يعتبر التخلف من أهم مشاكل العصر واكثرها خطورة. فإما أن تقهر شعوب البلدان المتخلفة البؤس والمجاعة ، التي تهدد الغالبية العظمى منها، وإما أن تكون البلدان الصناعية مجرد جزيرات مزدهرة ولكنها عاجزة عن الصمود أمام زحف الجماهير العريضة البائسة والجائعة، الا بواسطة القوة الذرية التي تأكل الأخضر واليابس .
إن جماهير بلدان ما يسمى ” العالم الثالث” ، باتت ، اكثر من أي وقت مضى تعي ظروفها ، وترفض أن تبقى غارقة في وحل التخلف والتأخر ، وأن تتقن الوسائل التقنية المنتشرة في العالم بوعي وبأليات منظمة حديثة، مما يساهم في نشر التقدم في عالمنا المتخلف، ونقل إيديولوجيات تعنى بالمساواة، وتواجه الإمتيازات القديمة المعشعشة في ثنايا المجتمع ومؤسساته، وتبرر اخضاع المستضعفين بتعليلات غير عقلانية وخرافية، أو بفرض إرادات استبدادية شمولية.
ان مليارات من البشر، أضحت ترفض أن تكون عدماً، وهي تلح في المطالبة بحقها في الحياة ، وفي استقلال اقتصادي كامل ، وفى أن يكون لها حق القرار بحرية
و بدون خضوع لأجندات خارجيه من هنا أو هناك.
وإذا كانت البلدان المتخلفة ، بل أقول المتأخرة، وهى متأخرة فعلاً ، واقعاً وممارسة ورؤية مستقبلية، اذا كانت معظمها بلدان زراعية ، فإن كسر حالة التخلف تفرض عليها أن تكون الزراعة نتيجة لتطور تقني وثقافي ونقدي. فباستخدام الوسائل التقنية كثيراً ما تكون مرتبطة بممارسات وأفكار تقليدية، وبمفاهيم معينة محدودة عن العالم، وبتسلسل هرمي في عالم القيم. حيث أن، عامل الزراعة في العالم المتخلف لا يفرق بين المعتقد الديني والوسائل التقنية الحديثة.
إن محاكاة الفلاح التقليدي في العالم الثالث للوسائل التقنية الحديثة تقتضيه التشكيك بنظامه الحضاري برمته ، حيث يصبح التوازن الاجتماعي موقع شك وتساؤل ، وذلك لأن اقتصاد المبادلة المتقدم مناقض لجميع القيم التي تسند أنماط معيشة المراحل السابقة.
فعندما يؤمن الانسان بعالم ثابت لا يتغير يحاول أن يشارك القوى الكبرى في الطبيعة ويتواصل معها،لا أن يسيطر على العالم. وهذا هو معنى الديانات الزراعية السائدة فى عالمنا المتخلف ، حيث تغدو إرادة السيطرة على الطبيعة بمثابة خرق لحرمة المسلمات المقدسة ، ولإعتبار أن التقاليد السائدة هي من القيم الأساسية التي عليه التمسك بها ، والتي تحرم كل إبداع جديد وتعتبره خروجاً عن القاعدة .
وبمراجعة التقارير التي تصدر عن الأمم المتحدة ، نرى أنها تلقى الضوء على التحديات التى تواجه السلام والتنمية في عشرات من البلدات المتخلفة ،بعضها يعتبر دولا نفطية ، ومن أغنى الدول في العالم.الا ان تخلف هذه الدول وعدم لحاقها للعصر ، يبقى ، وفق التقارير،لافتا للنظر، والمطلوب تحديد الأسباب والمعوقات التي تحول دون التقدم وطرح جملة من الأسئلة الصعبة والمثيرة : هل الدين ، الاسلام تحديداً ، يشكل عقبه أمام التحديث والتقدم ؟ ..وإذا لم يكن كذلك ، كيف نفسر الفجوة الكبيرة فى التنمية بين العالم العربي والغرب؟ وما الذي يجب أن يتغير حتى يمكن للبلدان العربية أن تنمو وتزدهر وتتقدم ؟
وفي حين أنه مازال على الإسلام أن يوفق بين الدين والعقل ، تظل العوامل الأخرى مثل النظم الديكتاتورية والتمويل المتقلب للمشاريع الإنمائية والبرامج التربوية والمؤسسات الثقافية ، تبقى تشكل عقبة أمام التنمية والتكنولوجيا من جهة، والإيديولدجية الحديثة في العالم العربي من جهة أخرى. فالتقدم يعتمد، بالأساس،على التغييرات التي تطال القيم السائدة والمؤسسات والأفكار والمناهج والرؤى والتطلعات.
إن انتقالاً، من مجتمع تقليدي متخلف الى مجتمع حديث و عصري ، عبر الت هوصنيع على سبيل المثال، من الصعوبة بلوغه دون احداث متغيرات اجتماعية وثقافية وعقلية جذرية . وعملية النهضة والتقدم هي عمليه تغییر تطال كل بنى المجتمع . وفى الصناعة، هي ليست مجرد عملية إنزال نشاطات صناعية فحسب، بل أن تترافق تلك النشاطات مع الصيرورة الاجتماعية والاقتصادية التي تندفع تدريجيا نحو النهضة والتقدم.
إن إقامة صناعة على المستوى القومي يعني رفض القدرية وتأكيد الذات . فالصناعة هي الوسيلة لنقل الإنسان من الوسط التقليدي الى الوسط العصري، وهي التي تغير انسان ” العالم الثالث” من انسان يعتبر العالم أمر معطى ، يعانيه ويتكيف معه ويقبله كما هو ، إنسان يعيش بدلالة الماضي والأساليب التي تفرضها الأعراف والتقاليد والعادات والثقافات المتأخرة…. إلى إنسان عصري ، يعمل للسيطرة على العالم وتحويل الطبيعة وتحسين الظروف المحيطة به، انسان يعيش بدلالة المستقبل،ويعمل لإحلال الجديد والحديث بدل القديم والمفوث.
بعد عرض هذه الملاحظات السريعة حول العلاقة الجدلية بين التخلف والتنمية ، بين التأخر والتقدم ، بين الركود والنهضة . لابد من الاطلالة على الواقع العربي المتأخر، وتحديد بعض أسباب هذا التأخر.
لقد دأبت منظمات الأمم المتحدة، عقب أحداث 11 أيلول ٢٠٠١ المأساوية، على اصدار تقارير سنويه عن التنمية البشرية في العالم العربي . لقد القت هذه التقارير الضوء على التحديات التي تواجه السلام بشكل عام و التنمية في ٢٢ بلدا”. بعض هذه البلدان دول نفطية ويتم تصنيفها من أغنى بلدان العالم . لكن تلك التقارير لفتت النظر الى أن معظم تلك البلدان تعاني من مشكلة التخلف .
هذا الوضع السائد في معظم البلدان العربية يؤدي الى طرح بعض الأسئلة الصعبة، والتي على معظم الباحثين الإجابة عليها وطرح الحلول الملائمة لها.
-هل الإسلام عقبه أمام التحديث؟
_ واذا لم يكن الأمر كذلك ، كيف نفسر الفجوة الكبيرة في التنميه بين العالم العربي والغرب ؟
وما الذي يجب أن يتغير في عالمنا العربي حتى نتمكن من ولوج النهضة والتقدم…؟
في الدخول إلى معظم كتابات الفلاسفة والمفكرين العرب والمسلمين عبر التاريخ نكتشف أنه يوجد صراع دائم بين العقل والدين . فبينما اتجه البعض الى اعتبار أن الدين الاسلامي دينا عقلانياً وتحاكي شرائعه العقل الإنساني، رأى آخرون أن الإسلام خلال حقبات من التاريخ ، عجز عن محاكاة العقل، وركز على عاطفة القلوب ، وإظهار الصور التي تدغدغ المشاعر وترهب العامة. وبذلك لم يستطع الإسلام، لغاية اليوم، أن يوفق بين الدين والعقل.
وبالرغم من وجود عوامل أخرى حالت دون التقدم مثل سيطرة النظم الدكتاتورية من جهة والتمويل المتقلب للمشاريع الإنمائية وللبرامج التربوية من جهة أخرى، والتي شكلت في معظمها عقبات واضحة ومهمة أمام عملية التنمية وإمتلاك التكنولوجيا الحديثة في العالم العربي، ناهيك عن تبعية معظم الأنظمة العربية والإسلامية المتعافية للخارج الذي يملي عليها سياساته وتوجهاته وينهب ثرواتها، والاحتلال الصهيوني لفلسطين بدعم ومشاركة عربية واضحة، هذا الاحتلال الذي أوقع العالم العربي في صراع دائم مع الصهاينة والقوى الداعمة ، رغم تراخي أغلبية الأنظمة وخضوعها، بل تعاونها مع المحتل .
وفي محاولة للإجابة عن الأسئلة التي ذكرت ، لا بد من عرض مختصر لتاريخ التنمية والتكنولوجيا في العالم العربي، وهو الوضع الأهم والأول للبحث عن هذالأسئلة.
وفي محاولة للإجابة عن الأسئلة التي ذكرت ، لا بد من عرض مختصر لتاريخ التنمية والتكنولوجيا في العالم العربي، وهو الوضع الأهم والأول للبحث عن هذه الأسئلة.
بايجاز، تتألف التجربة العربية من عصر ذهبي في القرن العاشر الميلادي وحتى القرن الثالث عشر،وانهيارات لاحقة . ثم تجدد متواضع في القرن التاسع عشر، وصولا إلى تاريخ إحباط في القرن العشرين ما زال یرخي ظلا له حتى اليوم. مما يظهر أن النقص في التنمية أمر خادع بشكل خاص، على اعتبار أن العرب كانوا قادة للعالم في السياسة والفلسفة والعلم والتكنولوجيا من الفية مضت، و إنكماش، بل تأخر ايديولوجي هيمن على معظم أفكار وطروحات الفكر والنظام العربي.
اولا: العصر الذهبي:
يمتد هذا العصر من العام ٩٠٠ الى العام ١٢٠٠ ميلادية، ومثل ذروة التقدم العربى، الذي ازدهر في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة بشكل خاص، وأحدث تقدماً مهما في حقول الطب وعلم الزراعة وعلم النبات ، وعلم الرياضيات والكيمياء و البصريات . کان هذا العصر الذهبي مسلماً بالتأكيد ، بمعنى انه حدث في مجتمعات ذات غلبه مطلقة من المسلمين ، في ظل انظمة وحكام ينسبون أنفسهم للإسلام . ولكن هل كان هذا العصر إسلامياً ؟ أي متصل بالدين الإسلامي؟
لقد كانت الدول القائمة إسلامية بشكل رسمي،كما تموضعت الحياة الفكرية ضمن بيئة اسلامية واعية للإسلام و منطلقاته، ورأى عدد كبير من المؤرخين أن الإسلام شكل قوة دافعة عن للثورة العلمية عند عدد كبير من المسلمين عندما كانت الدولة المسلمة في أوج مجدها وازدهارها. لكن في الوقت ذاته كان لغير المسلمين دور رئيس في هذا المجال والمجهود، وأن الكثير من الإنجازات العلمية في ذلك العهد تمت في أجواء فكرية غلبت عليها روحية التسامح والانفتاح من جهة والاستقلالية،الى حد بعيد عن السلطات الدينية.
ثانياً:مرحلة التدهور:
بدأت الأوضاع العامة تتجه نحو الانحدار في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، عندما بدأ العالم الإسلامي بالركود، واللهو والغرق في الملذات الشخصية في وقت أندفع فيه الأوروبيون إلى الأمام، واذا كان بعض المؤرخين يميلون الى مراجعة الأحداث واعادة تقييمها ، ويرفضون اعتبار هذا التاريخ بداية للتدهور، إلا أنهم يوافقون على أن التدهور قد حدث في النهاية .
وبغض النظر عن توقيت التدهور ، الا أنه كان يثبت أن المسلمين قد فشلوا في التعلم مما يجرى في أوروبا. حيث لم يلتفت المسلمون الى عصر النهضة والإصلاح الديني في أوروبا، وكذلك عدم الاستفادة من الثورة العلمية والتنوير. وبدلا من أن يأخذ المسلمون زمام المبادرة والعمل بشكل جدي للاستفادة مما يحصل في الخارج، اعتمدوا على بعض الأقليات الدينية ( اليونانيون ،اليهود… ) كوسطاء بينهم وبين الخارج ، وقاموا باستخدامهم کاطباء في البلاط ومترجمين وفي بعض الوظائت الأساسية الأخرى. وبمساعدة هؤلاء انجز العالم الاسلامي ما يعرف اليوم بانتقال محدود للعلوم والتكنولوجيا .
لقد نتج ذلك التدهور عن عدة عوامل متداخله، منها تآكل الزراعة الواسعة النطاق ونظم الري والغزو المغولي والغزوات الأخرى القادمة من آسيا الوسطى، والاختلال السياسي وزيادة التعصب الديني،وتدهور القيم الأخلاقية، وتفكك في البنى الإجتماعية.
ثالثاً: مرحلة النهضة وتأثيراتها على العالم العربي:
خلال مرحلة النهضة التي عاشتها أوروبا في أوسط القرن الثامن عشر، حيث عرف هذا العصر بعصر التنوير، أصبحت المعرفة متاحة للعالم الإسلامي بشكل عام، والعربي منه بشكل خاص . فعصر التنوير فصل العلم عن المسيحية ، مما جعله مقبولاً عند المسلمين، أما الثورة الفرنسية، وخاصة خلال غزو نابليون لمصر عام ۱۷۹۸ میلادية، وإصطحابه لحاشيته من العلماء والبعثات العلمية، كان لها الأثر في احداث بعض المتغيرات على الحياة الفكرية لدى المسلمين، فقدموا للعالم الإسلامي علماً أوروبياً جديدا وأفكار تنويرية لم يعهدوها من قبل. وفي غضون سنوات، وظف بعض الحكام الذين يقودهم محمد على في مصر،وظفوا الفنيين الأوروبين في العديد من الوظائف، وابتدأت حركة ارسال الطلاب إلى أوروبا طلباً للعلم .
خلال هذه الحقبة ، تم إنتشار واسع وسريع وغير عادي للتكنولوجيا الغربية في معظم أنحاء الشرق الأوسط، وخاصة خلال الفترة الممتدة من العام ١٨٥٠ الى العام ١٩١٤م. حيث فرضت السلطات الاستعمارته الأوروبية إجراءات الصحة العامة للسيطرة على وباء الكوليرا والملاريا والأمراض المعدية الأخرى. وثم إنشاء قناة السويس التي تصل البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، وتم إفتتاحها عام ١٨٦٩ ، مما ساهم في تقليص المسافات واختصار الوقت اللازم للنقل البحري،وبدات تنشأ اشكال جديدة للتجارة ، وظهرت السكك الحديدية والتلغرافات والبواخر والمحركات التجارية والسيارات والهواتف. وقد ساعد بانتقال هذه التكنولوجيا في الكثير من حالاتها ، من خلال سياسة منح بعض حكومات الشرق الأوسط تنازلات احتكارية لشركات أوروبية. في الوقت الذي لم يكن لدى الحكام المسلمين إهتمام كبير بتطوير القدرات الذاتية المحلية في مجال التكنولوجيا . ناهيك عن تأخر ملحوظ فى المجال الأيديولوجي.
لقد كان للأقليات الدينية الدور الأساس في إنشاء المؤسسات التعليمية الغربية الأولى في المنطقة، مثل الكلية البروتستانية السورية في بيروت (تأسست عام ١٨٦٩) وكلية القديس يوسف اليسوعية ( تأسست عام ١٨٧٥ )
لقد خدمت هذه المدارس، بالإظافة الى مدارس أخرى نشأت في تونس والجزائر وفي اماكن اخرى،خدمت مجتمعات الأقليات الدينية والأوروبين في نفس الوقت، رغم أن بعض المسلمين درس فيها. إلا انه خلال هذه الفترة ، أظهر بعض المفكرين العرب مقاومة ضئيلة ، قياساً على السابق، لإنتشار الأفكار العلمية الغربية.
رابعا : العودة الى الركود :
في الفترة الممتدة ما بين ١٩١٤ – ١٩٤٥ ، التي شهد العالم فيها حربين عالميتين ، وأعيد فيها تقسيم العالم وفق الهيمنات الجديدة على هذا العالم ، حاول العرب، ولكن ببطء وإحباط، تقوية التنمية المحلية ضد الأشكال المستوردة .
فظهرت جامعات جديدة في مصر وتركيا وسورية والسودان ، وركز الوطنيون ، الذين ظهروا بعد الحرب العالمية الأولى، بشكل اساس، علی کسب الاستقلال السياسي ولو الشكلي ، ولم يكن لديهم أي اهتمام بالتنمية والتعليم والاستفادة من التأثيرات الغربية الوافدة ، الا نادراً. فعاشت المرحلة حالة ركود ظاهرة ، باستثناء ما حصل في صناعة البترول ، تلك الصناعة التي سيطرت على قطاعات رئيسية في العراق ومملكة آل سعود بعد عام ١٩١٤، وذلك لأن الشركات المتعددة الجنسيات تعاقدت على القيام بعمليات محلية مثل أعمال الصيانة والهندسة والمسح الجيولوجي.
خامسا: الوضع الحالي.
على أثر الحرب العالمية الثانية، وبالرغم من قيام الكيان الصهيوني في وسط الجغرافيا العربية، وما كان لذلك ولا يزال من تأثيرات سلبية على العالم العربي، إلا أنه انتشر ، وللمرة الأولى ، في العالم العربي والاسلامي الشعور بالحاجة إلى التنمية المحلية.
لقد تم انشاء اكثر من ستين جامعة ومدرسة تقنية جديدة أثناء هذه الفترة في البلاد المتكلمة باللغة العربية وحدها، ولكن لم يكن لدى أي منها مكانة متميزة. تلقت البرامج التعليمية معظم الموارد مما جذب أجود الطلبة واكثرهم تميزاً . بالإضافة إلى ذلك، تطورت هذه المدارس والجامعات الى درجة أن مئات الالاف من الطلبة يتخرجون منها سنوياً في العالم العربي . كما أن الافاً أخرى من الشباب والفتيات العرب درسوا منذ الخمسينيات ، في الغرب بشكل عام ، وفي الاتحاد السوفياتي السابق ،وفي الهند وفي أماكن أخرى، وأغلبيتهم عادوا الی أوطانهم ، الا أن كل ذلك كان له تأثيراً كمياً وليس نوعياً .
كانت المعارضة تطمح إلى أسلمة المجتمع لا إلى اندماجه وتحديثه ونهضته وتقدمه ، أسلمة وفق ما تفهمه عن الاسلام ومايتماشى مع مصالح الغرب الذي يريد عالمنا أن يبقى غارقاً في وحول التأخر. وحتى في بعض البلدان العربية التى يفترض أن تكون علمانية وفق الدساتير السائدة منها،طالب الاسلاميون بتطبيق قانون الشريعة بدلا من استخلاص قوانين وضعية تنسجم مع هذا الكم الهائل من التطور والمتغيرات على مستوى العالم ما ساهم في تعريض القيم الديمقراطية الى ضرر كبير وانكماش وحتى عند الكتاب والأدباء والمفكرين، مما كان يتعارض كلياً مع الحاجة إلى الحداثة والنهضة والتقدم.
علی ضوء ذلك ، يبقى السؤال الأهم : لماذا يتخلف العالم العربي ..؟
يعتقد مراقبون كثيرون، أن الإيديوجيا الدينية السائدة في العالم العربي ، قد ساهمت في تراجع هذا العالم الى حد ما، حيث أن عقائدها لم تتصالح مع الواقع بشكل مرض ، ناهيك عن دور التأثيرات الخارجية الاستعمارية الواسعة والكبيرة الحجم، ودورها في رسم سياسات البلاد على مختلف الأصعدة ، و تركيزها على تفتيت العالم العربي وتفعيل الإنقسامات العامودية في بناه الاجتماعية .
وبذلك، فإن المستوى المنخفض للتقدم والتنمية والنهضة ناتج عن تأثير تراكمي لعوامل متعددة ، وليس من سبب واحد مهيمن ، والعلة الأساس تكمن فينا نحن العرب ، بالرغم من التدخلات الخارجية والحصار و اختلاف المشاكل والمعوقات المتعددة. وهذه بعض تلك العوامل:
-1 – التعليم : فاعلية التعليم في المستويات الابتدائية والثانوية متاحة في بلادنا بشكل كبير في حفنة مدارس خاصة مدنية ، بينما التعليم الرسمي والوطني يعاني الكثير من العيوب والقصور وفق سياسات متبعة قصداً ، ناهيك عن وجود عدد كبير من المدارس التابعة لدول استعمارية قديمة وحديثة وكما تظهر بشكل مكشوف المدارس “القرآنية ” التي تنفصل کليا عن كل حديث وعلمي ومتقدم. وانعدام الدعم الكافي للتعليم الابداعي في جميع المستويات . كما أن معظم المدارس والجامعات تركز على الحفظ والتقليد. بدلاً عن البحث والتنقيب واكتشاف سبل حديثة للمعرفة و التعلم . وهناك القليل جداً من برامج الدكتوراه القوية أو مراكز البحث ذات التميز الأكاديمي. وأن الجامعات المكتضة بالطلاب، والمستحقة التمويل والدعم تبقى غیر قادرة على حماية وتوسيع اماكن ومصادر البحث .
-٢- البحث العلمي : يفتقر العالم الإسلامي بشكل عام، والعربي.منه بشكل خاص ، بشدة إلى المراكز الفكرية والباحثين المتخصصين، وإذا وجدت هذه المراكز تكون مرتبطة بشکل او بآخر بمنهجيات فكرية وسياسية ضعيفه وغير وطنية، وبينما تفخر بلدان عدة بوجود باحثين ومشاريع فردية متميزة ، الا ان هناك قدرة بسيطة لتدريب الباحثين الشباب ، وأن الكثير من خريجي العلوم وخريجي الهندسة الذين تم تدريبهم على البحث العلمي،يتم توظيفهم في وظائف بيروقراطية . و بخلاف الغرب ، فان المراكز الفكرية التي تتعامل مع السياسة والفروع الأخرى للعلوم الإجتماعية ليس لديها أي دور في المجتمع ، ولا تتم استشارتها في عملية صنع القرار .
٣-الموارد : نقص الموارد والحوافز المالية شکل حاجزاً في وجه التقدم ، الا في بعض الدول الغنية بالنفط. في الوقت الذي تنفق فيه كل من اليابان و الولايات المتحدة والمانيا وعدد من الدول الغربية الأخرى ما يعادل٢ بالمائة او اكثر من اجمالي الدخل العام المحلي سنوياً على البحث العلمي المتعلق بالتطوير والتمنية، نرى أنه لا تنفق أي من البلاد الإسلامية والعربية اكثر من ٠،٥ بالمائة من إجمالي الدخل المحلي( المنخفض كثيرا) على البحث العلمى، وحتى عندما يكون التمويل متاحا فأن امكانات إدارة البحث تكون شبه نادره ، وأفاق التمويل المستقر للبحث والبناء الفاعل للمؤسسات آفاق فقيرة.
-٤- التسلط: من المتعارف عليه أن النظم الاستبداية المتسلطة تحول دون تنامي، أو حتى وجود قوى معارضة حقيقية لها، كما تعيق دور الجمعيات المهنية والهيئات النقابية، وتروع الجامعات وتقيد الاتصالات مع العالم الخارجي. ويمكن الحصول على التقارير المفصلة المرعبة من مراكز مراقبة حقوق الإنسان حول الدمار الطويل الأجل للمجتمعات الفكرية في الكثير من البلاد العربية من قبل النظم القائمة ” الوطنة”، منها، وتلك الأصولية.
ه- التعاون الإقليمي : لا يوجد تعاون اقليمي تقريباً في الدول الإسلامية والعربية، وإن وجد،فإنه يبقى محدوداً وبدون أفق وبغياب مشاريع هادفة ولها صفة الاستمرارية والتطوير الدائم. بينما توحد البلاد الغربية مواردها في زمن العولمة هذا،وضمن خطط و دراسات عميقة ومؤثرة.لقد فشلت البلدان العربية وتلك الإسلامية في التعاون في ما بينها، إلا في حدود قمع الحريات وكم الأفواه والسيطرة والتحكم ، كما فشلت حتى في التجمعات الأقليمية للأغراض الإقتصادية والتنموية
٦-عدم كفاءة المعلومات القائمة: حيث عادة ما تكون المراكز المهمة في الوزارات الحكومية، مثل الزراعة أو الانشاءات، مقتصرة على السياسيين وأصحاب النفوذ و أزلامهم وعيالهم، الذين لا يتمتع معظمهم بالثقافة العلمية والمنهجية والدقة والمتابعة، وليس لديهم أية إهتمامات أو إمكانيات للتنمية ، بل يستغلون مواقعهم للنفوذ والجاه والاستفادة الشخصية.
٧-عدم الاستقلالية في إتخاذ القرار: وهذه أهم معضلة تواجه التنمية والتقدم في البلدان المتخلفة بشكل عام ، والبلدان العربية على وجه الخصوص.حيث تخضع كل القرارات الحكومية وإداء المسؤولين لهيمنة خارجية مفروضة بالقوة أو التهديد أو الإفادة الضيقة ، وبذلك يصبح الحاكم أو المسؤول أشبه بموظف عند الخارج، ينفذد مصالحه ويتلقى منه التعليمات، ولدى أي مخالفة يفصل من وظيفته.
أخيرا،اذا كانت هذه حال البلدان العربية والقصور الواضح في شتى المجالات، مما يبقيها غارقة في التأخر والتبعية،فما هي حالة القوى والتجمعات والهيئات المناهضة التي تنشر التحرر والنهوض والتقدم ..؟
مع الأسف، فان معظم القوى والتجمعات والهيئات و المؤسسات المعارضة لما هو قائم في بلداننا ، هي دون المستوى المطلوب، ومعظمها يتحرك بدون مشروع محدد ومتكامل و بدون آفاق واضحه للتنسيق فیما بينها ، وبذلك تبقى قدرتها على التأثيرو التغيير ناقصة ومبتورة ، تحمل شعارات كبيرة وتتوق الى التقدم، الانها بقصور وعيها وانتظامها يغيبب عندها المشروع، ويفنى كل منها في القفص الذي وضع نفسه فيه، خارج سرب متکامل ومنتظم ومحدد الاتجاه.
أسد زين غندور
في ١٥/٤/٢٠٢٤