدو أن الأساطيل الأميركية الكثيفة في بحار المتوسط والأحمر والخليج ستتمكّن من ملئه.
ثم: ثمة مصلحة ثانية لا تقل أهمية: الحروب الداخلية على أنواعها التي استعرّت في الإقليم منذ العام 1991 ووصلت إلى ذروتها في العام 2011، أصابت كل دول المثلث بالإرهاق الشديد، وكلّفت المنطقة ككل أكثر بكثير من التريليون دولار اقتصادياً، وملايين اللاجئين ديموغرافيا، وتآكلاً هائلاً في بنية البيئة الطبيعية فيما كانت الأمم المتحدة تضع منطقتنا على رأس الأقاليم المهددة بكوارث تغيّر المناخ.
ثم أيضا وأيضاَ هناك ثمة مصلحة “ضميرية”، إذا جاز التعبير، لدى قادة هذا المثلث بانقاذ حضارتنا المشرقية العريقة المهدّدة بزوال حقيقي على يد كوارث لا تحصى بيئية واجتماعية واقتصادية وديموغرافية، كما حذّر مؤخراً مسؤول إيراني.
* * *

ربما بات واضحاً الأن أن ما تجابهه منطقتنا بعد زلزال غزة وما سيليه من تطورات مفاجئة كبرى، يرقى بالفعل إلى مرتبة الخطر الوجودي الحقيقي على إقليمنا برمته وعلى حضارتنا برمتها.كما أنه في الوقت نفسه يوفّر فرصة هائلة كي يستعيد إقليمنا الحضاري الكبير إستقلاله وحريته ودوره التاريخي الموحّد في العالم.
وهذا ما يفرض على قادة المشروع الإقليمي الثاني بلورة هذا المشروع في صيغ محددة وواضحة اقتصادياً وثقافياً كما استراتيجيا، بالتوافق مع الصين وروسيا وقوى البريكس، كي تتمكّن منطقتنا من إجهاض المحاولات الأميركية الكثيفة لإنقاذ مشروعها الإقليمي الذي تداعى بالفعل إثر طوفان الأقصى، بفعل إنكشاف هشاشة قاعدته الأساسية: الكيان الصهيوني.
كذلك، يتعيّن على القوى العربية، بريادة الجبهة العربية التقدمية، أن تتقدم الصفوف الآن في الوطن العربي لتوحيد القوى التقدمية فيه وفق الوثيقة التي جرى إعدادها قبل طوفان الأقصر (نص الوثيقة في مكان آخر) والتي أكدت خلاصاتها طبيعة المعركة الإقليمية- الدولية التي يتعيّن على الأمة العربية خوض غمارها.
* * *
لقد أشرنا في البداية إلى أن منطقتنا دخلت بالفعل بعد حرب غزة مرحلة تاريخية كبرى جديدة. ونقول الآن أن أي تلكؤ من جانب الأمة العربية ونخبها التقدمية في تقدم الصفوف لخوض معركة النظام الإقليمي المستعّرة بقوة الآن، ستدفع الوطن العربي ( لا سمح الله) إلى هوامش التاريخ مجددا.
___

اقرأ المزيد
آخر الأخبار