قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

المساعدات “الإنسانية” إلى غزة مسرحية عسكرية مكتملة العناصر

أمية درغام

إنه زمن التحولات وسقوط الأقنعة بامتياز على المستوى العالمي، فما كاد الرئيس الأميركي جو بايدن يعلن في 7 آذار/ مارس، أي بعد 5 أشهر بالتمام والكمال على عملية “طوفان الأقصى” في غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، عن الاتفاق على إنشاء ممرّ بحري لإيصال المساعدات “الإنسانية” إلى غزة، حتى توالت الانتقادات وتأكّدت الشكوك من استمرار الدعم الأميركي للعدو “الإسرائيلي” في حرب الإبادة التي يشنّها على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة.

ففي ظلّ توافر العديد من الممرّات البرّية، لا شك يُثار التساؤل حول ابتداع هذا الممرّ البحري الذي سارع الكيان “الإسرائيلي” في الموافقة عليه، فهل حلّت “الإنسانية” فجأة على بايدن والإدارة الأميركية بعد استشهاد أكثر من ثلاثين ألف مواطن فلسطيني بأسلحة أرسلت جوَّا وعلى وجه السرعة هبات من الولايات المتحدة الأميركية للكيان “الإسرائيلي” لمساعدته في قتل الفلسطينيين؟
ماذا وراء هذه اللفتة الإنسانية التي يندى لها الجبين، ونحن نشاهد إلى الإبادة بالقتل والتدمير، إبادة تجويع إذ وصل عدد ضحايا الجوع في غزة إلى 24 ضحية، جلّهم من الأطفال، وذلك عبر منع مرور المساعدات الإنسانية والطبية إلى غزة عبر معبر رفح من الجهة المصرية، أو عبر الأردن الذي فتح خطّ سير جانبي لتسيير شاحنات البضائع الغذائية وغيرها إلى الكيان الغاصب.
أما رمي المساعدات الجوّية فكانت مسرحيّة بامتياز، كما ذرّ الرماد في العيون، من إيقاع أكياس الطحين في البحر، إلى الكميّات التي لا تغني ولا تسمن، إنما هي عبارة عن عيّنات لا تفيد إلا في الدعاية والترويج لشعوب لم تعد عيونها معصوبة عن الحقائق، شعوب باتت تعرف أنّها كانت لأمد طويل تعيش كذبة تاريخية كبيرة تمّ تأليفها عن فلسطين، فانتفضت في الغرب وفي قلب الولايات المتحدة الأميركية ضد الطغمة المالية الحاكمة، ومع حقوق أصحاب الأرض الأصيلين والأصليين، أي أهل فلسطين وأبناءها، تحت شعار “فلسطين حرّة”.
لنعد إلى التوليفة، التي استخدمت في بيان رسمي، هدفه إنشاء منصة بحرية عائمة في بحر غزة أمام شاطئ خان يونس- جنوب غزة، وفي التوليفة، عدة دول وجهات، هي: المملكة المتحدة، الإمارات العربية المتحدة، قبرص، المفوضية الأوروبية، ألمانيا، اليونان، إيطاليا، وهولندا، ويقود هذا الدول، الولايات المتحدة الأميركية.
ولا ضرورة للإشارة هنا، إلى أنه، وفي كانون الثاني 2024، من بين الدول الخمس التي التحقت بالركب الأميركي في إعلان توقفها عن تمويل منظمة الأونروا (وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة) أو تعليقها لهذا التمويل، نجد المملكة المتحدة، ألمانيا، وإيطاليا.
أشارت التقارير الإخبارية إلى أن المنصة البحرية العائمة تحتاج إلى عدّة أشهر لإنشائها، وهذه نقطة ثانية تُثار هنا، بعد التساؤل عن الممرّات البرّية التي يمكن استخدامها، ومع موافقة الكيان “الإسرائيلي” على الممرّ البحري، لا بل مسارعته إلى الموافقة عليه، لمَ لا تمرّ المساعدات من معبر كرم سالم البري، على سبيل المثال لا الحصر؟ لمَ قصف جيش العدو الشاحنات ذات العدد الضئيل التي كانت تمرّ عبر معبر رفح؟
والنقطة الثانية في المسألة، تشير إلى أن الغاية ليست تلبية الاحتياجات الإنسانية الملحّة لغزة، لا لشماله ولا لوسطه، ولا لجنوبه. فالغاية هي تشييد نقطة بحرية أميركية.
ومن السلفادور، إلى كولومبيا، وصولًا إلى غزة، اسم يتكرّر، هو اسم السفينة التابعة للبحرية الأميركية التي ستشارك في مسرحية المساعدات الإنسانية لغزة، وهي USNS Brittin، هي السفينة التي بوسعها أن تنقل المعدّات العسكرية والمساعدات العسكرية، إلى المساعدات “الإنسانية”. وربما تكون هذه النقطة الثالثة من المسرحية.
وما أن اندلعت الحرب على غزة في 8 تشرين الأول/أكتوبر من قبل الكيان “الإسرائيلي”، والهبات العسكرية والدعم المالي يتدفّق من الولايات المتحدة، من دون مبالاة باحتجاجات الشعوب على المستوى العالمي بما تقوم به أميركا من مساعدة لإسرائيل في قتل أهل الأرض. لم يسأل بايدن عن الانتخابات الرئاسية في حينه، فهل هو يسأل الآن كي نخلص إلى القول بأن السير بالممر البحري هو نوع من الدعاية له قبل خوض الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية في تشرين الثاني 2024؟
مع الاحترام لكلّ التعليقات الصادرة بهذا الشأن، فإن إنشاء الممرّ البحري، وبناء منصّة بحرية، وإمكانية استقدام نحو 1000 جندي أميركي لإدارة العملية في بحر غزة (وهذه نقطة رابعة)، ليس إلا خطوة لمتابعة تنفيذ المخطط الاستراتيجي المنوي تنفيذه في غزة.
لم يعد خافيًا على المتابعين للقضية الفلسطينية، بأن المنوي القيام به في غزة، إلى الإبادة التي تجري حاليًا فيها، من خلال القصف والقتل والتدمير للمنازل ولكل المرافق الصحية والتعليمية وسواها، هو دفع من يتبقّى من الناس إلى الهجرة، في نكبة جديدة بعد نكبة العام 1948، والسيطرة تمامًا على غزة، والسيطرة على مقدّراتها، ومنها الغاز في بحرها، حيث اكتشف في العام 2000 حقلا غاز في بحر غزة، قدّرت سعته بـ 1.4 تريليون قدم مكعب، تكفي قطاع غزة والضفة لمدة 15 عامًا. وأخيرًا، كان الكيان الإسرائيلي، بحسب France 24، يسعى إلى إبرام صفقات مع شركات عالمية للتنقيب عن الغاز في حقل “غزة مارين”، ما أثار تساؤلًا حول مدى قانونية ذلك.
غزة، المعتقل الأكبر في العالم، التي تعيش منذ سنوات طويلة حصارًا محكمًا، ليست إلا مشروعًا تمدّديًا استعماريًا للسيطرة على مقدّراتها من غاز وسواه، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وتنفيذ الكيان المخترع “إسرائيل”.
ويبدو في الآونة الأخيرة، أنّ الولايات المتحدة الأميركية لم تعد مكتفية بالأداء “الإسرائيلي”، وهي سارعت وتسارع لإحكام قبضتها على مقدّرات بلادنا، مباشرة، ومن دون الحاجة إلى وسيط، وما الممرّ البحري والمنصة والسفن المنوي قدومها، إلا تأسيس لقاعدة أميركية صرف، بعد أن عجز “الوكيل” عن أداء مهمّته بالسرعة المطلوبة.
المسألة ليست مساعدات إنسانية ولا شعور بالإنسانية تجاه شعب تتمّ إبادته، إنما مصالح اقتصادية، وجشع متمادٍ في السيطرة على مقدّرات الأمم.
أمية درغام
إعلامية وباحثة

اقرأ المزيد
آخر الأخبار