قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

الجبهة العربية التقدمية: مشروع نهوض في مواجهة التفتيت والاستعمار

الجبهة العربية التقدمية
ورقة للنقاش

إن نظرة طائرة إلى الوطن العربي اليوم تكشف النقاب فورا عن مشهد أشبه بإقليم ضربه زلزال عنيف، أو مدينة إجتاحها تسونامي، لا بل يمكن القول إن وطننا العربي يكاد يكون الآن صورة مكبرة لغزة وجنوب لبنان الذين دفعا أثمان الكرامة والحرية نيابة عن الأمة كلها.
قد يقال إن العديد من البلدان العربية والمدن والبلدات لا تعكس مشهد الدمار هذا. وهذا صحيح، لكن في الشكل فقط. فتحت السطح هناك إنهيارات لا تتعلق فقط بتمزيق دول وكيانات كفلسطين وسوريا والعراق واليمن ولبنان والسودان، (وهي الدول التي قررت الولايات المتحدة الأميركية تقويضها رسمياً في العام 2002)، بل أيضاً في مجال تطبيق نظرية بريجنسكي “الضرب تحت الجدار”، أي نسف الهوية القومية العربية، وقيمها الحضارية، وتفتيت الإنتماء التاريخي الحضاري لمنطقتنا إلى إنتماءاتٍ مدمرة، ما قبل وطنية وقومية، إثنية وقبلية وطائفية…
لنبدأ بوضع نقاط أساسية على لوحة هذا المشهد، مشهد الخراب الإنساني والحضاري والجيوسياسي، لتبرز أمامنا صورته بكل وضوح:
1- إن الحرب الهمجية على غزة والضفة الغربية لم تكن بسبب طوفان الأقصى. كان طوفان الأقصى هو الذريعة لتنفيذ عملية تدميرغزة والضفة الغربية وتهجير الفلسطينيين مجدداً من بيوتهم وقراهم ومدنهم ومخيماتهم. كذلك فإن الحرب على لبنان لم تكن بسبب مساندة المقاومة اللبنانية للشعب الفلسطيني. فهذه الحرب كانت مقررة سلفاً، وكانت غايتها تهجير الشيعة من لبنان في عملية إعادة رسم الجغرافيا الديموغرافية للمنطقة. أما “المساندة” فقد كانت مجرد ذريعة.
إن إجتياح إسرائيل لمناطق واسعة من سوريا بعد سقوط النظام السابق، وتدمير كل مخزون سوريا من السلاح، والإدعاء ببسط حمايتها على أقلياتٍ طائفية وإثنية هناك، من دون أية ذريعة تؤكد حقيقة الحرب على غزة والضفة وجنوب لبنان.
2- لقد ثبت بما لا يدع أي مجال للشك، بأن إسرائيل لم تكن قادرة على خوض هذه الحرب. وأن الولايات المتحدة الأميركية، ومعها الغرب الإستعماري، هي التي قررت هذه الحرب، وهي التي خاضتها مباشرة من أجل تحقيق الأهداف التي أشرنا إليها.
3- إن المشروع الأميركي – الصهيوني الذي يعمل على تنفيذه، يستند إلى واقع النظام الرسمي 0 العربي، المتواطئ غالباً والعاجز أحياناً، وبالمقابل فإن التصدي لهذا المشروع الكبير والخطير يقتصر على مجموعات المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق.
لقد أثتبتت الحرب منذ طوفان الأقصى، إن الساحة العربية، الساحة الشعبية العربية، هي مساحة فارغة، لم تعمل القوى الوطنية على ملئها، وهذا هو دورها التاريخي، إما لقصور في الرؤية، أو لعجز في تأهيل نفسها لأداء هذا الدور. لذلك فقد اقتصر الحضور الشعبي العربي في الميدان على صرخات غضبٍ مبحوحة كانت تتبدد في الفراغ.
إن الرأسمالية المعولمة جعلت كوكب الأرض في المرحلة الراهنة عالقاً بين رحى بابل ودزني لاند، فيتعرض إلى عملية تمزق هويات متسارعة بعنف، وتتوازى في اللحظة ذاتها مع عملية توحد قسرية في إطار السوق العالمية، وإلى اختلالات كبيرة في ميادين عدة: فكرياً ومالياً ومناخياً وجيوسياسياً وأخلاقياً وقيمياً.
الأمة العربية هي جزء من كل إنساني وحضاري مستهدف. وهذا أدى إلى الحدث الجلل الذي نراه الآن، والذي أسميناه قبل قليل “الضرب أسفل الجدار”. أي تقويض الإنتماء القومي العربي والهوية العربية خلال العقود الأخيرة، بما كانت تتضمنه هذه الهوية من قوة دمج لكل المذاهب والأديان، ومن مساواة في مفهوم المواطنة. والمؤسف أن تهاون النخب الإصلاحية والتقدمية العربية في مجال الحفاظ على القيم والدفاع عن الهوية ساهم في إيصال الأمة إلى هذا الحضيض.
ما العمل؟…
الجبهة العربية التقدمية هي المؤهلة، بل يجب أن تكون مؤهلة، لملء الفراغ في الساحة الشعبية. كيف؟
أولاً: على الجبهة أن تقود ثورة ثقافية لإحياء العروبة كهوية حضارية تتفاعل فيها وتتحد كل المكونات في الساحة العربية. وفي هذا المجال يجب أن تحفز طاقات المفكرين والكتاب والإعلاميين والفنانين للمساهمة في هذه الثورة.
ثانياً: على الجبهة أن تتفاعل وتتكامل مع قوى المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق، ما يساعد على فك الحصار عن هذه المقاومة، ويساعد أيضاً على إخراج القوى التقدمية من حالة الترهل والعجز، والإنخراط في مشروع عمل شعبي مقاوم للهجوم الإستعماري الأميركي – الصهيوني على أمتنا.
ثالثاً: إقامة علاقات ثابتة مع كل القوى المناهضة لهذا المشروع الإستعماري في هذا العالم، دولاً وأحزاباً.
رابعاً: إنشاء مؤسسات للجبهة العربية التقدمية تعمل في مختلف المجالات، الفكرية والثقافية والفنية ومقاومة التطبيع مع العدو.

اقرأ المزيد
آخر الأخبار