هل سمعتم من قبل عن المسيحيين من أتباع المشيئة الواحدة؟ القصة تعود إلى القرن الخامس ميلادي حين نشأ جدل حول طبيعة النبي السيد عيسى المسيح وهل هي إلهية أو إنسانية. ولقد حسم الجدل في مجمع خلقيدونية في العام 453 بالاتفاق على أن للسيد المسيح طبيعتان، إلهية وإنسانية. لكن جدلا آخر نشأ حول العلاقة بين الطبيعتين ولمن تكون الغلبة بينهما. وبينما أصر البعض على أن الطبيعتين منفصلتين ومتساويتين في الجوهر، إلا أن البعض الآخر أصر على أن الطبيعة الإنسانية محدودة أما الطبيعة الإلهية غير محدودة وبالتالي فهي التي ستغلب على الطبيعة الإنسانية للسيد المسيح وتدمجها فيها بما يؤدي إلى أن يكون للسيد طبيعة واحدة هي الطبيعة الإلهية.
دروس التاريخ
كان يمكن لهذا الجدل أن يبقى محصورا بين جدران وأروقة الأديرة بين رجال الدين أنفسهم لولا أنه اتخذ بعدا آخر للتعبير عن الصراع بين اليونانيين من جهة والسريان والمصريين والعرب من جهة أخرى. كان اليونانيون هم من يسيطرون على الدولة الرومانية الشرقية أو البيزنطية، وكان السريان والمصريون بالدرجة الأولى والعرب، بصفتهم أبناء عم السريان والأقباط يعتبرون أنفسهم عرضة للتمييز من قبل اليونانيين منذ غزو الاسكندر المقدوني للشرق واقامته لامبراطورية غلبت عليها الثقافة اليونانية الهيلينية، خلفتها في القرن الأول قبل الميلاد امبراطورية رومانية تبنت الإرث اليوناني ومارست التمييز ضد السريان والأقباط الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أعرق حضاريا من اليونان بحكم موروثهم الحضاري الطويل منذ الاف السنين قبل الميلاد والمنبثق عن حضارات تعاقبت على حكم الشرق الأدنى إن كان انطلاقا من العراق والشام أو من مصر. وقد تم التعبير عن هذا الصراع بأن تبنى اليونانيون عقيدة الطبيعتين المنفصلتين للسيد المسيح والمتساويتين بالجوهر، في مقابل تبني السريان والمصريين لعقيدة الطبيعة الواحدة للسيد المسيح وهي الطبيعة الإلهية. وتحت مظلة هذا الخلاف العقائدي تم التعبير عن الصراع القومي والثقافي بين اليونان من جهة والسريان والمصريين وقسم من العرب من جهة أخرى.
هذا الصراع سيلعب دورا في إيجاد أسباب الفرقة بين رعايا الدولة البيزنطية في الشام ومصر والأناضول في وقت كانت الدولة البيزنطية قد بدأت تواجه تحديا مستجدا باعتماد الدولة الساسانية في ايران والعراق سياسة عدائية نشطة ضدها منذ النصف الثاني من القرن السادس ميلادي. ففي ذلك الوقت كان الفرس قد بدأوا يرنون بأنظارهم للوصول إلى شرق المتوسط ومد تجارتهم اليه من دون الحاجة لكسب رضى البيزنطيين على ذلك. ولقد استغل الفرس الصراع الدائر داخل الدولة البيزنطية ودعموا أتباع المشيئة الواحدة واستفادوا من تقربهم منهم لتحقيق انتصارات ضد الدولة البيزنطية مكنتهم من السيطرة على أجزاء من الأناضول وكامل بلاد الشام ومصر في أوائل القرن السابع ميلادي.
كان على الإمبراطور البيزنطي هرقل الذي تبوأ العرش في العام 610 أن يبذل جهدا كبيرا في إعادة تجهيز الجيوش للتحضير لاستعادة المقاطعات التي انتزعت من بيزنطة والتي ستتوج بعد عقدين بانتصار كبير على الفرس في العام 629 تمكن بموجبه من احتلال عاصمتهم في المدائن واجبارهم على توقيع معاهدة ينسحبون بموجبها من مصر والشام ويعودون فيها إلى الحدود التي كانت تفصل بين الامبراطوريتين في الشرق على طول نهر الفرات. كان هرقل يعي أن الانقسام الذي ضرب الإمبراطورية البيزنطية بين السريان والمصريين أتباع الطبيعة الواحدة واليونانيين أتباع الطبيعتين كان قد لعب دورا في إضعاف قبضة الدولة البيزنطية في الشرق وساهم في خسارة الدولة البيزنطية لهذه الأقطار ما جعلها تعاني الأمرين حتى نجحت في استعادتهما في آخر الأمر. لذلك فهو ظن أنه في حال نجح في التوفيق بين المذهبين فإنه سيكون بإمكانه أن يجد أرضية مشتركة تنهي أسباب الانقسام وتساعد في تثبيت الحكم البيزنطي في الشرق. هذا جعله يتبنى اجتهادا تقدم به بولس، بطريرك أرمينيا، والتي كان يقول من خلالها بأنه إن كان للمسيح طبيعتين إلهية وإنسانية إلا أنه له إرادة واحدة وهي الإرادة الإلهية. وقد عرفت الطائفة التي تبعت بولس بأتباع المشيئة الواحدة.
لكن مبادرة الامبراطور ستفشل ولن تسهم إلا في دعم فرقة دينية جديدة ستدخل في صدام في الوقت نفسه مع اليونانيين أتباع الطبيعتين والسريان والمصريين أتباع الطبيعة الواحدة. ويكمن السبب في أن الامبراطور لم يعي حقيقة أن الخلاف الديني هذا كان يعكس صراعا قوميا بين فئة مهيمنة على الدولة هي اليونانيين وفئة مهيمن عليها تعتبر نفسها أعرق حضاريا هي السريان والمصريين. وسيساهم هذا الصراع القومي بعد أعوام قليلة على دعم السريان والمصريين للفاتحين العرب المسلمين في فتح بلاد الشام ومصر، إذ وجدوا فيهم مخلصين لهم من الجور اليوناني. وستزول هيمنة بيزنطة وتزول معها الهيمنة اليونانية الرومانية في الشرق والتي دامت لتسعة قرون.
التاريخ يعيد نفسه؟!
ما أشبه الأمس بما يجري اليوم، إذ نشهد الولايات المتحدة، التي تعتبر نفسها إعادة تجسيد للامبراطورية الرومانية والحضارة اليونانية الرومانية، تحاول الإبقاء على هيمنتها على منطقة المشرق لاحتواء قوى أوراسية صاعدة من ضمنها إيران لمنعها من الوصول إلى شرق المتوسط. وهي تحاول تدعيم حضورها العسكري المتمثل بقواعد عسكرية أقامتها في العراق وسورية ولبنان ومنطقة الخليج، بإعادة تشكيل إيديولوجي للمنطقة يساهم في دمج إسرائيل، المعتمدة من قبل الولايات المتحدة كقاعدة للنفوذ الأميركي في المشرق، في المحيط ذات الغالبية العربية الإسلامية. هذا جعل الولايات المتحدة تسعى لفرض صفقة القرن في المنطقة عبر منع قيام دولة فلسطينية، وعبر تطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل.
وكما الامبراطور هرقل قبل 1400 عام، فإن الأميركيين اعتبروا أن الصراع بين الغرب والعرب، وبين العرب وإسرائيل هو صراع ديني. هذا ما ورد في كتابات أميركيين متدينين يمينيين مثل صامويل هانتنغتون الذي اعتبر أن العالم منقسم لحضارات قائمة على أساس ديني منها الحضارة الغربية اليهودية المسيحية، والحضارة المسيحية الأورثوئوكسية، والحضارة الإسلامية، والحضارة الآسيوية الصينية واليابانية، والحضارة الهندية، والحضارة الإفريقية، والحضارة الكاثوليكية اللاتينية. واعتبر هانتنغتون أن الصراعات ستنشأ في مناطق التماس بين هذه الحضارات، ومن ضمن مناطق التماس هذه منطقة المشرق العربي حيث يقوم صراع بين اليهودية الصهيونية، كجزء من الحضارة اليهودية المسيحية، مع العرب الذين يشكلون جزءا من الحضارة الإسلامية. ووفقا لهؤلاء المفكرين اليمينيين الغربيين، فإن اللوم يقع على الإسلام في الصدام الحاصل في الشرق مع إسرائيل اليهودية، كما أن اللوم يقع عليه في صدامه مع الحضارة الغربية لعجزه عن تحديث نفسه كما حصل مع الحضارة اليهودية المسيحية التي استطاعت تحديث نفسها، كما يقول المؤرخ الصهيوني الأميركي برنارد لويس في كتابه “ما الخطأ الذي حدث” الذي يطرح من خلاله نفسه مقيِما ومدينا للدين الإسلامي.
ولأنه وفقا لهؤلاء المفكرين اليمينيين الغربيين، فإن القصور هو في الإسلام، فإن هؤلاء المفكرين بدأوا يطرحون فكرة “إصلاح” الإسلام. ولأن الصراع وفقا لهؤلاء هو صراع ذات بعد ديني، فإن “بناء السلام” يكون في التقريب بين الأديان أو ما يسمى بالتطبيع الديني عبر تطويع الدين الذي فيه قصور، وهو الإسلام وفقا لهؤلاء المفكرين اليمينيين، مع الدين الذي واكب الحداثة وهو الدين اليهودي أولا والدين المسيحي الإنجيلي ثانيا. من هنا برزت فكرة التقارب بين الأديان منذ السبعينات من القرن الماضي مع توقيع اتفاقية كامب دافيد للسلام بين إسرائيل ومصر. وخلال السنوات الماضية، ومع طرح الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لمشروع صفقة القرن الذي يقوم على تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، فلقد تجدد الحديث عن التقارب بين الأديان.
ففي آب 2020 وقعت الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل في واشنطن اتفاقية لاقامة علاقات دبلوماسية بينهما تلتها اتفاقية أخرى بين البحرين وإسرائيل في أيلول 2020 تضمنت احتفالا شارك فيه ممثلون عن الامارات العربية المتحدة والبحرين وإسرائيل والولايات المتحدة لإطلاق مشروع الديانات الإبراهيمية للتقريب بين الأديان. وقد قام المشروع على الدعوة للعودة إلى النبي إبراهيم الخليل، أبو الأنبياء جميعا، بصفته النبي الجامع للأديان السماوية الثلاثة. وقد تم النظر بسلفية دينية وبطريقة حرفية للنصوص الدينية مثلما حصل مع حركة الإصلاح البروتستانتية في القرن السادس عشر التي نظرت الى الانجيل في شقيه أكان العهد القديم أو العهد الجديد، بطريقة حرفية من دون النظر إلى البعد الغيبي والقيمي فيما يمهد لإطلاق “ديانة صهيونية إسلامية” بذريعة الإصلاح الديني، كما حصل في القرن السادس عشر حين ساهمت حركة التمرد على الكنيسة الكاثوليكية في إطلاق تيار المسيحية الصهيونية. وعلى وقع هذا النهج تم إطلاق صندوق أبراهام على أن يتم تمويله من الدول الأعضاء في الاتفاقية لتنفيذ مشروعات دينية وثقافية وسياحية تساهم في انتاج ثقافة مشتركة بين أتباع الديانات اليهودية والإسلامية والمسيحية بشقها الإنجيلي. وقد أعلن عدد من قادة الدول العربية عن استعدادهم للانضمام الى هذه الاتفاقية ومن ضمنهم السودان والمغرب وسلطنة عمان والأردن.
الفشل حتمي!
نستنتج أنه كما حاول الامبراطور هرقل خلق مذهب جديد يشكل أرضية مشتركة بين السريان اليعاقبة واليونان الأرثوذوكس يكون من شأنها ضمان بقاء هيمنة بيزنطة في الشرق، فإن الولايات المتحدة تعتقد أنه يمكنها ضمان بقاء هيمنتها في الشرق إذا هي دعمت تطبيعا دينيا بين المسلمين واليهود والمسيحيين الإنجيليين يوجد أرضية مشتركة بين الديانات الثلاث. لكن ما يغيب عن بل الأميركيين أن أزمة العرب والمسلمين مع الولايات المتحدة تكمن في هيمنة قوة غريبة عن المنطقة عليهم، وفي وقوف واشنطن حجر عثرة أمام الآمال القومية والتنموية للعرب والمسلمين، تماما كما غاب عن بال الامبراطور هرقل أن الخلاف الديني في القرن السابع ما كان الا غطاء للخلاف ذات البعد القومي بين السريان والمصريين من جهة واليونانيين من جهة أخرى. وبالتالي فإنه كما فشل مشروع هرقل في التقريب بين الأديان آنذاك، فإن مشروع الولايات المتحدة حتما سيفشل إذ أنه لا يعالج جذر المشكلة الكامنة في رغبة العرب والمسلمين في التحرر من السيطرة الخارجية الغربية عليهم. ونستنتج أنه لا يمكن لعامل أيديولوجي حتى لو كان ذات بعد ديني أن ينجح اذا لم يعالج الأبعاد المادية للصراع.
وفي هذا الاطار يمكن أن نستحضر تجربة أيديولوجية أخرى من القرن العشرين هي تجربة القومية العربية. كان هذاالتيار قد انطلق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كمحاولة من العرب الواقعين تحت الحكم العثماني في إيجاد دور لهم في عالم متغير. خلال الحرب العالمية الأولى، وفي إطار الصراع على المنطقة العربية بين الدولة العثمانية وبريطانيا العظمى، قامت حكومة صاحبة الجلالة باحتضان تيار القومية العربية ظنا منها أنه سيخدمها في كسب ود العرب ضد الدولة العثمانية. وكان أحد أبطال هذا التيار وهذه المرحلة نوري السعيد الذي سيصبح لمرات عدة رئيسا للوزراء في العراق. لكن خلال الخمسينات من القرن الماضي فإن قيادة جديدة ستظهر في مصر وتتمثل بجمال عبد الناصر الذي سيرفع لواء التحرر من الاستعمار القديم. كان عبد الناصر متأثرا بالقومية العربية، لكن لأنه سيصطدم ببريطانيا، فإنه سيقوم بإعادة صياغة هذا التيار بما يحرره من الهيمنة البريطانية ويعيد صياغته كمشروع تحرر. هذا كان الفرق بين القومية الناصرية والقومية التقليدية التي سبقتها. وبالمحصلة فإن تيار عبد الناصر هو الذي سينتصر في النهاية وسنجد ممثل التيار القومي العربي التابع لبريطانيا مسحولا في شوارع بغداد في العام 1958. فهل سيواجه عرابو الاتفاقات الابراهيمية أنفسهم يواجهون نفس مصير نوري السعيد؟