شكّلت الضربات “الإسرائيلية” على سوريا ليل 19 – 20 آذار 2026 لحظة كاشفة تتجاوز معناها العسكري المباشر، حيث أعلنت إسرائيل استهداف مواقع حكومية سورية في الجنوب، بينها مركز قيادة ومستودعات سلاح، بذريعة الرد على هجمات طالت مدنيين دروزا في السويداء.
ما يفرضه هذا التطور ليس الاكتفاء بتسجيل واقعة قصف جديدة، بل النظر إليه بوصفه مؤشرا إلى تبدل موقع سوريا داخل الصراع الإقليمي الجاري، فهو يكشف انتقال سوريا من ساحة تتأثر بالحرب الإقليمية إلى ساحة تؤدي وظيفة تشغيلية داخلها.
لم تعد المسألة محصورة في موقع عسكري ضُرب أو في ذريعة أمنية أُعلنت، بل في نوع الدور الذي أُسند إلى الجغرافيا السورية ضمن الحرب الدائرة بين “إسرائيل” وإيران، وفي الكيفية التي صار بها الجنوب السوري جزءا من منطق الاشتباك الإقليمي الأوسع.
لماذا لم يعد القصف مجرد امتداد للسياسة الإسرائيلية القديمة؟
الخطأ الأول في فهم هذا التطور هو النظر إليه باعتباره استمرارا آليا للسياسة “الإسرائيلية” القديمة في سوريا، من قصف هنا، واغتيال هناك، ورسائل ردع متقطعة، فهذا التوصيف كان صالحا حين كانت الضربات تُبرَّر بحجة منع التموضع الإيراني أو وقف نقل السلاح إلى حلفاء طهران.
ثمة إضافة نوعية فـ”إسرائيل” لا تضرب فقط ما تعتبره امتدادا إيرانيا، بل تتدخل في المجال السوري الداخلي عبر خطاب “حماية الدروز”، وإعادة تعريف مشروعية استخدامها للقوة داخل سوريا من بوابة اجتماعية-طائفية محلية، فلم تعد سوريا مجرد ممر للسلاح أو ساحة خلفية، بل أصبحت حقلا مفتوحا لإعادة تركيب الذرائع الأمنية والسياسية في زمن الحرب الكبرى.
سوريا داخل الحرب لا على هامشها
هذا التحول لا يمكن فصله عن الحرب الأوسع الجارية بين “إسرائيل” وإيران التي دخلت أسبوعها الثالث مع توسيع الولايات المتحدة انتشارها العسكري في المنطقة، وإرسال آلاف من المارينز والبحارة وتعزيز وجود بحري إضافي، في وقت تتسع فيه رقعة الضربات والردود المتبادلة من إيران إلى الخليج ولبنان.
الضربة في سوريا ليست هامشا على متن الحرب، بل جزء من اقتصادها الاستراتيجي، فكل ساحة رخوة تُستخدم لتخفيف الضغط عن جبهة، أو لزيادة الضغط على أخرى، أو لإظهار أن “إسرائيل” تستطيع توسيع بنك الأهداف أفقيا كلما اتسعت الحرب عموديا مع طهران.
الجغرافيا السورية بوصفها مساحة نفاذ
لكن لماذا سوريا بالذات قابلة دائما لهذا النوع من التمدد؟ لأن الجغرافيا السورية، منذ عقود، لم تكن مجرد جغرافيا دولة، بل جغرافيا عبور وتماس وتراكب سيادات، من الجنوب إلى الشرق إلى الساحل، تتجاور فيها سلطات متفاوتة الكثافة والشرعية والقدرة.
عندما تضعف الدولة المركزية، أو حين تعجز عن احتكار العنف المشروع، لا تبقى الحدود خطوطا مانعة، بل تتحول إلى مساحات نفاذ، في هذه الحالة، لا تأتي الضربة “الإسرائيلية” فقط من تفوق عسكري، بل من قراءة دقيقة لبنية الفراغ؛ أين تضعف القبضة؟ أين تتداخل المرجعيات المحلية؟ أين يمكن تحويل جماعة اجتماعية بعينها إلى مدخل سياسي وأمني للتدخل؟ السؤال “الإسرائيلي” ليس ماذا نضرب؟ بل أيضا أين يمكن أن نصوغ رواية تجعل الضربة قابلة للتسويق كفعل حماية لا كفعل عدوان وحسب؟
معطيات رقمية: كثافة الضربات في 2025
يشار هنا إلى أن عام 2025 شهد أكثر من 600 هجوم إسرائيلي على سوريا، جوا وبالطائرات المسيّرة والمدفعية، بحسب حصيلة نقلتها تغطيات لاحقة عن بيانات ACLED، أي بمعدل يناهز هجومين يوميا تقريبا، والأهم من الرقم المجرد أن نحو 80% من هذه الهجمات تركزت في المحافظات الجنوبية: القنيطرة ودرعا وريف دمشق، ووحدها القنيطرة سُجل فيها ما لا يقل عن 232 هجوما، تلتها درعا بـ167 هجوما، ثم محافظة دمشق بـ 77 هجوما، بينها 20 هجوما على مدينة دمشق نفسها.
هذه الأرقام لا تدل فقط على كثافة النار، بل على إعادة تشكيل الجنوب السوري بوصفه الحيز الأكثر تعرضًا لإعادة الضبط بالقوة.
التوغلات البرية: من ضغط حدودي إلى وقائع ميدانية
غير أن التحول الأهم لم يكن في كثافة الضربات وحدها، بل في تزاوجها مع التوغلات البرية، فمنذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، تقدمت القوات “الإسرائيلية” داخل أراض سورية، وبات هذا التقدم نفسه موضوعا في المحادثات الأمنية غير المباشرة بين سلطة دمشق وتل أبيب.
في 5 كانون الثاني 2026، كانت سلطة دمشق تطالب صراحة بانسحاب “إسرائيل” من الأراضي التي سيطرت عليها بعد سقوط النظام السابق، فيما أقرت تقارير دولية بأن القوات “الإسرائيلية” تقدمت أعمق عبر الحدود بعد ذلك التحول السياسي، وأن سوريا كانت تطالب أيضا بوقف الغارات والتوغلات معا/ وفي الشهر نفسه، حذّر مسؤول أممي أمام مجلس الأمن من أن الاقتحامات الإسرائيلية المتواصلة في جنوب سوريا ما زالت تقوض السيادة السورية ووحدة أراضيها.
أمثلة دالة من 2025 و2026
يتضح أن عام 2025 لم يكن عام ضربات بعيدة فحسب، بل شهد أيضا عمليات برية مباشرة، ففي 25 آذار 2025 قالت “إسرائيل” إن قواتها اشتبكت مع مسلحين في الجنوب السوري، بعد أن شنت في اليوم نفسه ضربات على قاعدتين في حمص، بينما قالت سلطة دمشق إن الهجوم على بلدة كويا في درعا أوقع ستة قتلى.
في28 تشرين الثاني 2025 نفذت القوات “الإسرائيلية” غارة برية على بيت جن في ريف دمشق الجنوبي، فالإعلام الرسمي السوري تحدث عن13 قتيلا وعشرات الجرحى، بينما قالت “إسرائيل” إن ستة من جنودها أُصيبوا خلال العملية.
كما أُشير إلى توغل سابق في 12 حزيران 2025 قالت “إسرائيل” خلاله إنها اعتقلت سبعة أشخاص، في حين قالت سلطة دمشق إنهم مدنيون، وفي شباط 2026 استمرت الحوادث الحدودية في القنيطرة، مع تقارير عن توغلات محدودة واحتجاز مدنيين واختراق آليات عسكرية “إسرائيلية” لمناطق زراعية.
السويداء: من خصوصية محلية إلى أداة في معادلة الردع
تكتسب السويداء أهمية مضاعفة في المشهد الحالي، فهي ليست مجرد محافظة جنوبية ذات خصوصية ديموغرافية، بل عقدة تتقاطع فيها ثلاث مسائل: هشاشة العلاقة بين المركز والأطراف، الحساسية التاريخية المرتبطة بالدروز داخل المجال السوري وامتدادهم الاجتماعي داخل “إسرائيل”، ثم الحاجة “الإسرائيلية” إلى تطوير أدوات خطابية تتيح التدخل المباشر في لحظة حرب إقليمية واسعة.
حين تقول “إسرائيل” إنها تضرب “لحماية الدروز”، فهي لا تحاول فقط كسب شرعية أخلاقية؛ إنها تعيد رسم الجنوب السوري باعتباره مجالا أمنيا متصلا بمصالحها الداخلية، فتصبح الجماعة المحلية، من منظور القوة الخارجية، عنصرا في معادلة الردع، لا طرفا محليا فقط، فالوجه الأكثر خطورة في الحدث هو تحويل البنية الاجتماعية السورية إلى لغة من لغات الصراع الإقليمي.
السيادة بين النص القانوني والقدرة الفعلية
وفق هذا المستوى ليس مفيدا الحديث عن “انتهاك السيادة” بمعناه الخطابي فقط، رغم أن الضربات تمثل ذلك بوضوح، فالأهم ما مقدار السيادة الفعلية التي تملكها سوريا اليوم كي تنتهك؟ فالسيادة ليست نصا قانونيا فحسب، بل قدرة مادية على ضبط الإقليم، وإدارة التوازنات المحلية، ومنع القوى الخارجية من تحويل الانقسامات الداخلية إلى أدوات نفوذ.
كلما ضعفت هذه القدرة، صار الاحتجاج القانوني صحيحا من حيث المبدأ، لكنه غير كاف من حيث التفسير، فالذي يسمح بتكرار الضربات ليس فقط نية المعتدي، بل أيضا بنية الدولة التي لم تعد قادرة على فرض نفسها بالتساوي على كامل المجال الوطني، وفي الجنوب على وجه الخصوص، تبدو هذه الحقيقة أكثر قسوة، فالمساحة أقل تحصينا سياسيا وعسكريا، وأكثر تعرضا للتماس “الإسرائيلي”، وأكثر قابلية للاستثمار الخارجي حين تتوتر البنية المحلية.
الحرب على إيران وأثرها في إعادة ترتيب الساحات
ربط الضربات بالحرب بين إسرائيل وإيران ليس تفصيلا سياقيا، بل مفتاح التفسير، فـ”إسرائيل”، وهي توسع عملياتها ضد إيران وتستهدف كذلك ساحات مرتبطة بها أو متأثرة بها، تحتاج إلى منع تشكل أي طوق إقليمي منسق يقيّد حركتها أو يفرض عليها أثمانًا إضافية.
مع اتساع الضربات إلى البنية الطاقية في الخليج وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت مئة دولار للبرميل، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل صارت حربا على خرائط الطاقة والممرات والإمداد والاستقرار السوقي، وفي مثل هذه الحروب، تصبح سوريا مهمة لا بسبب وزنها الاقتصادي المباشر، بل بسبب موقعها في هندسة المجال الإقليمي؛ عقدة بين لبنان والعراق والأردن وفلسطين المحتلة، وبوابة يمكن عبرها إرسال الرسائل العسكرية والسياسية بتكلفة أقل نسبيا من فتح جبهات أخرى أكثر كلفة.
الاقتصاد السياسي للحرب: إدارة الأسواق بقدر إدارة الجبهات
تظهر أيضا سوية أخرى من التحليل، فالاقتصاد السياسي للحرب، فحين تشتعل المواجهة مع إيران وتتعرض منشآت الطاقة لهجمات وتتحرك الأساطيل وتعاد حسابات المرور في الخليج، ويصبح كل تحرك عسكري جزءا من معادلة أشمل تخص الأسواق بقدر ما تخص الجبهات.
الضربة في سوريا تبدو، ظاهريا بعيدة عن حقول الغاز ومضائق النفط، لكنها في الواقع جزء من سياسة ترمي إلى توسيع هامش المناورة “الإسرائيلية” في الإقليم كله، وإظهار أن يدها لا تزال حرة في ساحات متعددة في وقت تتعرض فيه لضغط صاروخي وعسكري متزايد من إيران وحلفائها، والمعنى الاقتصادي غير المباشر هنا أن الحرب لا تدار فقط من أجل تدمير القدرات، بل من أجل “إدارة الإدراك” من الذي يملك زمام التصعيد، ومن الذي يستطيع توسيع رقعة الاشتباك من دون أن يفقد المبادرة.
إعادة توزيع الأدوار في المشرق
الضربات الإسرائيلية على سوريا لا ينبغي اختزالها إلى ثنائية تقليدية من نوع “عدوان خارجي” مقابل “رد سيادي”، والذي اقتصر على استنكار ببيان، لكنه ضعيف وغير كاف، وما نراه أعمق من ذلك لأنه يطال إعادة توزيع للأدوار داخل الإقليم، فـ”إسرائيل” تقاتل إيران، لكنها في أثناء ذلك تعيد تعريف البيئات المحيطة بها وفق منطق أمني جديد، وسوريا بسبب تآكل مركزيتها، وحل جيشها الوطني، تُدفع إلى أن تكون أرض اختبار لهذا المنطق.
في هذه الصيغة، لا يعود الجنوب السوري طرفا هامشيا، بل يصبح موضعا تلتقي فيه الحرب الكبرى مع التوترات المحلية، وتلتقي فيه المسألة الطائفية مع الحسابات العسكرية، وتلتقي فيه أزمة الدولة السورية مع مشروع “إسرائيلي” أوسع لإعادة تشكيل شروط الردع في المشرق.
سوريا بوصفها نقطة تقاطع للحروب
الاعتداء ليس خبرا عن صواريخ سقطت على موقع عسكري فحسب، بل مؤشر على مرحلة صار فيها تفسير الحدث السوري مستحيلا من داخل سوريا وحدها، فما يجري في الجنوب اليوم واحد من التعبيرات الأكثر كثافة عن حقيقة إقليمية أوسع، فالحرب بين “إسرائيل” وإيران لا تخاض فقط على خطوط التماس المباشرة، بل أيضا عبر تفكيك الهوامش، واستثمار الفراغات، واستخدام الجماعات المحلية، وإعادة ترتيب الجغرافيا السياسية للدول الأضعف.
تبدو سوريا مرة أخرى المكان الذي تتقاطع فيه الحروب أكثر مما تُحسم فيه، والمجال الذي تنكشف فيه، بأوضح صورة، أزمة المشرق المعاصر؛ دول ناقصة السيادة، وحدود قابلة للاختراق، ومجتمعات تستدعى إلى الصراع بوصفها ذريعة أو أداة أو ميدانا.





المصدر: سوريا الغد