قراءات سياسية فكرية استراتيجية

سياق واحد من كولومبس الى نتنياهو

كارلوس شهاب
بعد مجزرة أم درمان جلس اللورد كتشنر يفكر بحيرة حول ماذا سيفعل بالجمجمة الموضوع أمامه هل سيجعلها وعاء للحبر أم انية للشرب، كانت الجمجمة للشيخ محمد أحمد المهدي قائد الثورة في السودان الذي هزم بريطانيا وأعدم تشارلز غوردون، لم تستطع الامبراطورية النيل منهم وكان قد مات قبل موقعة ام درمان لذلك توجه الجيش المتحضر الى قبره، تم نبشه واخراج عظامه ورميها في النهر بينما اخذت جمجمته الى كتشنر. قبل حيرة كتشنر بأربعة قرون كان كريستوفر كولومبس قد أهدى إمرأة اصلية تم استعبادها إلى أحد رجاله ميشيل دي كونو، وكونو كان رجل ايبري متحضر ومثقف اعتاد تسجيل كل ما يفعله لذلك كتب رسالة مفصلة عن اغتصاب هذه المرأة، وقد صار سلوك كونو في النهم الجنسي ملازماً للنهم للأراضي والذهب حتى أن جل التاينوس أنتحروا مع زوجاتهم حتى لا يُسيروا للمناجم بينما تبقى زوجاتهم بيد الأسبان المتحضرين. بعد رسالة كونو بثلاثة قرون كان اوائل المستعمِرين البريطانيين في ما أطلق عليه كوينز لاند قد وضعوا الاستركنين على غذاء الأبورجين وشاهدوا بكل استمتاع موت الابورجيني بعد تشنجات قاتلة ثم قطعوا رؤوسهم ولعبوا بها كرة قدم. بعد الساحرة المستديرة الاسترالية بما يقارب النصف قرن سيربط جنود الملكة فكتوريا هنوداً على فوهات المدافع ويشاهدوا اللحم وهو يتطاير بعد اطلاق المدفع وبعدهم بنصف قرن أيضاً سيكتب ثيودور روزفلت الرئيس الامريكي الذي نُحت وجهه على جبل راشمور تكريماً «لن أذهب إلى حد القول أن هندياً طيباً هو هندي ميت، لكنها حالة تسعة من عشرة منهم، ولن أضيع وقتي مع العاشر» كان هذا بعد اربعة قرون من الابادة للأصليين في شمال امريكا وبعد ما يقارب الثلاثة عقود على توقف المقاومة الأصلية في مذبحة الركبة الجريحة لكن الابادة استمرت بلا هوادة بعد روزفلت بعشرين عام ستكتب المرأة البريطانية غيرترود بل رسالة إلى والديها حول أمر اثار اعجابها جداً، كان هذا الامر هو اغارة الطائرات البريطانية على العشائر العراقية، لقد بدى ممتعاً لهذه السيدة المتحضرة مسألة احراق العراقيين من الجو.
ان هذا هو تكثيف لمسيرة خمسة قرون من التحضر، نتنياهو هو أحد حلقاتها، لذلك تم التصفيق له، لو لم يفعل ما فعله بغزة لما صفق له أحد اصلاً كما لم يكن ليُنقش وجه روزفلت ولا يُحتفى بصانعة الملوك بِل ولا يُذكر كونو كرجل تقحم المجاهل من أجل أوروبا، أنه سياق واحد من كولومبس الى نتنياهو.

اقرأ المزيد
آخر الأخبار