أنطون سعاده… كتبَ صدقَه بدمائِه
خلافاً لما شاع وكُتب عن الزعيم أنطون سعاده من بعض مناصريه وبعض أخصامه أيضاً أنه سعاده تأثر بالفاشية الإيطالية وبعدها بالنازية، وانّ عداءه لليهود نبع من هذا التأثير…
الحقيقة أنّ سعاده تأثر بـ إيمانويل مونيه وبرغسون وأيضاً بـ كانْت، وخصوصاً بـ هيغل في تفسير جدلية السيرورة التاريخية، وبإبن خلدون في جدلية صعود وتلاشي العصبيات، هذا في المراجع الفلسفية…
أما في القومية وحركات التحرر فقد تأثر بـ سيمون بوليفار وكميليو توريس وجوزي دي سان مارتين وجوزي ارتغاس،
ومُزوّداً بالمعرفة الفلسفية والتاريخية، اخترع سعاده مبدأ فريداً للقومية السورية (دون نكران للقومية العربية) ألا وهو أنّ سورية الطبيعية الجغرافية هي المساحة التي يجب ان يتوحّد ضمن مساحتها شعب من الاتنيات والأديان تمّ تكوينه وصهره انتروبولوجياً من آلاف السنين في سيرورة الكفاح من أجل البقاء وتشكيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية عبر التاريخ الحضاري لسورية الطبيعية، وان لا هوية وطنية بدون أرض ولا قومية جامعة إلا عبر صلة الرحم والأرض.
وانّ وعي النهضة القومية الاجتماعية كفيل بتغليب المصلحة القومية العليا لأمة مكتملة هي سورية، ان تغلب المصلحة القومية جميع العصبيات، وان تنصهر جميعها في الوعي الجماعي والضمير الجماعي للأمة المكتملة، ولم يكترث بتاتاً للخلافات الدينية أو العرقية، ولم يهاجم اليهود السوريين أو الشرقيين، بل على العكس تماماً كان أوّل مَن نبّه إلى الخطر الصهيوني الذي أبتدأ مباشرة بعد قرار الدولة العثمانية ببيع الأراضي الأميرية بالمزادات ابتداء من سنة 1886، عندما تعرّضت فلسطين لغزوة من أصحاب الأموال من محيط فلسطين العربي، وكذلك وأهمّها البعثة البروتستانتية الألمانية، وأيضاً الوكالات الصهيونية التي ابتدأت بإنشاء المزارع النموذجية في أرض فلسطين.
من ناحية أخرى أبصرَ الزعيم (وكان صاحب بصيرة مميّزة) انّ النهضة والثورة التعبيرية متلازمان بشرط بناء تنظيم يحمل المفاهيم الأخلاقية الجمالية الفلسفية النهضة ابتداءاً من تثقيف الفرد أو المناضل الحزبي وقبوله فقط عند تمكّنه من فهم الممارسة الحزبية الاجتماعية والسياسية، وأوّل شرط عليه تلبيتق الوحدة والتحرر، وكان مثال بوليفار والثوار الأميركيين الجنوبيين خير دليل في نزول ملّاكي الأراضي الكبار للقتال مع العبيد والثوار الفقراء من أجل التحرّر من النير الاسباني وتوحيده هو عزل الأنانيات المناطقية أو الطائفية أو العائلية عن الحياة الحزبية لما تتميّز العقيدة الحزبية من تحرّر نهضوي بإمكانه تذويب التناقضات الطبقية أو العرقية أو المذهبية وتحويلها الى جرف إيجابي على طري أميركا الجنوبية وإنقاذها من التشرذم والتقاسم والفتن.
شكل الزعيم منارة علم وثقافة صقلت أجيالاً من الشباب والنساء والكهل وعبرت الحدود والطبقات والطوائف والمذاهب، وذهب بها سعاده الى الشهادة فكتب بدمائه عن صدق وعده الشريف…
وأدخل الزعيم ميثاقية العز والشرف في التجربة الحزبية والحياة الاجتماعية والعقيدة، وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ الدولة الفرنسية اعتمدت الحلفان على الشرف في البيانات المعتمَدة للشهود والأفراد أمام المراجع الرسمية…
التحق بالزعيم عند تأسيس الحزب عدد كبير من المفكرين وأساتذة الجامعات والموسيقيّين والشعراء والفنانين والطلاب ورجال المؤسسات الحكومية والخاصة وأعداد شعبية من العمال والموظفين.
واقتحم الحزب المنابر السياسة والتجمعات والتظاهرات المطلبية على مساحة بلاد الشام.
وكان مركز الحزب الأساسي في حي الجميزة في الرميل تجاه قهوة الزجاج، وكان الاخوان فضول يديرون المطبعة والجريدة اليومية من كنف بيروت.
وانتقل سعادة في بناء الدولة الأمة بالفكرة القومية في حضن جغرافية سورية الطبيعية من مواطنين قاطنيها محرّكها نخبة حزبية مثقفة رائدة مستعدة للتضحية من الفرد في سبيل الكلية القومية الاجماعية، وانّ هذه التضحية تنطلق من التوعية والنضال حتى الشهادة الفردية خدمة للحياة الوطنية وبقاء الأمة السورية.
نقولا التويني
*وزير سابق لشؤون مكافحة الفساد