تواجه الولايات المتحدة تراجعا في نفوذها في منطقة الشرق الأوسط ترجم تراجعا في قدرتها على المون على حلفاء تقليديين لها مثل تركيا والمملكة العربية السعودية، في ظل تصاعد لنفوذ خصومها الاستراتيجيين مثل ايران وروسيا والصين. فلقد تمكنت روسيا من إقامة علاقات جيدة مع تركيا جعلتها تستفيد منها كوسيط في النزاع المندلع في أوكرانيا، وجعلتها تبعدها نسبيا عن الولايات المتحدة في ما يتعلق بالحرب على سورية ما انعكس تباينا بين انقرة وواشنطن في مقاربة الموقف من الحرب على سورية ومن دمشق. بموازاة ذلك فإن الصين استطاعت أن ترتبط بعلاقات تحالف وطيدة مع إيران وفي الوقت نفسه اقامة علاقات قوية مع المملكة العربية السعودية بما ساهم بلعب بكين دور الوسيط بين الرياض وطهران لأول مرة في تاريخ الصين.
قلق أميركي من تصاعد النفوذ الصيني في الشرق الأوسط
هذا التطور جعل إدارة الرئيس جو بايدن توفد مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ويليام بيرنز في جولة الى الشرق الأوسط كان أهمها زيارته الى المملكة العربية السعودية للقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في سابقة غير معهودة. ويبدو أن الأهمية التي توليها إدارة بايدن للتطورات الجارية في الشرق الأوسط وحساسية هذه التطورات بالنسبة لأمنها لقومي جعلها تتجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية التي تمر عبر وزارة الخارجية وتعتمد على مدير وكالة الاستخبارات المركزية في التواصل مع القادة في الشرق الأوسط، على الرغم من النقد الكبير الذي أثره هذا الأمر في أوساط الخارجية الأميركية، علما أن إدارة بايدن لم تعين حتى الآن سفيرا لها في المملكة العربية السعودية.
وقد تم اللقاء بين بيرنز وبن سلمان في جدة الواقعة على البحر الأحمر، وتم التركيز فيه على موضوعين رئيسيين يهمان واشنطن هما طلبها من الرياض بزيادة انتاج النفط من قبل المملكة العربية السعودية ومن قبل منظمة لدول المنتجة للنفط أوبك لتخفيض سعر النفط العالمية بعدما ساهم ارتفاعها الى رفع نسب التضخم في الغرب وخصوصا في الولايات المتحدة الأميركية، وأيضا احتجاج واشنطن على عزم الرياض استيراد أسلحة من الصين ما يكسر احتكار الولايات المتحدة والغرب للسوق السعودية الغنية المردود والارباح، إضافة الى ابعاد هذا الامر الاستراتيجية لجهة تغلغل النفوذ الصيني في الشرق الأوسط على حساب النفوذ الأميركي.
والجدير ذكره أن معلومات تسربت عن عزم الرياض استيراد صواريخ باليستية من الصين في إطار برنامج سري تحت مسمى التمساح. وقد عبر بيرنز عن قلق واشنطن من العلاقات المتنامية بين الصين والمملكة العربية السعودية في ظل أنباء أخرى عن عزم الرياض بيع نفطها باليوان الصيني، ما يكسر احتكار الدولار الأميركي لمبيعات النفط السعودية لأول مرة منذ العام 1976 ويهدد هيمنة الدولار على السوق النفطي العالمي، في الوقت الذي تسعى فيه اقتصادات كبرى مثل روسيا والصين والهند وجنوب افريقيا والبرازيل الى التخلي عن الدولار في تعاملاتها التجارية البينية. هذا الأمر أثار حفيظة النخبة السياسية الأميركية التي ناقشت تبعاته في جلسات الكونغريس لأميركي، مبدية قلقها من التقدم الذي تحققه الصين وأيضا روسيا في تطوير علاقاتها بدول الشرق الأوسط ومن ضمنها حلفاء للولايات المتحدة مثل المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة.
تراجع العلاقات مع الرياض وأبو ظبي!
ويبدو أن تجاوز واشنطن للقنوات الدبلوماسية والاعتماد على مدير وكالة الاستخبارات المركزية في التواصل مع القيادة السعودية يعود إلى التدهور الكبير في العلاقات السعودية الأميركية في ظل إدارة جو بايدن. والجدير ذكره أن بايدن كان نائبا للرئيس في إدارة الرئيس باراك أوباما (2009 – 2017) التي حاولت تغيير الأنظمة العربية حتى الحليفة لها واستبدالها بحكم الاخوان المسلمين، بما فيها الاسرة الحاكمة في المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة. وبعد تولي جو بايدن لمقاليد الحكم في واشنطن في العام 2021 فإنه أصر على محاسبة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في السفارة السعودية في تركيا. ولهذا السبب فإن بايدن رفض استقبال محمد بن سلمان في واشنطن وأصر على المطالبة بافراج بن سلمان عن عدد من أفراد الأسرة السعودية المعتقلين ومن ضمنهم الأمير محمد بن نايف الذي كان يملك علاقات وثيقة بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والذي أطيح به من ولاية العرش السعودي في العام 2017.
كل هذا جعل بن سلمان لا يتجاوب مع مطالب بايدن التي سبق ونقلها له مستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان بزيادة انتاج النفط وفقا لما كشفته صحيفة وول ستريت جورنال. ويبدو أن اشتراط إدارة بايدن على بن سلمان بضرورة زيادة انتاج النفط في مقابل تقديم واشنطن للدعم العسكري في مواجهة أنصار الله الحوثيين هو ما أثار حفيظة ولي العهد السعودي وجعله يلجأ الى الصين للتوصل الى تسوية مع يران تريحه من مأزقه في اليمن.
وكما في الرياض، يبدو أن إدارة بايدن قلقة من تراجع هيمنتها على أبو ظبي. فبالتوازي مع زيارته الى الرياض، زار بيرنز أبو ظبي وأثر مع لرئيس الإمارتي محمد بن زايد موضوع التحسن لكبير في العلاقات بين الامارات العربية المتحدة والصين ولذي تم التعبير عنه في تحول الامارات الى شريك تجاري رئيسي للصين من جهة وقبولها بإقامة الصين لقاعدة عسكرية بحرية في الامارات، وهو ما اعتبرته إدارة بايدن بأنه يهدد العلاقات بين واشنطن وأبو ظبي.
خشية أميركية – إسرائيلية من تصاعد القوة الإيرانية
في ظل توتر علاقاتها مع حلفائها في المنطقة، إن إدارة بايدن تخشى من تصاعد قوة ايران ونفوذها في الأوسط بشكل لا يجعل احتواؤه ممكنا من قبل الولايات المتحدة والغرب. فبعد خيبة ايران من العلاقات مع الغرب بعد انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني الذي تم التوقيع عليه مع إدارة أوباما في العام 2015، فإن ايران في ظل الرئيس المحافظ إبراهيم رئيسي اختارت التحول شرقا لاقامة حلف استراتيجي مع الصين وروسيا يغنيها عن علاقات اقتصادية مع الغرب. وهذ يجعلها أقل استعدادا للقبول بالشروط الأميركية والغربية لتوقيع اتفاق نووي جديد يتضمن الحد من قدراتها الصاروخية والتخلي عن تحالفاتها الإقليمية كما تطالب واشنطن.
كذلك فإن طهران تستفيد من التوتر في علاقات واشنطن مع عدد من العواصم العربية الحليفة لها لتعزز فكرة أن نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط آيل للتراجع وأن أمن المنطقة يمكن أن يتم ضمانه من قبل دول المنطقة. وهذا يساعد طهران على اقناع العواصم العربية بتحسين العلاقات معها وهو ما جرت ترجمته بالانفتاح السعودي الإيراني الذي تم بوساطة صينية وبتجاوز كامل للدور الأميركي التقليدي في المنطقة. وهذا يساعد على مزيد من تغلغل لنفوذ الصيني في منطقة الخليج. وفي ظل عدم التوقيع على اتفاق نووي، فإن ايران تستفيد من هامش كبير من الحرية لتطوير برنامجها النووي وصولا الى العتبة النووية التي تؤهلها لتطوير سلاح نووي اذا رأت الحاجة الى ذلك لاكتساب قدرات الردع في مواجهة التهديدات الأميركية والصهيونية.
وقد استفادت ايران أيضا من توتر العلاقات بين واشنطن وحلفائها العرب لوقف مفاعيل التطبيع بين هذه العواصم وإسرائيل وتجميد الاتفاقات الابراهيمية التي شكلت جزءا من صفقة القرن التي كانت تطمح لدمج إسرائيل في المنطقة العربية وإقامة تحالف عربي صهيوني في مواجهة ايران. وزادت ايران على ذلك لمحاولة تقليص حرية المبادرة العسكرية الإسرائيلية عبر دعم الردع السوري في مواجهة الغارات الصهيونية المتكررة ودعم المقاومة الإسلامية في لبنان وفصائل المقاومة لفلسطينية في الاراضي الفلسطينية المحتلة.
وتخشى الدوائر الأمنية الصهيونية من تصاعد اعمال المقاومة في الداخل الفلسطيني في ظل الانقسام السياسي الصهيوني والأزمة التي تواجهها حكومة بنيامين نتنياهو والمتمثلة بتصاعد مظاهرتا لاحتجاج ضدها، كما تخشى من تصاعد الردع السوري بما يزيد من المخاطر على سلاح الجو الإسرائيلي ثناء غاراته على سورية، ويقلص من قدرة الردع الإسرائيلية.