قراءات سياسية فكرية استراتيجية

العديسة الثالثة: ثابتة

أيام عصيبة يعيشها الجنوب اللبناني بسبب القسوة في التدمير والتي طالت أولًا قرى المناطق المتاخمة لفلسطين المحتلة؛ وكوني أحد أبناء إحدى أقرب هذه القرى الى فلسطين “العديسة”، رأيت من واجبي كباحث في التاريخ، ان أكتب عن تاريخها وموجات التدمير التي عاشتها عبر التاريخ، رغم اننا لا نملك الوثائق والدلائل القاطعة على ذلك، لكن الآثار الباقية وعلى ندرتها، بالموازاة مع تاريخ المنطقة المتعارف عليه، تساعد على استخلاص صورة قريبة لذلك التاريخ.
العديسة الأولى
الناحية الغربية لبلدة العديسة الحالية، وهي مساحة مسطحة على هضبة غير مرتفعة نسبياً، تُعرف باسم “خربة جَولى”. يعج المكان ببقايا فخارية وحجرية تعود الى الحقبة الكنعانية (الفينيقية)؛ والمتعارف عليه، بأن كل المواقع في لبنان وباقي بلاد الشام التي تحمل اسم “خربة” هي مواقع أثرية، أي كانت معمورة في العصور الغابرة، وغالبًا ما أثبتت الحفريات وجود آثار لعمارة قديمة اندثرت مع الأيام. كان يوجد في المكان بعض الصخور التي تحمل نقوشًا قديمة باللغة الاشورية وربما الآرامية، لكن قوات الاحتلال سرقت هذه الصخور إبان سيطرتها على البلدة بين عامي 1977 و2000، كما خرّبت بقايا الطريق الرومانية التي كانت لا تزال موجودة هناك، والتي كانت تربط مدينة صور بمدينة بانياس السورية؛ كان المؤرخ الأستاذ عبد الجميد بعلبكي قد أشار الى عمليات النهب والتدمير التي طاولت المكان على يد قوات الاحتلال، في محاضرة ألقاها عام 2006 في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في النبطية، والذي دمرته الغارات الحاقدة منذ أيام. كنت شخصيًا قد شاهدت آثار هذه الطريق بين بلدتي الطيبة والقنطرة المجاورتين، وكانت هذه الطريق تتابع مسارها من بانياس الى مدينة دمشق، ومن المرجح ان المكان كان محطة على الطريق الرومانية الآنفة الذكر.
إذا أردنا البحث في أسباب زوال هذه القرية الدارسة، وما كان اسمها، فلا بد لنا من التوقف عند اسم “جولى” وهو اسم غير عربي، ويرجح الأستاذ فوزي بعلبكي في بحث نشره في جريدة المستقبل، أن يكون الاسم لإحدى الآلهة الأشورية “جولا”، لكن ذلك يبقى في دائرة الترجيحات؛ أما بالنسبة الى سبب اندثار هذه القرية الكنعانية، ومن خلال الحروب والغزوات التي طالتها، هناك عدة احتمالات: أولها الغزو البابلي للمنطقة في عهد الملك نبوخذ نصر في أوائل القرن السادس ق.م.، والثاني هو الغزو الإغريقي للمنطقة بقيادة الإسكندر المقدوني في القرن الرابع ق.م.، والذي كان من نتائجه تدمير مملكة صور، والثالث هو الغزو الروماني في القرن الأول ق.م.، والذي أطاح بالحقبة الإغريقية.
العديسة الثانية
الناحية الشمالية من البلدة الحالية، وهي عبارة عن هضبة مرتفعة تطل على البلدة الحالية، تُعرف باسم “خربة العَرَصَة” وتضم بقايا آثار ومغاور وآبار وفخاريات تعود الى الحقبة الواقعة بين القرنين التاسع والثاني عشر الميلاديين. الاسم عربي، فكلمة “العَرَصة” في اللغة العربية تعني فسحة الدار، او الفسحة الواقعة بين الدور التي لا بناء فيها. وكان يطلق على هذا المكان اسم “العديسة الفوقا” تمييزًا لها عن البلدة الحالية والتي تقع في أسفلها، والغالب ان اسم العديسة الثانية كان “العديسة”. هذا الاسم العربي القديم للمكان يشي بوجود قرية عربية الهوية سكنها العرب الذين استوطنوا بلاد الشام وجبل عامل تحديدًا في حقبة ما قبل الإسلام. والمتعارف عليه تاريخيًا، بأن قبائل عربية متعددة جاءت من جزيرة العرب، ومنها بنو وائل وقبائل تنوخ والغساسنة، ومنها قبيلة عاملة التي سكنت المنطقة، ومنها اكتسبت اسم “جبل عاملة”، او “جبل عامل”. من المرجح ان تكون هذه القرية قد دمّرت إبان الحروب بين صلاح الدين الأيوبي والفرنجة (الصليبيين) في الربع الأخير من القرن الثاني عشر م.، أو بعد ذلك بقليل، لأن ابن جبير زار المنطقة حوالي العام 1183م وبالتحديد زار بلدة هونين المجاورة للعديسة، وتحدث عنها وعن قلعتها، والتي سقطت بيد صلاح الدين الايوبي سنة 1187م. والاحتمال الأضعف ان تكون قد صمدت بعد استرجاعها فيما بعد من الصليبيين، وان تكون قد دمرت في حروب المماليك مع الصليبيين حوالي العام 1266م.
العديسة الثالثة
يبدو انه عقب تدمير العديسة الثانية، عمد من تبقى من السكان، ومن لجأ الى المنطقة بعد جلاء الفرنجة، ببناء قريتهم الجديدة في الوادي الواقع أسفل العديسة الثانية، وبالضبط بالقرب من عين ماء دائمة الجريان لا تزال موجودة الى اليوم، والتي من المرجح انها كانت معروفة من أهالي العديسة الثانية. أقدم بيوت القرية ومسجدها والمقبرة، والبيادر القريبة، تدل على انها كانت نواة العديسة الثالثة والتي استقطبت لاحقًا سكانًا من القرى المجاورة، وبدأت تستعيد دور العديسة الأولى (جولى) كنقطة على طريق التجارة المحلية، خاصة وأنها شكّلت نقطة تواصل بين سكان جبل عامل، ومناطق شمال فلسطين، ومنطقة الجولان، ومنطقة وادي التيم وحاصبيا. يدل على ذلك، وجود سوق أسبوعي في البلدة كان يقام يوم الأربعاء من كل أسبوع، ويقصده المزارعون وأصحاب المواشي والمكارية (صغار التجار) من كل المناطق المحيطة؛ كان سوق العديسة واحداً من أسواق جبل عامل العديدة، لكن أهمها كانت أربعة: سوق الإثنين في النبطية، وسوق الأربعاء في العديسة، سوق الخميس في بنت جبيل، وسوق الجمعة في تبنين. كما كان هناك سوق آخر في منطقة حاصبيا بالقرب من نهر الحاصباني، ويُعرف بسوق الخان؛ معظم هذه الأسواق لا زالت موجودة، وتمتد لأكثر من خمسة قرون، ولا يُعرف بالضبط تاريخ نشوئها.
مع التزايد السكاني، توسّعت القرية وظهرت حارة جديدة الى الشرق منها، وأخذت اسم “الحارة الفوقا”، فيما حملت القرية الأساسية اسم “الحارة التحتا”. حصلت طفرة عمرانية هامة بعد تحرير البلدة عام 2000، وظهرت حارات جديدة امتدت لتتاخم البلدات المجاورة: مركبا، رب ثلاثين، الطيبة وكفركلا، والهضاب والسهول المحيطة بالبلدة. امتازت بعض المنازل الجديدة بالفخامة والبناء على طراز الڨيلات، وخصوصًا الحارة التي نشأت في شرق الحارة الفوقا، وهي منطقة مرتفعة مطلة على سهل الحولة الفلسطيني، وهضبة الجولان السورية، ويتزعّم المشهد، جبل الشيخ الشامخ بهيبته وجلالته، المشرف على هضاب وسهول لبنان وسوريا وفلسطين، والذي يسمّيه الدكتور أحمد بيضون” خزان مياه المشرق”، فمنه تنبع كل أنهار المنطقة، لتجتمع في بحيرة طبرية ثم تتوحد في نهر الأردن، حدّ فلسطين الشرقي الذي يفصلها عن برّ الشام.

خلاصة
الحقد الصهيوني على جبل عامل، والذي فشل في ضمه الى مشروعه الاستيطاني منذ العام 1896، (باستثناء القرى السبع)، ترجمه بالتدمير الأعمى الممنهج للقرى المتاخمة لفلسطين المحتلة، وفي طليعتها بلدتي العديسة، الأقرب الى فلسطين؛ ولايزال هذا الحقد يدمّر منازل البلدة برمّتها ويشطبها من الوجود، في عملية إبادة للحضارة والمدنية والعمران، تنم عن همجية ووحشية نادرة.
لهذا العدو نقول: العديسة الثالثة ثابتة (كما يقول المثل: الثالثة ثابتة)، فإن دُمرت العديسة الأولى على يد جحافل الغرب الأوروبي سواء الاغريقية منها او الرومانية، ثم مُسحت العديسة الثانية بسبب جحافل الغزو الإفرنجي الصليبي الأوروبي، فإن العديسة الثالثة لن تمحوها همجية الاستيطان الصهيوني، والذي هو بالأصل مشروع استعماري تقسيمي غربي أوروبي، ثم حظي بتأييد أميركي، بلباس صهيوني. ان قهقهات الجنود الصهاينة وسعادتهم والتي تعلو مع تفجير كل حارة ومنزل، هي أقرب ما تكون الى حفلات العربدة والنهب التي سجّلها التاريخ عند دخول جحافل الغزو الصليبي الى كنائس ومساجد بيت المقدس عام 1099م.، ثم لاحقًا الى كنيسة آيا صوفيا في القسطنطينية عام 1204م.
سيعود أهالي العديسة الى بلدتهم ويجددون تألقها، ويستأنفون توسعها، ويزرعون مجددًا التين والزيتون والورود بدل الذي حرقتم، ولن يسمحوا للتاريخ بأن يكتب عن العديسة الرابعة، فالثالثة ثابتة وصامدة وسرمدية، الى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.

الكاتب: علي طباجه

اقرأ المزيد
آخر الأخبار